تركيا.. السلطان يعود من الجديد

تركيا.. السلطان يعود من الجديد

أنصار حزب العدالة والتنمية في أنقرة (Getty)

بتُّ متأكدًا من أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم ينعم بليلة هادئة، منذ زمن ليس بقريب، كليلة أمس الأول. وما حصل للرئيس ينسحب بالضرورة على رئيس وزرائه قائد حزب العدالة والتنمية السيد أحمد داود أوغلو الذي لم نرَ صفَ أسنانه منذ أشهر عديدة نتيجة عقدة الانتخابات البرلمانية. ظهرت النتائج إذًا، وفاز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية النيابية بواقع 49.5% من أصوات الناخبين الأتراك، محرزًا تقدمًا كبيرًا تمثّل بتسع نقاط عن انتخابات حزيران الماضي، إذ حصل الحزب على ثلاثمائة وستة عشر مقعدًا من أصل خمسمائة وخمسين مقعدًا. ليتمكن من جديد من تشكيل حكومة حزبية ذات صبغة واحدة بعيدًا عن ممرات الائتلافات الضيقة.

تداخل السياسي والاقتصادي بشكل كبير، كان السبب الرئيس لما أفرزته نتائج الانتخابات التي أعادت أردوغان وحزبه للحكم

لا شك في أنّ تداخل السياسي والاقتصادي بشكل كبير في هذه الانتخابات كان السبب الرئيس لما أفرزته نتائج أعادت أردوغان وحزبه للحكم "منفردًا" مرة أخرى. فعلى صعيد السياسية وتحديدًا الداخلية منها فقد ربح الحزب الرهان باستعادة أصوات الحركة القومية اليمينية لصالحه، حيث خسر الأخير أربع نقاط كاملة في جولة الانتخابات الحالية؛ مما يعني أن قرابة نصف مقاعده البرلمانية قد ذهبت لصالح حزب العدالة. فيما بدا ذلك كنوع من العقاب من قبل الناخب التركي للحزب لتعنته إزاء إنشاء تحالف مقبول مع حزب أردوغان في الانتخابات الماضية، ولتقديمه مصلحة الحزب على حساب شوؤن البلاد. وليس حزب "دولت بهجلي" الخاسر الوحيد في هذه المعركة بل إن صلاح ديمرتاش "رئيس حزب الشعوب الديموقراطي" يشاطره تلك الخسارة، فقد خسر الأخير كذلك ثلاث نقاط انتخابية ذهبت كلها لصالح العدالة والتنمية، فقد اختار الناخب الكردي أن يحرم ديمرتاش صوته للانحراف الأخير عن المسار السلمي وتبنيه خطاب العنف مع حزب العمال الكردستاني في مواجهة الدولة التركية.

اقتصاديًا نجح الحزب في صياغة برنامج متوازن يمس كافة أطياف الشعب التركي، إذ وعد الحزب في حالة نجاحه بإعطاء منح مجانية للفلاحين والشباب عند بدء مشاريعهم، إضافة إلى قولهم بضرورة القيام بإصلاحات اقتصادية ترفع من الناتج الإجمالي المحلي، ناهيك عن خططهم بشمل طلاب الثانوية وكبار السن بالتأمين الصحي، فضلًا عن نواياهم برفع سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، كل هذا دفع الناخب التركي الباحث عن الاستقرار للتصويت لأردوغان وحزبه.

لا شك في أنّ انعكاسات هذه النتائج ستظهر قريبًا في سياسة الرئيس التركي، فسنشهد انفراجًا فيما يخص المسألة الكردية لتجنيب البلاد الانزلاق في حرب أهلية جديدة، وليبعث أردوغان كذلك رسائل إيجابية للناخب الكردي بأن صوته ذهب في الاتجاه الصحيح، أما خارجيًا فسيكون هامش المناورة للأتراك كبيرًا فيما يتعلّق بالأزمة السورية على وجه التحديد؛ حيث سيستطيع أردوغان الجلوس مع الروس والأمريكيين دون الخوف من أجندة مختلفة في حكومته، سيضاف إلى ذلك بطيبعة الحال تقاربه مع الموقف السعودي بخصوص رحيل الأسد المبكر من سدة الحكم في سورية.

نهايةً، فقد أظهرت لنا شاشات التلفزة وعشرات الصور الملتقطة من مراكز الاقتراع التركية نسبة كبيرة من المشاركة بلغت قرابة التسعين في المائة، ليس هذا فحسب بل إن التنوع في أعمار الناخبين وطبقاتهم الاقتصادية والاجتماعية يُظهر لنا وثوق المواطن من نزاهة العملية الديموقراطية وفاعلية تأثيره فيها. ولقد تمثلت هذه القناعة بدفع أشخاص بعمر يفوق المائة عام للذهاب إلى أماكن التصويت والإدلاء بصوته، ناهيك عن ذوي الاحتياجات الخاصة وحتى" العرسان" الجدد، في مشهد بدا جميلًا وغير مألوف لنا، نحن الذين ما زلنا نحلم بوقف حمام دمائنا أولًا، قبل أن نتخيل شكل صندوق الاقتراع.

اقرأ/ي أيضًا:

ليالي النحس في فيينا

موسم الحج إلى موسكو