"ترجمة باخ" لبدر عثمان.. قصائد تُترجم الموسيقى
16 ابريل 2019
في مجموعته الشعرية الجديدة "ترجمة باخ" (الأهلية، 2018)، لا يكتب الشاعر الفلسطينيّ بدر عثمان شعرًا أقرب إلى اليوميات الجاهزة، أو الأفكار الشخصية، والحوادث الواقعية التي تحدث هنا أو هناك أيضًا، وإنّما قصيدة هي حصيلة ما تراكم فيها من تفاصيل وممارسات متعدّدة، وبلغةٍ تكاد تكون سريالية، وطموحاتٍ بإيجاد لغةٍ ونبرةٍ خاصّة تخرجُ عمّا هو سائد.
نقرأ في مجموعة بدر عثمان "ترجمة باخ" قصائد مكتوبة بأمزجةٍ متقلّبة جدًا
لا يدّعي الشاعر التفرّد عن سواه من الشعراء الشباب، ولكنّه يبحثُ في المقابل عن أرضٍ جديدة لتخصيب كلّ ما يدور في مخيّلته من مشاهد. فبينما تنشغل الغالبية العظمى من الشعراء اليوم بالحروب والموت والأشلاء، يعمل عثمان على ترجمة الموسيقى، أن يصنع من مقطوعةٍ ما، قصيدة أو قصائد. إنّها دعوة صريحة لقراءة مُغايرة، أو دعوة لمغادرة ما يكتب ضمن نسقٍ واحد، وحكايات وصور واستعاراتٍ واحدة.
اقرأ/ي أيضًا: مكتبة بدر عثمان
نقرأ في مجموعة بدر عثمان هذه قصائد مكتوبة بأمزجةٍ متقلّبة جدًا؛ حتّى يُخيّل للقارئ، أنّ هذه الأمزجة تقفزُ فجأةً، ومن دون إخطارٍ، من استعارةٍ إلى استعارة، ومن صورةٍ إلى صورة أيضًا. عثمان هنا، يكتب كمن يعزف تمامًا. يقفُ أمام سيل الكلمات كقائد أوركسترا، يلوّح باللغة عصاهُ، فتصعدُ وتَهبطُ نبرة ووتيرة قصيدته بشكلٍ متواصل، ضاربةً الاستقامة بعرض الحائط. تعلو القصيدة وتخفتُ إذًا، وتتنقّل بين الصور والاستعارات بخفّة، مُمسكةً بمزاج القارئ قدر المستطاع، بحيث تتمكّن من إخضاع مشاعره لهذا الصعود والهبوط المتواصل. هنا تحديدًا، وفي القصائد التي تأتي على هذه الشكل أيضًا، يبدو أنّ عثمان يسعى لأن يقول: هذا ما تفعلهُ الموسيقى، وهذا ما أنقلهُ من ترجمة باخ من خلال الشِّعر أيضًا؛ الإمساك بمشاعرك!

قصيدة بدر عثمان تحدثُ بالقرب من الذات، قبل أن تنتقل، تدريجيًا، إلى قصيدة ترفعُ الغطاء عن الزاوية التي يبدو أنّ الشاعر الفلسطينيّ ينظر أو يُعاين الموسيقى من خلالها، مُقدِّمًا إيّاها عالمًا قائمًا بنفسه داخل القصائد. ما يفعلهُ عثمان عند هذا الحد هو المزج بين الذات ومشاغلها، ونظرتها إلى الموسيقى من زاويةٍ تخصّها وحدها، واضعًا القارئ من خلال ذلك إزاء حوارٍ بين الطرفين. يقول: "أمشي على الكمان/ لا يوقفني حديد المعلّم/ ولا رهبة الكنيسة/ أقف أرتّلُ الحديدَ/ حين يُرتّلُ الحديدُ/ مِعطفهُ الصدئ." أو: "بيدي أعلّق الصوت في الزمن/ وأشكّهُ بإبرة أبي/ الزمن قبضتي/ أشدّهُ كما أريد/ وصوتي محدّدٌ/ يشدّني كما يريد/ قلبي على صوتي/ ونومي/ أخرجَ الأوركسترا من قبو الأزل". أو: "أحملُ الموسيقى على ظهري/ لأنجو من الموت/.../ تحملني الموسيقى بكلتا يديها/ لأنجو من الحياة".
يكتب الشاعر الفلسطيني بدر عثمان قصيدة ناضجة تعرفُ جيدًا ما يجب أن تقول
يُمكن القول إنّ صاحب "كتاب الأعمى" يكتبُ قصيدة ناضجة، أو، على الأقل، قصيدة تعرفُ جيدًا ما يجب أن تقول، فلا تتخبّط في زحمة المعاني أو الاستعارات، أو تفقد الاتّجاه الصحيح، وتسلك اتّجاهًا آخر مختلف. القصيدة هنا ليست أداةً أو طريقًا مُعبّدًا بحيث يصلُ بالقارئ إلى نهاياتٍ صادمة فقط، كما نقرأ في الكثير من المجموعات الشعرية، كذلك لا تكتفي بأن تقدّم ترجمةً لفكرة أو حالة أو سلوكٍ مُعين أيضًا. إلا أن ذلك لا يعني أنّ قصائد المجموعة على ذات المستوى، ذلك أنّ التفاوت بين القصائد موجود، وإن بدا عثمان حريصًا على الإمساك بقصيدته من كلّ الجهات في آنٍ معًا، في الوقت الذي يشتغل فيه على الكتابة بممارساتٍ مختلفة.
اقرأ/ي أيضًا: "كتاب الأعمى" لبدر عثمان.. شعر على تخوم السرد
فالشّاعر الشاب لا يبخل بإعطاء القصيدة ما تحتاج إليه وما تتطلبه من تأملاتٍ لتكتمل. وكذلك لا يتوقّف عن تجريب ما يُمكن من الخيارات لتأليف الاستعارات والصور. نقرأ: "بيدي أسحبُ الجهات جميعها/ إليّ/ بيدي أعبرُ الوقت/ وأثبّتهُ بخشب المسيح". أو "كلّما مررتُ على حديقةٍ/ قتلتني/ ولذا مشيت على الإسفلت". و"كانت يدي على خشب الصليب/ تعوي/ وصوت الحديد/ يعبرُ بصدئه/ عظمَ روحي". في قصيدة أخرى يقول: "من نافذةِ الضوء/ مضغت الأصوات/ كلّها/ ورأيتُها/ هواءً رطبًا/ يحملُ طعمَ الغيم" أو "كانت الناس/ تدخل الكنيسة/ وعند الخروج/ تتساقط أطرافهم/ وتصيرُ غبارًا".
اقرأ/ي أيضًا: