ترامب يتراجع عن تهديداته برفع الرسوم الجمركية بعد تفاهم حول "قطعة الجليد"
22 يناير 2026
تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تهديده بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، في خطوة مفاجئة أنهت تصعيدًا سياسيًا واقتصاديًا حادًا كاد أن يعصف بعلاقات واشنطن مع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وذلك عقب التوصل إلى ما وصفه ترامب بـ"إطار لاتفاق مستقبلي" مع قيادة الحلف بشأن أمن منطقة القطب الشمالي وغرينلاند.
وكان ترامب قد لوّح بفرض تعريفات جمركية تبدأ بنسبة 10% الشهر المقبل وترتفع إلى 25% في حزيران/يونيو، للضغط على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين من أجل انتزاع موافقة أميركية على السيطرة على غرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للتاج الدنماركي. بل وذهب إلى حد التأكيد العلني على رغبته في الحصول على الجزيرة "بما في ذلك الحق والملكية والسيادة".
تراجع دونالد ترامب عن تهديده بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، منهيًا تصعيدًا سياسيًا واقتصاديًا حادًا كاد أن يعصف بعلاقات واشنطن مع دول الناتو
غير أن الرئيس الأميركي أعلن، عبر منشور على منصته للتواصل الاجتماعي، إلغاء هذه التهديدات بعد اتفاقه مع الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته على "إطار عمل" للتعاون المستقبلي في القطب الشمالي، في خطوة بدت وكأنها محاولة لاحتواء تداعيات سياسية وجيوسياسية واسعة النطاق.
أمن القطب الشمالي و"القبة الذهبية"
وربط ترامب التفاهم الجديد بمحادثات إضافية تتعلق بغرينلاند ضمن مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي، وهو نظام دفاعي متعدد الطبقات تصل كلفته إلى نحو 175 مليار دولار، ويهدف "للمرة الأولى" إلى نشر أسلحة أميركية في الفضاء. ولم يكشف ترامب تفاصيل إضافية، مكتفيًا بالقول إن المباحثات لا تزال قيد الإعداد.
وبحسب مسؤول أوروبي مطلع، تحدث إلى وكالة "أسوشيتد برس" شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن أحد المقترحات التي نوقشت داخل "الناتو" كحل وسط يتمثل في تعاون الدنمارك والحلف مع الولايات المتحدة لإنشاء قواعد عسكرية أميركية إضافية في غرينلاند، رغم عدم وضوح ما إذا كان هذا الطرح قد أُدرج ضمن الإطار الذي أعلنه ترامب.
نمط متكرر من التهديد ثم التراجع
وليست هذه المرة الأولى التي يتراجع فيها ترامب عن تهديدات جمركية. ففي نيسان/أبريل الماضي، تسببت تصريحاته بشأن فرض رسوم ضخمة على واردات عالمية في اضطراب حاد للأسواق المالية، قبل أن يعود ويتراجع تحت ضغط ردود الفعل الاقتصادية السلبية.
لكن التراجع هذه المرة جاء بعد خطاب مثير للجدل ألقاه ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ركّز فيه بشكل لافت على غرينلاند، وهدد ضمنيًا بتقويض تماسك حلف "الناتو"، أحد أكثر التحالفات العسكرية استقرارًا منذ الحرب الباردة.
وقال ترامب في خطابه إن ما يطلبه هو "قطعة أرض باردة وسيئة الموقع"، معتبرًا أن الولايات المتحدة "أنقذت أوروبا" خلال الحرب العالمية الثانية، ومضيفًا عن الحلف: "إنه طلب صغير جدًا مقارنة بما قدمناه لهم لعقود طويلة".
وأضاف بنبرة تهديدية: "ربما لن نحصل على شيء إلا إذا استخدمت القوة المفرطة، حيث سنكون حينها غير قابلين للإيقاف. لكنني لن أفعل ذلك، حسنًا؟".
قلق داخل "الناتو" وترحيب دنماركي حذر
ومع تشكيكه المتكرر بالتزام الحلف بالدفاع عن الولايات المتحدة إذا تعرضت لهجوم، سارع الأمين العام لـ"الناتو" مارك روته إلى طمأنته علنًا، مؤكدًا أن الحلف "سيقف مع واشنطن دون تردد". وبعد وقت قصير، أعلن ترامب رسميًا إلغاء الرسوم الجمركية.
من جانبه، رحّب وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن بتراجع ترامب عن خيار استخدام القوة و"تعليق الحرب التجارية مع أوروبا"، داعيًا إلى حوار هادئ لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية في القطب الشمالي "مع احترام الخطوط الحمراء لمملكة الدنمارك"، وعلى رأسها السيادة الوطنية.
غرينلاند بين القلق والاستعداد
في موازاة ذلك، اتخذت حكومة غرينلاند خطوات احترازية، إذ أصدرت كتيبًا إرشاديًا باللغتين الإنجليزية والغرينلاندية، دعت فيه السكان إلى الاستعداد لأي أزمة محتملة عبر تخزين الغذاء والمياه والوقود والمؤن الأساسية لمدة خمسة أيام.
وقال أحد سكان العاصمة نوك، توني ياكوبسن، بعد شرائه مستلزمات الطوارئ: "ربما تكون مجرد تهديدات، لكن من الأفضل أن نكون مستعدين".
وأعرب آخرون عن استيائهم من خطاب ترامب، معتبرين أنه يتعامل مع غرينلاند "كقطعة جليد لا أكثر". وقال المواطن جوني هيدمان: "العيش هنا يفرض علينا الاستعداد لكل شيء، والآن هناك تهديد جديد… اسمه ترامب".
الأسواق تلتقط أنفاسها
وعقب إعلان التراجع الأميركي، تعافت الأسواق المالية التي كانت قد شهدت تراجعًا حادًا بسبب مخاوف الحرب التجارية. كما أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين ارتياحهم، خشية أن تؤدي نبرة ترامب التصعيدية تجاه الدنمارك و"الناتو" إلى الإضرار بأهداف أميركية أوسع في السياسة الخارجية.
ورغم أن خطاب دافوس كان من المفترض أن يركز على خفض أسعار المساكن في الولايات المتحدة، إلا أن غرينلاند طغت على المشهد، حتى إن ترامب أخطأ أربع مرات في تسميتها بـ"آيسلندا". وقال حينها: "هذه الجزيرة الضخمة غير المؤمنة هي في الواقع جزء من أميركا الشمالية… إنها أرضنا".