تركي الحمد.. مُطوّع

تركي الحمد.. مُطوّع "علمانية" ابن سلمان

تركي الحمد (يوتيوب)

المتابع اليوم لما يكتبه الروائيّ والباحث السعوديّ تركي الحمد على حسابه في تويتر، يُدرك أنّه يلعب دوره المناسب للمرحلة الراهنة في سعوية سلمان وابنه، مقدمًا معادلًا ثقافيًّا لسياسات ولي العهد محمد بن سلمان الذي يدير دفة البلاد في التحوّل المزعوم.

إلى الكاتب السعودي تركي الحمد: هل المليارات التي سُفحت تحت أقدام رؤساء أمريكا كانت بسبب فلسطين؟

تركي الحمد على تويتر نموذج خاص للفضاء التويتري السعودي، الذي يؤكّد مقولات النظام، ويكاد أن يكون ملكًا أكثر من الملك في كثير من تغريداته، لا سيما في ما كتبه حول القضيّة الفلسطينيّة، إذ دعا جهرًا للتخلي عنها باعتبارها "قضيّة باعها أهلها"، وهو ما يتسق مع اتجاه المملكة لفتح علاقات مع الكيان الصهيوني.

اقرأ/ي أيضًا: رغم الموقف الرسمي.. أصوات عالية ضد التطبيع في السعودية

لم يكن اختيار تركي الحمد للقضيّة الفلسطينيّة وحدها، بل سبق أن تناولت تغريداته قضايا سياسية حساسة بمنطق عجيب، القضية الكردية على سبيل المثال، إذ قال إنه يجب على الملك أن يلعب بـ"الورقة الكردية"، إبان استفتاء استقلال كردستان العراق، وهو طرح شوفينيّ يرى الشعب الكردي وقضيته مجرد ملعب سياسي من جهة، وحمق سياسي لا يتجرأ على إعلانه حتى العنصريون من جهة أخرى.

لا تختلف مهمة تركي الحمد في هذه الأطروحات عن مهمة رجال دين السلطان، أو رجالات البروباغندا الإعلامية، فالمرحلة السعودية تحتاج إلى صوت "علماني" كي تستقطب التيارات الليبرالية بمختلف مشاربها داخليًا، بعد القمع الذي طال هذه التيارات، ومنهم تركي الحمد نفسه، وكذلك الأمر بالنسبة للرسالة التي يرغبون بتوجيهها إلى الغرب، وهي أن من يتحدثون في الجزيرة العربية المُغتصبة اليوم هم حالمون بالتغيير، يتطلعون إليه، ولا مشكلة لديهم في التطبيع، وأن السعودية "الجديدة" لم تعد تروّج لنفسها عبر الوجوه الدينية القديمة.

أن يُحمّل تركي الحمد في تغريداته القضيّة الفلسطينيّة مسؤوليّة ما أنتجتهُ الأنظمة العربيّة الفاشيّة طيلة عقود، وأن يكون ذلك جزءًا من محاولات تبرير وتمرير التطبيع القادم، وأن يُضفي شرعية "علمانية" على تيار الثورات المُضادّة التي تقوده سعوديةُ ابن سلمان وإماراتُ ابن زايد؛ فذلك يعني أن مسار التحوّل يُؤسّس زورًا وبهتانًا على مثقف سلطان من نوع جديد بالغ البؤس، لا قيمة لديه لأي معنى أو قضية، إلا ما يريده ولي الأمر، مع أن ولي الأمر هذا لا يريد إلا البقاء متربّعًا على العرش.

لنوافق المفكر والعبقري تركي الحمد في أن القضية الفلسطينية كانت لعنة على العرب، ولنؤيده في تغريدته التي حمّلها فيها تعثّر التنميّة العربيّة والانقلابات العسكريّة وقمع الحريّات. ولنفترضْ معه جدلًا أنها لم تعد قضيّة العرب الأولى، فهل يمكن للحمد نفسه أنْ يقدم لنا ما يُقنعنا أن تعثر التنمية في المملكة كان بسبب فلسطين؟ وأن سجن أشرف فياض ورائف بدوي وسواهما كان بسبب فلسطين؟ وأنّ المليارات التي سُفحت كالماء تحت أقدام رؤساء أمريكا المتعاقبين كانت بسبب فلسطين؟ وأن غياب دور السينما عن المدن هناك بسبب فلسطين؟ وأنّ عدم قيادة النساء للسيارات بسبب فلسطين؟ وأن الذهاب لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي بسبب فلسطين؟

تقول تغريدات تركي الحمد أنه تحول إلى نوع من "مُطوِّع" ما بعد حداثي

لن ننتظر إجابة على تلك الأسئلة، فليس لدى تركي الحمد ما يقوله سوى هذيان إلكتروني متواصل. لا ينظمه ناظمٌ سوى الترويج لأوهام الملك القادم، أمّا القضايا التي يسخّفها ويهينها، والبشر الذين يفتك بأحلامهم، بشكل يومي لا ينقطع، ليست إلا تحوله إلى نوع جديد من "مُطوِّع" ما بعد حداثي.

اقرأ/ي أيضًا: سقوط توماس فريدمان.. الصهيونية في مديح ابن سلمان

بالعودة إلى تغريدات تركي الحمد السابقة نجد سلسلة يتحدّث فيها عن علاقة المُثقّف العربي بالسلطة، فيقول إنّ العلاقة غالبًا ما تكون إمّا علاقة خنوع سببها أنّ المُثقّف يرى أنّ لا وجود لهُ دون وجود السلطة، وإمّا علاقة تمرّد هدفها زوال السلطة من أجل تجسيد أيديولوجية المُثقّف، متخذًا من الكاتب الفرنسي أندريه جِيد مثالاً حين كان وزيرًا في حكومة ديغول دون أن يكون متمردًا أو خانعًا، إنّما مُهتمًا بمصلحة فرنسا فقط، وهنا يحاول تركي الحمد أيضًا تبرير خنوعه للسلطة السعوديّة بالقول إنّ ما يهمّهُ الآن هو مصلحة بلاده فقط. لا شك أنه يحق له أن يهتم بمصلحة بلاده قبل أي شيء، لكننا نحب أن نهتم بتحسين ثقافته قليلًا، ونصحّح له أنّ وزير ثقافة ديغول هو أندريه مالرو، وليس أندريه جيد.

ليكن تركي الحمد أندريه مالرو، أو أندريه جيد، لا فرق، وليكن ابن سلمان ديغول "الجمهورية" السعودية، لكن لنذكرهما معًا أنّ ديغول كان يقول إن مالرو يذكره دومًا بإنسانيته. فبماذا يا ترى يذكر تركي الحمد ابن سلمان؟

لنذكّر تركي الحمد بمقالٍ قديم كتبه في مجلة "عالم الفكر" (العدد رقم 2، تشرين الأول/أكتوبر، 1996) قال فيه: "إذا كان العالم قد مرّ بمراحل مختلفة من التقسيمات الثقافية الثنائية: شرق وغرب، شمال غني وجنوب فقير، رأسمالي وشيوعي، متقدم ومتخلف، نامٍ ومتطور، صناعي وزراعي، الأطراف والمراكز، ونحو ذلك، فإن العالم مقبل على تقسيم طبقي جديد، قائم على من يمتلك المعلومة ومن يمتلك تقنيتها وصناعها. سوف يكون هناك (من يعلم) و(من لا يعلم)"، نفهم من هذا المقطع أن تركي الحمد يحقّق النبوءة التي أطلقها، وينصّب نفسه من فئة "من يعلم"، ومن هذا العلم الكليّ اليقيني يفيض على فضاء تويتر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المثقف الطائفي في العراء

تفاهة المثقف