تركيا.. اللاجئون في المزاد

تركيا.. اللاجئون في المزاد

لاجئون في أدرنة (Getty)

بخاتمه المرصع بحرف "الواو" العثماني بدا أحمد، ضابط قوات مكافحة الشغب التركية الأربعيني ودودًا واثقًا من نفسه وهو يحدثني بجمل مسهبة، لكن حذرة المحتوى، عن أوضاع السوريين والعراقيين المعتصمين في محطة الحافلات الرئيسية في مدينة إسطنبول. 

لا تعتبر تركيا اللاجئين "لاجئين"، بالمعنى القانوني للكلمة، إلا إذا أتوا من أوروبا! 

الاعتصام تشكل تلقائيًا في أواخر شهر أيلول/سبتمبر في المحطة، بعد إصدار وزارة النقل التركية تعليماتها لشركات النقل بعدم نقل مواطني سوريا والعراق وأفغانستان من إسطنبول إلى مدينة أدرنه الحدودية مع كل من اليونان وبلغاريا، حيث يوجد الآلاف من لاجئي هذه الدول، في مسعى للضغط على الحكومتين التركية واليونانية لفتح حدوديهما أمام دربهم إلى أوروبا الغربية. الحذر في كلمات الضابط ما كان إلا تناغمًا مع الموقف الرسمي التركي الذي كان منشغلًا أشد الانشغال بقضية الاعتصام، التي يمكن أن تعد تكثيفًا ورمزًا لقضية اللاجئين بشكل عام. الموقف الذي كان قد تدرج من الترحيب باللاجئين ودعمهم إلى فرض قيود صارمة تزيد من معاناتهم وتضاعفها أحيانًا.

تركيا التي كانت من أشد داعمي الثورات/الانتفاضات في الدول العربية، لم تتدخر جهدًا في حسن استقبال مواطني هذه الدول الذين فروا منها بعد طغيان العنف على هذه الثورات، خاصة الثورة السورية، كجزء من سياسات العثمنة التي كانت تتبناها. خلال عامي 2012 و2013، تمتع السوريون بامتيازات قانونية وقنصلية استثنائية جمة ساعدتهم على الاستقرار في تركيا كفتح الحدود أمام الراغبين بالدخول إليها، إلى قانون الإقامة الاستثنائي المؤقت وخدمات الطبابة والتعليم المجانية. 

إلا أن كافة أشكال الدعم هذه كانت آنية ومرتبطة بسياسات ومواقف الحكومة التركية، ولم تكن مبنية على أساس قانوني متين يوضح حقوق وواجبات هؤلاء "الضيوف"، لا اللاجئين، كما تصفهم الحكومة التركية. فتركيا الموقعة على معاهدة جنيف الخاصة باللاجئين لعام 1951 وملحقها الإضافي لعام 1967 والتي تنص على منح حقوق الإقامة والصحة والتعليم وحرية السفر للاجئين، لا تعتبر اللاجئين "لاجئين"، بالمعنى القانوني للكلمة، إلا إذا أتوا من أوروبا! أي أن هذه الالتزامات الدولية لا تلزم تركيا بتصنيف مواطني سوريا أو العراق، عى سبيل المثال، كلاجئين.

هذا الوضع الضبابي والأفق غير واضح المعالم أدى بالكثير من اللاجئين إلى السفر عبر طرق "غير شرعية" إلى أوروبا حيث القوانين التي تضمن استقرارًا لهم ومستقبلًا لأطفالهم. في هذا السياق، كانت الحكومة التركية تغض الطرف عن هذه الطرق وتسمح لهؤلاء اللاجئين بالعبور إلى أراضي الاتحاد الأوروبي المتمثلة باليونان أو بلغاريا. فساحات وحدائق مدينتي إسطنبول وإزمير كانت منصات علنية لتنسيق أمور "التهريب" بين اللاجئين ومهربيهم. حتى الذين فشلوا في السفر جواً من المطارات التركية إلى أوروبا عبر استخدام وثائق سفر مزورة، لم يواجهوا أي تهم قانونية في تركيا وكانت الشرطة تخلي سبيلهم خلال ساعات.

الصورة المريحة هذه تتغير الآن بصورة دراماتيكية عبر إصدار سلسلة من القرارات التي تضغط على اللاجئ على الأراضي التركية. الحدود البرية التركية الآن محكمة الإغلاق أمام اللاجئين. تركيا الآن تشترط على السوريين أو العراقيين الخارجين من مطاراتها بصورة قانونية حصولهم على إذن سفر مسبق يستغرق الحصول عليه وقتاً، قد يصل إلى أسبوع. تركيا بدأت بإجبار العديد من اللاجئين السوريين الذين ينقذهم خفر سواحلها أو يقبضون عليهم حرس حدودها، بالمكوث في مخيمات أشبه بالسجون كمخيمات ولاية أوصمانيه، أو طردهم إلى الشمال السوري. ناهيك عن التلكؤ الكبير في منح بطاقات التعريف الشخصية التي تمنح حاملها حق الطبابة المجانية، وعن القرار الأخير بتقييد تحركات السوريين بين المدن التركية. كل هذه الإجراءات حدثت في مدة زمنية يمكن عدها، لقصرها، كنقطة تحول.

توجّه مراكز صنع القرار العالمي والإقليمي إلى إعادة إنتاج نظام بشار الأسد وتقديمه كمكافح لإرهاب داعش

في أثناء اعتصامي محطة حافلات إسطنبول وأدرنه، كان وزير الخارجية التركي فريدون سينيرلي أوغلو، الذي عيّن مؤخرًا في منصبه، يجري لقاءات مكثفة مع وزراء خارجية النمسا وألمانيا والولايات المتحدة ولوكسمبورغ، الأخير بوصف بلاده رئيسًا دوريًا للاتحاد الأوروبي، لمناقشة سبل التعاطي مع قضية اللاجئين. تجدر الإشارة أن سينيرلي أوغلو، سفير تركيا السابق لدى إسرائيل، له تاريخ حافل بإدارة ملفات حساسة وشائكة في السياسية الخارجية التركية على مدى عقود واتخاذ القرارات السريعة بشأنها. الرجل الذي تعج وثائق ويكيليكس وأرشيف وزارة الخارجية باسمه، كان قد أشرف على ملفات كـ "الأزمة السورية – التركية" عام 1998، وملف المياه مع العراق وتطبيع العلاقات مع إقليم كردستان العراق عام 2007، و"أسطول الحرية" لفك الحصار عن غزة عام 2010، والاعتذار الإسرائيلي، إلى عقد التفاهم الأخير بين الولايات المتحدة وتركيا في ما يتعلق باستخدام الأولى للقواعد الجوية للثانية في حربها على داعش.

على الرغم من أهمية الدور الشخصي الذي لعبه وزير الخارجية في تشكيل القناعة التركية الجديدة حيال اللاجئين وتطبيقها عبر سن القوانين، إلا أن هناك أسبابا موضوعية تقف وراء التحول التركي التدريجي والتي اتكأ عليها سينيرلي أوغلو. يمكن فرز هذه الأسباب إلى ثلاث مجموعات: سياسية داخلية وسياسية خارجية واقتصادية مالية.

كانت ردة فعل حزب العدالة والتنمية التركي على فشله في إحراز أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده ردة فعل براغماتية. فالحزب الذي شن هجومًا على حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي" قبل الانتخابات، صرّح رئيسه أحمد داوود أوغلو في مدينة ديار بكر، معقل أكراد تركيا، بأنه "أتى لتلقي الدروس" فيها بعد الانتخابات. بالقياس، وبعد استغلال أحزاب المعارضة التركية بشقيها اليساري واليميني تململ وسخط شرائح واسعة من الناخبين الأتراك على اللاجئين، تُفهم الإجراءات المشددة التي اتخذتها الحكومة بحق اللاجئين في سياق سحب البساط من تحت أحزاب المعارضة وحرق ورقة اللاجئين التي تلعبها وبالنتيجة جلب أكبر قدر ممكن من أصوات الناخبين غير المرحبين باللاجئين في الانتخابات القادمة. هذا إضافة إلى القلق التركي من هجمات انتقامية من قبل عناصر داعش ضمن الأراضي التركية خاصة بعد انضماهما، ولو اسمياً حتى الآن، إلى التحالف الدولي ضد التنظيم.

إلى جانب ذلك، وبعد توجه مراكز صنع القرار العالمي والإقليمي في واشنطن ولندن وبروكسل وموسكو وتل أبيب وطهران لإعادة إنتاج نظام بشار الأسد وتقديمه كمكافح لإرهاب داعش، وجدت تركيا نفسها في عزلة دولية بسبب موقفها المعادي للنظام السوري. وبدت وكأنها ترضخ للضغوط الأوروبية فيما يتعلق بتشديد الحراسة على الحدود ومنع تدفق اللاجئين والحد من حرية تنقلهم، هؤلاء الذين كانت ولا تزال تستخدمهم أنقرة كعامل ضغط سياسي على الأوروبيين.

وفي خضم الأزمة السياسية الداخلية التركية، تراجع أداء الاقتصاد التركي وهوى سعر صرف الليرة التركية أمام عملات اليورو والدولار الأمريكي إلى مستويات متدنية تاريخية. أمام التحدي الاقتصادي المالي هذا، قد تساهم المبالغ المالية الكبيرة التي وعد الاتحاد الأوروبي بدفعها لتركيا والتي من المحتمل أن تصل إلى 10 مليار يورو، وفقًا لتقديرات أولية غير مؤكدة بعد، في دعم الاقتصاد التركي ورفع قيمة الليرة التركية.

بالمحصلة، يبدو أن التشدد التركي حيال اللاجئين ناجم عن أسباب مركبة سياسية واقتصادية وأمنية، وأن تغير موقف حكومة العدالة والتنمية يأتي من سياسية الحزب في الحفاظ على مصالحه الداخلية والخارجية أولاً وأخيراً. ويعبر عن هذا الموقف ما قاله الضابط أحمد عندما سألته عن سبب منع السلطات التركية اللاجئين من مغادرة إسطنبول إلى أديرنه، "لقد استقبلنا الأخوة السوريين لأنهم جيران وأخوة في الدين.. لكنهم هنا في تركيا، الدولة الوحيدة التي فتحت أبوابها لهم، ويجب أن يلتزموا بقوانيننا وقراراتنا حتى وإن كانت قاسية".