ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

12 فبراير 2026
أوروبا
هند مقصوص هند مقصوص

يأتي المولود إلى الحياة محملًا بآمال أهله ومسؤولياتهم اتجاهه، محصنًا من أعين الناس ومكر الحياة بذكر ديني ودعاء ألا يُكتب شقيَّا، وتبدأ معركة الأهل بتربية الأبناء وحمايتهم كمهمة أساسية وأولوية قبل أي مسؤوليات أخرى، ويعتقد البعض أن ثقل تلك المهمة يزداد إذا كانت في أوساط محفوفة بمغريات الحياة ونسبة الوقوع في الخطأ أكبر، كأن ينشأ الطفل في بلد أوروبي، بحسب رأيهم.

وربما من الإجابات الشائعة عند سؤال اللاجئين العرب في أوروبا، إذا كانوا يعزمون العودة إلى بلدانهم الأصلية مستقبلًا وأسباب ذلك، فتكون حماية الأبناء وتنشئتهم نشأة صالحة على رأس أسباب العودة، باعتبارهم أن أوروبا أرض تدعم معتقدات وحريات مطلقة، لا تتلاءم مع دينهم وعاداتهم وثقافتهم التي تربوا عليها الآباء.

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات

ومن بين التحديات التي يواجهها العرب في أوروبا، بحسب ما تحدث أهال لـ "الترا صوت"، كيفية حماية أبنائهم من الانجرار إلى المخدرات أو الحشيش، أو العلاقات المحرمة بديانتهم، كذلك الحذر من تقبل مفاهيم يعتبرونها سامّة كالمثلية الجنسية أو ميول أخرى، أو حتى رفض مظاهر أو رموز دينية مثل الحجاب وحرمانهم أو إجبارهم الاحتفاء بمناسبات دينية وغيرها.

وفي وقت تكفل الاتفاقيات الدولية والأوروبية حقوق الإنسان بممارسة دينه وشعائره وحرية التعبير والاختيار، تنبثق إشكالات عند تطبيق ذلك على أرض الواقع لدى طرفي المعادلة، المواطن والقانون.

ورصد "الترا صوت" عشرات المنشورات لاستشارات حول تربية الأبناء في أوروبا، إن كان عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو لدى مختصين، عن كيفية إدماج الأبناء بأقرانهم الأجانب، وكيفية حماية الأبناء من سلوكيات غير أخلاقية، فضلًا عن منشورات تتساءل عن حلول أو مخرج لقضايا مرفوعة ضد الأهل أساؤوا معاملة أبنائهم، والخوف من سحب الأطفال منهم.

"ميزان واحد"

خلال لقاء "الترا صوت" بعوائل عربية، انقسمت وجهات النظر بين من يجد في أوروبا نظامًا عادلًا ومنظمًا ويمكن للأهل أن يسهموا بتنشئة أبنائهم نشأة سليمة، بتعاون من المدارس والمنظمات والسلطات الداعمة، وبين من يجد الأنظمة والمجتمعات الأوروبية مجحفة بحق الأهالي، تقيّد سلطتهم وتمنعهم من التدخل لحماية أبنائهم، بينما يرى آخرون أن التربية "ميزان واحد" في كل مكان من العالم، يحمل المتاعب والمخاطر نفسها، وفق تعبيرهم.

تقول إحدى السيدات العربيات في ألمانيا، إن تأسيس الطفل في منزله وغرس قيم العائلة سيحميه في فترة المراهقة، ومهما انجر وراء الأصدقاء يعود إلى بوصلة العائلة الأصلية عندما يبدأ بمرحلة الوعي، وتؤكد أن التربية مهمة شاقة، حتى في البلدان العربية، لذلك علينا تثقيف أنفسنا كأهل، وخلق صداقة قوية مع أبنائنا، بكل المراحل العمرية.

من جهتها، تتحدث عربية تعيش في فرنسا، عن تجربتها بالتربية لـ "الترا صوت"، "مفاهيم ديننا تقول إننا خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، ولذلك من الجميل أن نتعلم أكثر عن غيرنا ونختلط معهم، ويمكن التعرف إلى أهل أصدقاء أولادنا، ونعرف من يرافق أبناؤنا وفي أي بيئة منزلية يعيشون".

وتضيف: "التربية في بلداننا العربية لا تختلف كثيرًا، هناك أيضًا تجد أطفالًا صغارًا يعرفون ما لا يتناسب مع أعمارهم الصغيرة، وبطرق مشوّهة، ويمكن للمدرسة أو الحي أن يكون لهم أثر كبير على الطفل، لذلك يجب نكون نحن القدوة والموجّه لأبنائنا في الغربة".

على صعيد آخر، يقول أبو رغداء أحد الآباء لـ "الترا صوت"، "هناك اهتمام بصحة وجودة حياة أبنائنا، الحكومات الأوروبية تدعم الطفل وتخصص له مبالغ شهرية كإعانة للأهل، لذلك علينا أن نختار لهم الأفضل ولا نحرمهم مما قد يجدوه لدى أقرانهم من أساسيات، في بداية تواجدنا في فرنسا، استدعونا المدرسة وسألونا إذا كنا نأخذ دعمًا ماديًا من الحكومة، وعند تأكيدنا ذلك، وجّهونا إلى ضرورة الاهتمام بملابس أبنائنا ومستلزماتهم الدراسية وغيرها، وهذا ما أصبحنا نحرص عليه، لأنه يضعنا تحت المساءلة، والمدرسة تتابع أبناءنا باستمرار".

ويتقاطع حديث أبو رغداء مع عرب آخرين، فتنوّه سيدة، "بدلًا من تصميد الأموال لشراء منزل في بلدنا أو ذهب وغيرها، علينا كفاية حاجات أطفالنا الأساسية وترفيههم بمخصصاتهم المالية، كي لا يبحثوا عن سدها خارج المنزل، والأمر يمتد إلى المشاعر والمعرفة والمعلومة وغيرها".

بدورها، تروي سيدة عربية لـ"الترا صوت" مشاهداتها المجتمعية عندما زارت بلدها الأم، "قبل فترة قصيرة عدت بزيارة إلى بلدي العربي، وجدت تحديات كبرى يمكن أن تقلق الأهل على أبنائهم، إن كان أسلوب الطفل بالكلام الحادّ والعنيف وكأن الذي يتكلم ليس طفلًا، العشوائية والفوضى في كل مكان، السهر لأوقات طويلة على الشاشات حتى بوجود الأهل، رفقة السوء والمواد المخدرة وغيرها".

وتتابع، "أجد العكس هنا في أوروبا، الأطفال أكثر تنظيمًا وترتيبًا، الأهل والمدارس يهتمون بمواعيد الطعام والنوم والرياضة، تعليم الأبناء آداب الحديث والطريق والتعامل مع الأكبر سنًا ومع أقرانهم، لكن بالمقابل يجب متابعة الأبناء وتعليمهم دينهم ومبادئه، على الجانب الأخر".

بدوره يقول أحد الآباء مقيم في ألمانيا، إن المجتمع مليء بالسلوكيات المنحرفة، والحرية مطلقة والجاليات كثيرة ومتنوعة وكل منها له مبادئه وثقافته ودينه، ما يجعل الأمور أصعب على الأهالي، والمراهقة هي أصعب المراحل التي يجب خلالها حماية الأطفال من كم السلوكيات المتفاوتة التي يشهدها حوله، وفق تعبيره.

في هذا السياق، ترصد إحصاءات المسح الأوروبي لتعاطي الكحول والمخدرات في المدارس لعام 2024 (ESPAD) خلال 30 ​​عامًا، السلوكيات الخطرة بين المراهقين في أوروبا، بمشاركة 37 دولة.

انقسمت وجهات نظر عائلات عربية في أوروبا بين من يجد فيها نظامًا عادلًا يمكن للأهل في أن يسهموا بتنشئة أبنائهم نشأة سليمة، ومن يجد الأنظمة والمجتمعات الأوروبية تقيّد سلطتهم وتمنعهم من التدخل لحماية أبنائهم

وتظهر النتائج انخفاض تدخين السجائر بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، حيث انخفض معدل انتشاره مدى الحياة إلى النصف بين عامي 1995 و2024. ومع ذلك، لا يزال التدخين المبكر مستمراً، لا سيما بين الفتيات، اللواتي ارتفعت معدلات تدخينهن اليومي في سن 13 عاماً وما دون في السنوات الأخيرة.

في الوقت نفسه، ارتفع استخدام السجائر الإلكترونية بشكل حاد بين المراهقين، مع تزايد مستويات البدء المبكر والاستخدام اليومي، مما يثير مخاوف بشأن الاستخدام المزدوج للسجائر التقليدية والإلكترونية، ويعكس تحولاً أوسع نحو منتجات النيكوتين الأخرى.

كذلك، انخفض استهلاك الكحول بمرور الوقت، مع تراجع في كل من الاستهلاك العام والاستهلاك المفرط، إلا أن هذا الانخفاض أكثر وضوحًا بين الأولاد، بينما أظهرت الفتيات اتجاهًا أكثر استقرارًا. ورغم هذا التقدم، لا يزال الكحول متاحًا على نطاق واسع، ولا يزال البدء المبكر في تعاطيه والإفراط في الشرب من المشاكل الرئيسية في بعض المناطق.

لا يزال القنب أكثر المخدرات غير المشروعة شيوعًا، على الرغم من انخفاض معدل انتشاره مدى الحياة إلى أدنى مستوى له منذ عام ١٩٩٥. وبينما يُبلغ الأولاد عمومًا عن مستويات استخدام أعلى، فإن الفجوة بين الجنسين آخذة في التضاؤل، مع بعض الاستثناءات التي يتجاوز فيها عدد الفتيات عدد الأولاد.

وتبقى التجربة المبكرة والاستخدام عالي الخطورة مصدر قلق، على الرغم من أن الاستخدام الحالي الإجمالي (أي خلال الثلاثين عامًا الماضية) قد انخفض إلى ٥٪، مما يعكس اتجاهًا تنازليًا طويل الأمد. ويختلف مدى توفره بشكل كبير، لكن القنب يبقى أكثر المواد غير المشروعة سهولة في الحصول عليها بين الطلاب.

وانخفض تعاطي المخدرات غير المشروعة الأخرى بين الطلاب المشاركين في مشروع ESPAD، مع تقلص الفوارق بين الجنسين، على الرغم من أن الأولاد ما زالوا يُبلغون عمومًا عن مستويات أعلى من التعاطي وتوافر المخدرات. في الوقت نفسه، يتزايد تعاطي المواد المستنشقة بين الفتيات، وكذلك استخدام الأدوية لأغراض غير طبية.

إلى جانب مشكلة المواد المخدرة، تتطور المخاطر السلوكية، شهدت ألعاب الفيديو نموًا ملحوظًا بين الطلاب المشاركين في مشروع ESPAD، لا سيما بين الفتيات، ولم تعد حكرًا على الذكور، مما يعكس تغيرات أوسع في السلوكيات الرقمية.

ورغم ازدياد المشاركة، لا يزال التصور السائد عن إشكالية ألعاب الفيديو ثابتًا. من جهة أخرى، تزايدت المخاوف بشأن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بين الأولاد، بينما لا تزال هذه المخاوف مرتفعة بين الفتيات.

لا تزال المقامرة وألعاب الحظ مستقرة، لكن المشاركة عبر الإنترنت قد زادت بشكل حاد وتضاعف سلوك المقامرة المحفوف بالمخاطر تقريبًا، مع زيادة أكثر وضوحًا بين الفتيات.

صراع داخلي

تعتبر إحدى السيدات العربيات خلال حديثها مع "الترا صوت"، أن التربية جهاد، ومن الصعب الموازنة بين ما يحاول الأهل تعليمه لأبنائهم وبين ما يسمعون به أو يتعلمونه خارج المنزل، فتقول: "ابني في الإعدادية، لديه زميلة تحاول باستمرار إقامة علاقة حب معه، أخبرني بذلك وأحاول حمايته من أي غريزة غير منضبطة إن كانت بدافع جنسي أو فضول، أفكر بالعودة إلى بلدنا، لكن الأمر ليس بهذه السهولة".

ويشاركها الرأي عرب آخرون تحدثوا لـ"ألترا صوت"، عن الصراع الداخلي الذي يعيشه الأهل والأبناء على حدّ سواء، إن كان في الدراسة أو العمل والمجتمع، بينما ما يتعلمه العربي في صغره وينشأ عليه، وبين ما يرحّب به المجتمع أو يحاربه في البلد الذي يقيم فيه، "ابنتي محجبة لكنها تخلع حجابها مجبرة قبل الدخول إلى المدرسة، هذا يشكل عبئًا نفسيًا عليها حتمًا"، تشرح إحدى الأمهات.

من جهتها، تقول أم لأربعة أطفال تقيم في فرنسا لـ"الترا صوت"، "نعيش في مدينة ريفية صغيرة جدًا لأننا نحاول أن نكون في مجتمعات ضيقة ومحافظة، هنا لدينا مساحة أكبر لممارسة تعاليم ديننا والناس يتقبلونا أكثر لأنهم أنفسهم محافظين، ولو أنهم من غير ثقافة أو دين، بينما الأمر مختلفًا إذا تحدثنا عن العواصم والمدن الكبرى التي فيها كل المخاطر متاحة".

ويروي أحد الآباء ما حدث معه في هولندا قبل سنوات، "سحبت المنظمات الاجتماعية بناتي مني بعد مشكلة حصلت بيني وبين والدتهم، لمحاولتي فرض الحجاب على بنتي لكن والدتها كانت بصفها، بزعم أنها ما تزال صغيرة، بعد أيام من المشكلة تم استدعائي إلى المدرسة، ووصل الموضوع إلى السلطة فتم إبعادي عن عائلتي منذ ذلك الحين، ووقع بعدها الطلاق، يا ليتني لم آتي إلى هنا ونجوت ببناتي".

وفي البلدان الأوروبية تم التأكيد مرارًا على رفض العنف والإكراه الممارس من بعض الأهالي بحق أبنائهم، وفي بعض البلدان مثل فرنسا، أكدت على رفض أي نوع من أنواع العنف إن كان جسدي أو لفظي أو سلوك فيه أذى أو إهانة أو إذلال، ولو كان بداعي "التأديب".

"لا لضرب الطفل، حتى ولو كان ضرباً خفيفاً، فإنه غير مسموح به"، فقد قضت محكمة النقض الفرنسية في مدينة ميتز 14 يناير/كانون الثاني الفائت، بأنه لا يوجد "حق تأديبي" يبرر العنف التعليمي ضد الأطفال، وبذلك أوضحت غموضاً قانونياً، كان يستغله بعض الآباء لتعنيف أبنائهم بالفعل أو الكلمة.

وتقول اليونسيف إن القوانين تتغير لمصلحة الطفل في أوروبا وآسيا الوسطى، لكن الممارسة تطبق ببطء، واعتبارًا من عام 2025، حظرت 39 دولة في أوروبا وآسيا الوسطى العقاب البدني في جميع الأماكن، بما في ذلك المنزل، معترفةً بأنه ضار وانتهاك لحقوق الطفل. كما تعهدت عدة حكومات في المؤتمر الوزاري العالمي لعام 2024 بشأن إنهاء العنف ضد الأطفال، مما يشير إلى زخم متزايد نحو التغيير.

ومع ذلك، ورغم وجود القوانين والالتزامات السياسية وتزايد الوعي بأضرار التأديب العنيف، لا تزال هذه الممارسات منتشرة على نطاق واسع. وغالبًا ما يُنظر إليها على أنها جزء طبيعي من تربية الأطفال، بدلًا من كونها عملًا عنيفًا ضد الطفل وانتهاكًا لحقوقه.

كلمات مفتاحية
لبنان

الحرب ترفع الأسعار في لبنان وتخوّف من انقطاع المواد الأساسية

يتخوّف اللبنانيون من الانعكاس المفترض لارتفاع أسعار المحروقات على أسعار المواد الغذائية وخدمات النقل والخدمات العامة وقدرتهم الشرائية

صورة تعبيرية

كيف شعر الأميركيون بالآثار الاقتصادية للحرب على إيران؟

بدأت تداعيات الحرب على إيران تظهر بشكل ملموس داخل الاقتصاد الأميركي، رغم بُعد ساحة الصراع آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأميركية

خبز

وسط الحرب والضغوط الاقتصادية.. ارتفاع أسعار الخبز والوقود في لبنان

رفع أسعار سلع أساسية في هذا التوقيت قد يضيف عبئًا جديدًا على الأسر اللبنانية، خصوصًا الفئات الفقيرة والنازحة

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية

الصين والولايات المتحدة
سياق متصل

كيف استفادت الصين من الحرب على إيران؟

بينما تنشغل واشنطن بالحرب في الشرق الأوسط، تبدو بكين مستعدة لاستثمار اللحظة لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في شرق آسيا