تسريبات إبستين تعود إلى الواجهة: هل سيتمكن ترامب في تفادي العاصفة؟
19 نوفمبر 2025
في الثاني عشر من الشهر الجاري، نشرت مجموعة من نواب الحزب الديمقراطي ثلاث رسائل إلكترونية تخص جيفري إبستين، تضمنت مراسلاته مع مايكل وولف وشريكته جاسلين ماكسويل وأخيه مارك إبستين. وذكرت هذه الرسائل الرئيس الحالي دونالد ترامب أكثر من مرة، ما أعاد إلى الواجهة فضيحة علاقته بإبستين، المتورط بقضايا اغتصاب قاصرات والاتجار الجنسي، والتي أثارت اهتمامًا واسعًا في الولايات المتحدة قبل وفاته عام 2019.
لفترة طويلة، كانت قضية إبستين تستخدم لاستهداف خصوم سياسيين من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. وقد وعد ترامب قبل بدء فترته الرئاسية الثانية بنشر وثائق القضية بالكامل، زاعمًا أنه سيسعى لفضح خصومه السياسيين. إلا أن انتشار أخبار تفيد بأن بعض هذه الوثائق قد تدينه شخصيًا دفعه للتراجع عن هذا الوعد.
ومع نشر الإيميلات الثلاثة الأربعاء الماضي، خرجت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، لتنفي أي تهمة عن الرئيس، مؤكدة أن الوثائق "منتقاة وبدون سياق"، وأن وسائل الإعلام الليبرالية خلقت "سردية مزيفة لتلطيخ سمعة ترامب".
في المقابل، أفرج برلمانيون جمهوريون عن 23 ألف وثيقة إضافية، في محاولة لإغراق الإعلام والمراقبين في كم هائل من المعلومات، ما يبعد الأصابع عن ترامب مؤقتًا، إلا أن الوثائق أثارت جدلًا واسعًا وبحثًا مكثفًا عن الصلات الخفية بينها وبين الرئيس.
وتثير هذه الوثائق تساؤلات مهمة حول محتواها الحقيقي وموقف الحزب الجمهوري الداعم لترامب من فتح تحقيق رسمي، وسط ضغط متزايد من الجمهور والإعلام للمطالبة بنشر كل الوثائق بشكل رسمي.
لفترة طويلة استُخدمت قضية إبستين لاستهداف خصوم سياسيين، ووعد ترامب قبل فترته الرئاسية الثانية بنشر وثائقها كاملة لفضح خصومه
ترامب كان يعرف
ذُكر ترامب في أحد الإيميلات المتبادلة بين جيفري إبستين ومساعدته جاسلين ماكسويل. ففي إحدى الرسائل، كتب إبستين: "أريدك أن تفهمي أن الكلب الذي لم ينبح بعد هو ترامب، لقد قضت فيرجينيا غيوفري ساعات مطولة معه في منزلي". رغم ذلك، لم يُذكر اسمه من قبل قائد شرطة التحقيق الذي بنى القضية ضده في مركز بالم بيتش بفلوريدا. وتعتبر فيرجينيا غيوفري أحد أعضاء شبكة إبستين الرئيسيين، وكانت مسؤولة عن تجنيد الفتيات القاصرات مقابل 200 دولار لكل فتاة، وهي نفسها تعرضت للاتجار وتم تبادلها مع أصدقاء إبستين، بينهم الأمير أندرو ومحاميه في نيويورك، وحتى ترامب حسب ما جاء في المراسلات.
أنكر البيت الأبيض هذه الاتهامات، مستندًا إلى تصريحات فيرجينيا غيوفري التي قالت إن ترامب "لم يتورط في أي أفعال مشينة، ولم يتعامل معها سوى بودية".
وفي إيميل آخر، كتب إبستين لماكسويل (المحكوم عليها حاليًا بالسجن 20 عامًا لتهم تتعلق بتجنيد القاصرات والاتجار الجنسي) أن ترامب "قابل الضحايا، خصوصًا الفتاة التي كانت تعمل لديه في نادي مار-لاجو، لكنه لم يشارك في جلسات التدليك"، وهي الطريقة التي استخدمها إبستين للتلاعب بالضحايا وتجنيد بعضهن. وأضاف إبستين أن "ترامب كان على علم بما يحدث، وجاء إلى منزلي أكثر من مرة خلال تلك الفترة"، وهو ما أكده أحد العاملين لديه.
وفي الإيميل الثاني، كتب إبستين لشريكته ماكسويل (المحكوم عليها حاليًا بالسجن 20 عامًا بتهمة تجنيد القاصرات والاتجار الجنسي) أن ترامب "قابل الضحايا، وخصوصًا الفتاة التي كانت تعمل لديه في نادي مار-لاجو، لكنه لم يشارك في جلسات التدليك". وكانت جلسات التدليك الطريقة التي استخدمها إبستين لتنفيذ مخططه لاغتصاب القاصرات وتجنيد بعضهن، ويخبر إبستين شريكته ماكسويل أن "ترامب كان على علم بما يحدث، وجاء إلى منزلي أكثر من مرة خلال تلك الفترة"، وهو ما أكده أحد العاملين لدى إبستين.
على مدى أربعة أشهر، حاول رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون تعطيل قرار لإفراج جميع ملفات إبستين، وسط امتعاض متزايد من الحزب الجمهوري
ويذكر أحد الإيميلات أن إبستين والصحفي مايكل وولف كانا يخططان للإيقاع بترامب قبيل انتخابات عام 2016. ففي حين كان الصحفي يحضر سؤالًا عن علاقة ترامب بإبستين، سأل الأخير: "إذا أردنا أن نتوقع إجابته، فماذا تظنها ستكون؟"، فأجاب وولف: "أعتقد أن علينا تركه يشق طريقه بنفسه. فإذا قال إنه لم يستقل الطائرة أو لم يذهب إلى المنزل، فسوف يمنحك هذا رصيدًا سياسيًا وعلاقات عامة قيّمة، يمكنك الاستفادة منه، وإذا بدا أنه قادر على الفوز، يمكنك عندها إنقاذه وجعله مدينًا لك". وأضاف وولف: "ومن الممكن عند سؤاله أن يجيب بأن جيفري رجل عظيم، وقد عومل بقسوة، وهو ضحية للصوابية السياسية التي يجب منعها في عهد ترامب".
وفي ردّه، قال إبستين إن ترامب "كان دائمًا يردد أنه طلب منه الاستقالة من ناديه الخاص في مار-لاجو، رغم أن أنه لم يكن عضوًا فيه مطلقًا"، مضيفًا: "بالطبع كان يعرف بأمر الفتيات، وحتى أنه طلب من غيسلين ماكسويل التوقف عن ذلك".
أفصحوا عن الوثائق
على امتداد أربعة أشهر، حاول رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون تعطيل مشروع قرار يهدف إلى الإفراج عن جميع ملفات قضية جيفري إبستين وإتاحتها للعامة. خلال هذه الفترة، تراكم امتعاض الحزب الجمهوري، الذي يسيطر على المجلسين، وحاول الضغط لإتاحة هذه الملفات، التي أصبحت مطلبًا شعبيًا متصاعدًا. واستمر جونسون في تعطيل جلسة التصويت حتى الإغلاق الحكومي الأخير، حيث استعد 218 عضوًا في مجلس النواب من الجمهوريين والديمقراطيين للتصويت على قرار يسمح لوزارة العدل بنشر كامل وثائق القضية.
في البداية، حاول الرئيس دونالد ترامب إقناع نواب جمهوريين مثل لورين بوبرت ونانسي ميس بتغيير موقفهم من التصويت على العريضة، إلا أنه لم ينجح بالكامل. وفي حديث للنائب توماس ماسي لشبكة "سي إن إن"، أوضح أن حضور حوالي ثلثي المجلس، أي ما يقارب 290 صوتًا، بينهم 75 جمهوريًا، يمكن أن يضع ضغطًا كبيرًا على مجلس الشيوخ ويسمح بتمرير العريضة.
ومنذ الأربعاء 12 تشرين الثاني/نوفمبر، تغيرت مواقف العديد من النواب الجمهوريين، وتصاعد الضغط الإعلامي والسياسي لتوحيد الموقف وتحدي رفض ترامب الإفراج عن الملفات. ولتجنب هذا الاستقطاب، غيّر ترامب موقفه يوم الأحد الماضي، وكتب على منصته في "تروث سوشيال" أنه يريد إتاحة جميع ملفات إبستين وإنهاء الفوضى التي تسبب بها الديمقراطيون بفشلهم في مشروع الإغلاق الحكومي الأخير، كي يتمكن من التركيز على الاقتصاد وتحسين ظروف معيشة الأميركيين.
ووفقًا للمحللين، اعتُبر هذا التغيير بمثابة "قفزة للأمام" نتيجة ضغط الأغلبية الموحدة من الحزبين. وفي الوقت نفسه، أمر ترامب النائب العام آمل بوند بفتح تحقيق في تورط الديمقراطيين في قضية إبستين، وعلى رأسهم الرئيس الأسبق بيل كلينتون. ففي أحد الإيميلات المسربة يذكر إبستين لأخيه أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لديه صور مسربة لترامب وهو مع بيل كلينتون.
استغل ترامب هذه الفرصة لاتهام الديمقراطيين، لكن كثيرًا من المحللين يرون أن فتح تحقيق فيدرالي عند إتاحة الملفات قد يمنع وزارة العدل من نشر جميع الوثائق، وحجب جزء منها لأنها جزء من تحقيق جارٍ، مما يتيح لترامب تعطيل العملية مؤقتًا وترك الجمهور وسط آلاف الوثائق التي ستُفرج لاحقًا.