ترامب يحوّل التأشيرات إلى سلاح: آلاف الطلاب الأجانب خارج الجامعات الأميركية
19 أغسطس 2025
يتجاوز قرار وزارة الخارجية الأميركية بإلغاء تأشيرات دراسية لطلاب أجانب كونه مجرد إجراء إداري؛ فهو يعكس تحولًا جوهريًا في نظرة واشنطن إلى التعليم والهجرة معًا.
فمنذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبحت الجامعات الأميركية جزءًا من معركة أوسع ضد ما تعتبره الإدارة تهديدات أمنية وفكرية، بدءًا من تشديد إجراءات التدقيق الأمني ووصولًا إلى ملاحقة طلاب شاركوا في احتجاجات رافضة للحرب الإسرائيلية على غزة. وهكذا تحوّل ملف التعليم من مساحة للتبادل الثقافي والعلمي إلى ساحة مواجهة سياسية تعكس الصراع بين قيم الانفتاح الأكاديمي وهاجس الأمن القومي.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن إلغاء أكثر من ستة آلاف تأشيرة دراسة لطلاب أجانب خلال العام الجاري.
القرار، الذي يندرج ضمن سياسة الهجرة المتشددة التي اعتمدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، برز كإحدى أكثر القضايا حساسية لما يحمله من انعكاسات على مستقبل الجامعات الأمريكية، وعلى صورة البلاد كوجهة تعليمية أولى عالميًا.
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبحت الجامعات الأميركية جزءًا من معركة أوسع ضد ما تعتبره الإدارة تهديدات أمنية وفكرية
أسباب الإلغاء وأبعادها القانونية
وفقًا لبيان الخارجية الأمريكية، فإن معظم حالات الإلغاء، حوالي 4000 تأشيرة، تعود إلى مخالفات قانونية ارتكبها الطلاب، تتوزع بين الاعتداء الجسدي، القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، والسطو.
أما الجزء الآخر من الحالات، والذي يتراوح بين 200 و300 تأشيرة، فقد أُلغي بتهمة "دعم الإرهاب"، استنادًا إلى بنود في قانون الهجرة والجنسية الأميركي.
إلا أن الغموض يحيط بمفهوم "الدعم" كما تطرحه الإدارة، إذ لم تُقدَّم تفاصيل دقيقة عن طبيعة الأنشطة التي أدرجت في هذا التصنيف. وقد اتُهمت إدارة ترامب باستغلال هذا البند لاستهداف طلاب شاركوا في مظاهرات مؤيدة لفلسطين أو عبّروا عن انتقادات لسياسات واشنطن تجاه الحرب في غزة.
تشديد الفحص الأمني والرقابة على وسائل التواصل
لم يقتصر الأمر على سحب التأشيرات فقط، بل شمل أيضًا فرض إجراءات جديدة على المتقدمين للدراسة في الولايات المتحدة. ففي حزيران/يونيو الماضي، وبعد توقف مؤقت في مواعيد التأشيرات، استؤنفت المقابلات بشروط مشددة، أبرزها: إلزام الطلاب بكشف حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي للعامة، وإتاحة المجال للسلطات للتنقيب في آرائهم ومواقفهم السابقة.
وتشير توجيهات صادرة عن وزارة الخارجية إلى ضرورة التحقق من "أي مؤشرات عدائية تجاه الشعب أو الثقافة أو المؤسسات الأميركية"، إضافة إلى رصد أي نشاط يوحي بتأييد جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب. هذه السياسة، بحسب مراقبين، فتحت الباب واسعًا أمام تقييد حرية التعبير وربط النشاط الطلابي السياسي بشبهات أمنية.
الجامعات الأميركية في قلب المواجهة
تزامن القرار مع تصاعد المواجهة بين ترامب وعدد من الجامعات المرموقة مثل هارفارد، التي اتهمها الرئيس الأميركي بأنها تحولت إلى "معقل لمعاداة السامية"، بسبب اتساع رقعة الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين. وهدّد ترامب بقطع التمويل عنها وحتى سحب امتيازها الضريبي، الأمر الذي أثار قلقًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية.
هذا التوتر دفع بعض الدول الأوروبية إلى زيادة دعمها المالي للبحث العلمي، في محاولة لاستقطاب الكفاءات التي قد تتردد في التوجّه إلى الولايات المتحدة بسبب هذه القيود.
التداعيات الاقتصادية والتعليمية
تُعد الولايات المتحدة الوجهة التعليمية الأولى عالميًا، إذ استقبلت أكثر من 1.1 مليون طالب أجنبي من 210 دول خلال العام الدراسي 2023-2024. غير أن قرارات إدارة ترامب تنذر بتراجع خطير في هذه الأعداد.
تقديرات صادرة عن منظمة "NAFSA " المتخصصة في التعليم الدولي توقعت انخفاضًا يتراوح بين 30 و40% في أعداد الطلاب الجدد، ما ينعكس بخسائر قد تصل إلى 7 مليارات دولار سنويًا، وفقدان أكثر من 60 ألف وظيفة ترتبط مباشرة بوجود الطلاب الأجانب في الولايات المتحدة. كما حذّرت من أن ما يصل إلى 150 ألف طالب قد يتخلفون عن الالتحاق بالجامعات الأميركية خلال الفصل الدراسي المقبل.
حقوق الإنسان وحرية التعبير
أثارت السياسات الجديدة انتقادات حادة من الديمقراطيين ومنظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن استهداف الطلاب على خلفية نشاطهم السياسي يمثّل "انتهاكًا لحرية التعبير" المكفولة بالدستور الأميركي. واستشهدت هذه المنظمات بحالات بارزة، منها توقيف الطالبة التركية في جامعة تافتس بولاية ماساتشوستس، روميساء أوزتورك، بعد مشاركتها في مقال رأي ينتقد موقف جامعتها من حرب غزة، حيث احتُجزت أكثر من ستة أسابيع في مركز ترحيل بولاية لويزيانا قبل أن يطلق سراحها بقرار قضائي.
تزامن القرار مع تصاعد المواجهة بين ترامب وعدد من الجامعات المرموقة مثل هارفارد، التي اتهمها الرئيس الأميركي بأنها تحولت إلى "معقل لمعاداة السامية"، بسبب اتساع رقعة الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين
الموقف الرسمي وتبرير السياسات
من جانبه، دافع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن هذه الإجراءات، مؤكدًا أن "التأشيرة ليست حقًا دستوريًا بل امتياز تمنحه الولايات المتحدة"، مشددًا على أن من يثبت لاحقًا انخراطه في أنشطة تهدد الأمن القومي أو المصالح الأميركية يفقد هذا الامتياز.
معضلة تأشيرات الطلاب في أميركا
تكشف أزمة تأشيرات الطلاب الأجانب في عهد ترامب عن جانب مظلم من السياسات الأميركية تجاه التعليم والهجرة. فهي تعكس تزاوجًا بين الأمن والسياسة على حساب القيم التي طالما تباهت بها الولايات المتحدة كحاضنة للعلم وحرية التعبير.
وبينما تؤكد إدارة ترامب أن هذه الخطوات ضرورية لحماية الأمن القومي، يرى منتقدوها أنها تمثل تهديدًا مباشرًا للتنوع الأكاديمي والحرية الفكرية، فضلًا عن خسائر اقتصادية جسيمة.
وفي ظل استمرار الجدل، تبقى الأسئلة معلقة حول مستقبل الجامعات الأميركية ودورها في اجتذاب العقول المهاجرة، في وقت يتزايد فيه التنافس العالمي على استقطاب الكفاءات.