تركيا تشهد تغييرًا في معادلاتها السياسية: أوامر اعتقال جديدة لإمام أوغلو وسحب مسلحي حزب العمال
27 أكتوبر 2025
أصدرت محكمة تركية أمرًا جديدًا باعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المسجون أصلًا، بتهمة "التخابر السياسي". ويعتبر المناوئون للإجراءات المتخذة في هذا الملف أن هذا الحكم يمثل تصعيدًا للحملة الموجهة ضد المعارضة التركية منذ فترة.
وبالتزامن مع هذا التطور الداخلي، أعلن حزب العمال الكردستاني عن انسحابه من تركيا ضمن مقتضيات الاتفاق الأخير الذي قرر بموجبه الحزب إلقاء السلاح. واعتبر الحزب أن هذا الانسحاب "يؤكد الالتزام بمشروع السلام"، وهو ما يتطلب في المقابل من الحكومة "تمرير قوانين الاندماج السياسي".
ويربط مراقبون بين ما يعتبرونه تقليمًا لأظافر المعارضة التقليدية، حيث يعد أكرم إمام أوغلو نجمها الأبرز والأكثر حظوظًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبين مجريات الاتفاق مع حزب العمال الكردستاني. وتصبّ هذه التطورات جميعها في صياغة معادلة سياسية داخلية جديدة تعيد ترتيب المشهد لصالح بقاء حزب العدالة والتنمية تحت قيادة رجب طيب أردوغان في الحكم.
أودع إمام أوغلو، عمدة بلدية إسطنبول والمنافس الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السجن آذار/مارس الماضي، على ذمة المحاكمة في عدة قضايا تتعلق بالفساد
إمام أوغلو: اتهامات إضافية
أودع أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول والمنافس الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السجن في آذار/مارس الماضي على ذمة المحاكمة في عدة قضايا تتعلق بالفساد. وفي تموز/يوليو الماضي صدر بحقه حكم بالسجن بتهمة إهانة وتهديد المدعي العام في إسطنبول، وازدادت اليوم الإثنين الاتهامات لتشمل تهمة "التخابر السياسي".
وبحسب معلومات نشرتها وكالة "الأناضول"، فقد أصدرت محكمة في إسطنبول أمرًا باعتقال إمام أوغلو وشخصيْن آخرين، أحدهما ميردان يانارداغ، رئيس تحرير قناة تيلي 1 الإخبارية. وكانت السلطات التركية قد أغلقت القناة المذكورة يوم الجمعة الماضي.
وقالت وكالة الأناضول، التي اطلعت على تفاصيل التهمة الجديدة، إن إمام أوغلو متهم بالضلوع في "عملية كسب غير مشروع للأموال لصالح حملته الرئاسية والتخابر للحصول على دعم دولي"، دون أن تحدد الجهة التي يتهم إمام أوغلو بالتخابر معها.
وينفي إمام أوغلو وحزب الشعب الجمهوري التهم الموجهة إليه وإلى مئات آخرين من أعضاء الحزب، ويصف الحزب القضايا بأنها "ملفقة ومسيسة وتضرب الديمقراطية التركية في مقتل"، لأنها تهدف إلى إزالة أي تهديدات انتخابية أمام الرئيس أردوغان، وهو ما تنفيه الحكومة، مؤكدة أن القضية قضائية وأنها لا تتدخل في مساطر القضاء التركي المستقل.
وأصدر إمام أوغلو، ليلة البارحة، بيانًا من محبسه قال فيه: "إن مثل هذا الافتراء والكذب والتآمر لا يخطر ببال الشيطان"، مضيفًا: "نحن أمام فعل فاضح مخزٍ لا يمكن وصفه بالكلمات".
وكان حزب الشعب الجمهوري على وشك تلقي ضربة أخرى يوم الجمعة الماضي، بيد أن المحكمة رفضت طلب الادعاء العام بإبطال المؤتمر العام للحزب عام 2023 وتنحية رئيسه الحالي أوزغور أوزيل.
انسحاب حزب العمال الكردستاني من تركيا
أعلن حزب العمال الكردستاني، أمس الأحد، عن قراره سحب جميع مسلحيه من تركيا، بهدف إرساء "أسس حياة حرة وديمقراطية وأخوية"، بحسب بيان صادر عن الحزب. وحث الحزب الحكومة التركية على المضي قدمًا في الإجراءات التي تتيح "دخول الساحة السياسية الديمقراطية" عبر إقرار قوانين الاندماج.
وكان الحزب قد قرر في أيار/مايو الماضي إلقاء سلاحه، استجابة للدعوة التي أطلقها زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان من محبسه، منهياً بذلك كفاحه المسلح الذي انطلق عام 1984.
ونقلت وكالة "رويترز" عن المتحدث باسم حزب العمال الكردستاني، زاكروس هيوا، قوله من جبال قنديل: "نحن على طريق تنفيذ مشروع الزعيم أوجلان للسلام"، مضيفًا: "لذلك، يجب على الطرف الآخر، تركيا، إجراء تغييرات سياسية وتهيئة بيئة مناسبة لتنفيذ المشروع".
وقد رحبت أنقرة بالبيان الأخير الصادر عن حزب العمال الكردستاني، حيث قال برهان الدين دوران، رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية: "هذه الخطوة الجديدة تعد تطورًا إيجابيًا في سعي حزب العمال الكردستاني لإلقاء السلاح الذي بيد جميع عناصره"، مؤكدًا سعي الحكومة إلى "تحقيق سلام وأمن دائمين".
ويشار إلى أن حزب العمال يتمركز منذ سنوات في شمال العراق، وقد شهدت أهدافه تغيرًا دراماتيكيًا؛ فبعدما كان يطالب بوطن قومي مستقل للأكراد، انزاح نحو "الحصول على حقوق أكبر للأكراد وحكم ذاتي محدود في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية"، وترفض أنقرة أي "توجهات للانفصال"، مؤكدة في المقابل "حماية حقوق الأكراد".
وتعتقد وكالة رويترز أن تسوية الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني ستؤثر إيجابيًا على المنطقة، لا سيما في سوريا، حيث توجد قوات سوريا الديمقراطية المنبثقة من حزب العمال الكردستاني.