ترجمة أن تكون فلسطينيًا

ترجمة أن تكون فلسطينيًا

غودار وجان بيير غورين أثناء تصوير الفيلم

ترجمة فلسطين جماليًا؛ بمعنى إدراك وتذوق وتحديد الفني والشعوري، وفقًا لجاك رانسيير، في سياق خطاب ثوري مؤسَس على قاموس وطني سياسي طويل، هو عمل شاق ومعقد. عمومًا، تتمثل جماليات فلسطين في تفاصيل تاريخ ترميزي عريض؛ فيه الكوفية، والحجر، والخيمة، والنفق، والبندقية والكثير من الرموز المحملة بطاقات شعورية صارخة. تناول هذه الجماليات بعمق يعتمد على منطق التفاعل معها وزوايا النظر المعرفية التي تدرك المسافة بين السياسي والجمالي.

تتمثل جماليات فلسطين في تفاصيل تاريخ ترميزي عريض، فيه الكوفية والحجر والخيمة والبندقية

في فيلم "هنا وهناك" Ici et Aillaire الذي أخرجه المخرج الفرنسي الإشكالي المعروف جان لوك غودار عام 1976، تأتي الرواية الفلسطينية الجمعية من مكان لم تعتده الخبرة الفلسطينية النقدية. ربما لأنه يكشف عن مناطق فلسفية جمالية لم يكتشفها أو يختبرها أحد في السياق النقدي الفلسطيني حتى الآن، فهو يختبر التوتر القائم بين الجمالي والسياسي بحنكة وذكاء. جان لوك غودار الذي جاء من فرنسا كي يقوم بإخراج فيلم عن فلسطين، وبتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية حينئذ، خرج عن النص السياسي المبرمَج وبدأ، كعادته، باجتراح السؤال بعد السؤال. غودار، المؤيد لحقوق الفلسطينيين في وطن ودولة، كانت له أفكاره الجمالية الخاصة بشأن الفيلم "المدعوم سياسيًا"، أفكار فيها جدل فلسفي عميق.

اقرأ/ي أيضًا: المغربي الذي عاد حيًّا من سوريا

في فيلم "هنا وهناك" ثمة جهد وعناية  بترجمة أن تكون فلسطينيًا؛ ترجمة لا تُعنى بالتبادل والترادف على مستوى الكلمات والجمل، بل على مستوى المنطق الترميزي للثورة الفلسطينية كخطاب له مفاهيمه ومفرداته الخاصة. ليس من المبالغة القول إن الأسئلة المطروحة في الفيلم هي أسئلة عضوية عميقة تمس ما تحت الجلد الفلسطيني؛ جدليًا حيث تنهمر الأسئلة تباعًا عن كينونة الخطاب الثوري الفلسطيني، مرجعياته، ورموزه، وجماليا حيث يضع غودار الصوت والصورة تحت ميكروسكوبه الخاص وفق ذائقتين الأولى عربية فلسطينية والثانية غربية  فرنسية.

بعد ما يقارب الأربعين سنة على صدور الفيلم، تخرج أسئلة غودار من صناديقها الصغيرة كي تحتل عالما أكبر تستحقه بجدارة، خصوصًا في عصر الانفجار المعرفي وسلطة السوشيال ميديا. هل خطط غودار حياة أخرى لأسئلته؟ بالتأكيد، وعلى أكثر من مستوى؛ المستوى الأول هو تأثير الإعلام والأيديولوجيا على المتلقي، المستوى الثاني هو عالم الثنائيات"الحياة/الموت، الغنى/الفقر، الحلم/الحقيقة والتباس المعنى، والمستوى الثالث هو صناعة الصورة والتفاعل بين الأنا والآخر. إذا، نحن أمام ثلاثة مستويات فلسفية جمالية، على الأقل، تطرح إحداثياتها الخاصة فيما يتعلق بفلسطين ومعناها الواسع. 

الخطاب التعبوي وصورة المتلقي 

يعالج جان لوك غودار سيكولوجيا المتلقي في بيئة خطاب وطني تعبوي فيه سلطة شديدة التأثير تتمثل بلعلعة رصاص في الخلفية، وحديث عن ضرورة الوطن بالنشيد والشعر والرايات الخفاقة بين الحشود. يبدأ الفيلم بفتاة تحمل سلاحا وبجملة "إرادة الشعب". يظهر أحد الثوار مع حشد بسيط في الريف. المتكلم يحاول إيصال رسالة إلى الحشد عن معنى الثورة والتضامن معها. المشهد التالي يعرض فتاة تتدرب على إلقاء كلمة، ويبدو أنها غير متمكنة وغير واثقة، لذلك فإن هناك من يصححها. الفتاة تتحدث عن مشاركة المرأة في الثورة، والمساواة بين الرجل والمرأة. خلال ذلك يتكرر صوت يقول: "إرادة الشعب"، "العمل السياسي"، "حرب الشعب"، "حرب طويلة"، "حتى النصر". 

يسبر غودار التراجيديا الفلسطينية الكامنة في الحوار البسيط عن التفاصيل اللوجستية لعبور نهر الاْردن

الصوت المتكرر يكشف سلطة الكلمة الشفاهية، حتى لو لم تكن تملك وسائل تكنولوجية حديثة. هناك أطفال يمارسون الرياضة في الهواء، وهناك صوت طفل في الخلفية يقول "ثورتنا مسلحة: مبتدأ وخبر". صور الشهداء تظهر تباعًا بعد ذلك مع قصيدة عن بيسان. هناك نشيد أيضًا يتحدث عن "عاصفة في كل دار"، وطفلة مشوشة تؤدي التمرين الصباحي بشكل عسكري. على الجانب الآخر أو "هناك" تظهر عائلة فرنسية من الطبقة الوسطى في غرفة جلوس بسيطة. تستمع العائلة للراديو وتشاهد التلفزيون. يتكلمون هناك عن الحكومة والأحزاب، عن الوضع الاقتصادي. الإعلانات التجارية في التلفزيون تظهر عائلات أخرى سعيدة. خطاب تعبوي هناك أيضًا، وهناك من يتلقى الرسائل ولكن بردود فعل أكثر هدوءًا ودعة.

عالم الثنائيات والتباس المعنى

يبتعد جان لوك غودار قليلًا بكاميرته الفلسفية كي يضع الفلسطيني (وربما الكائن الأرضي عمومًا) في إحداثيات العصر السياسي الذي يعيشه، عالم مبني على قطبين، هناك صورة تجمع الرئيس الأمريكي مع الرئيس السوفييتي. مقاتلة فلسطينية تتحرك بشكل خجول باتجاه الكاميرا. تتقاطع مع صورة المقاتلة صور لمانشتات صحفية تتناول الحياة في فرنسا. هنالك صوت في الخلفية يسرد ثنائيات وجودية كثيرة عابرة للثقافات والشعوب، منها: الحياة/الموت، الحلم/الحقيقة، الخارج/الداخل، اليوم/غدًا، كل شيء/لا شيء. كل ذلك يتم ترديده بينما يشاهد طفلان فرنسيان إعلانات تجارية فيها بساطة شديدة وسهولة شديدة تمامًا كإضافة أصفار على يمين الرقم واحد في عالم رأسمالي، يتحكم في قيمة الأشياء ويحب ان يراها بشكل ثنائي. 

صناعة الصورة وأثر "هناك"

"ما العلاقة بين مجموع الصور وصور المجموع؟"، ماذا يحدث عندما نجمع الصورة بصورة أخرى في مكان واحد أمام الكاميرا؟ ماذا يحدث حين نفصل الصور إلى ثنائيات؛ واحدة أمام الكاميرا تمثل المكان وواحدة خلفها تمثل الزمان؟ ماذا يحدث حين نجمع الصورة بالصوت، بالشعر، بالبراءة أمام الخراب. هناك طفلة تصدح بشعر محمود درويش أمام بيت مهدم بفعل اعتداء إسرائيلي سابق. 

البنت، وبأجواء مسرحية متقنة، تصنع الصورة المفضلة مع الرسالة المفضلة "سأقاوم". أمام الطفلة تقبع كاميرا الآخر أو هناك. هناك أيضًا فتاة جميلة تقول إنها حامل، وأنها ستقدم نفسها وابنها من أجل الوطن. يتساءل غودار إن كانت تريد ذلك فعلًا؛ ثمة حزن يأتي من المصير المتوقع لجمال بريء فيه كثير من الارتباك والهشاشة. في مشهد آخر، ثلاثة فدائيين يحضرون لعملية لن يخرجوا منها أحياء. يسبر غودار التراجيديا الفلسطينية الكامنة في الحوار البسيط عن التفاصيل اللوجستية لعبور نهر الاْردن. لكنه يوضح أن التراجيديا لا تظهر لأنهم يتحدثون عن موتهم القادم، لكنها تتخلق بفعل الكاميرا القابعة أمامهم، هناك، حيث صناعة الصورة ومعناها لا يكتملان دون تفاعل الأنا والآخر أو هنا وهناك. 

اقرأ/ي أيضًا: مرحبًا بك في راب العصابات