ترامب ونتنياهو.. وجها مقص جيوسياسي
14 ابريل 2026
في الحروب التي تُدار بمنطق التوسع، لا تكون الجبهة الحالية سوى محطة مؤقتة في طريق جبهة أخرى. هكذا يبدو المشهد اليوم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ خطابان يبدوان منفصلين في الشكل، لكنهما يلتقيان في الجوهر: منطق القوة، وتوسيع ساحات الاشتباك، وإبقاء الحرب في حالة حركة دائمة.
من غزة إلى لبنان وسوريا، ومن فنزويلا إلى إيران وكوبا، تتكرر اللغة نفسها: الأمن، الردع، والدفاع عن المصالح، بينما تكشف الوقائع مسارًا مختلفًا يقوم على إعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية جبهة بعد أخرى.
ولا يظهر ترامب ونتنياهو مجرد حليفين سياسيين، بل كوجهي مقص جيوسياسي واحد؛ يتحرك كل نصل في اتجاهه، لكن النتيجة النهائية واحدة: قصّ الحدود، وفتح الطريق أمام جبهات جديدة.
في فلسطين، لم تُبقِ إسرائيل، عبر عقودٍ من التوسع، سوى نصف غزة المدمّرة والمحاصرة، وأجزاءٍ من الضفة الغربية التي يتواصل فيها الاستيطان. وفي لبنان، تواصل إسرائيل التوسع والاحتلال، وتعلن، في الحد الأدنى، أنها تريد الوصول إلى جنوب الليطاني.
أما في سوريا، فقد باتت تهيمن على أجزاء واسعة من الجنوب، ورفضت توقيع اتفاقيات أمنية مع دمشق خشية أن تقيّد حركتها التوسعية، فيما لا يزال من غير الواضح إلى أين يمكن أن يصل هذا المسار.
وفي السياق نفسه، تبرز مؤشرات إلى أن إسرائيل تضع تركيا ضمن المحطات التالية في خطابها التصعيدي، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية التركي حقان فيدان، الذي قال إن إسرائيل تريد أن تجعل من بلاده "عدوًا جديدًا" لها بعد إيران.
وبالمثل انتقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من فنزويلا إلى إيران، ساعيًا إلى إخضاعها للسياسات الأميركية، ويقول بوضوح إن الدور المقبل على كوبا، مع تلميحات إلى إمكان التوسع نحو غرينلاند وكندا ودول أخرى.
ويظهر بين ترامب ونتنياهو خطاب موحّد في السرديات الدينية والسياسية، وفي منطق الهيمنة والحجج والمبررات المستخدمة لإشعال الحروب. ومن خلال تتبّع مسار التصريحات، يتضح أن نتنياهو يظهر أولًا ويقدّم السردية، ثم يلحق به ترامب على المسار نفسه.
وكأن نتنياهو وجد شريكًا له في البيت الأبيض يشاركه طموح الحروب من جبهة إلى أخرى، إلا أن الفارق يكمن في أن الأول يعلن صراحةً رغبته في الحرب واستمرار الجبهات، فيما يكرر الثاني أنه لا يريد الحرب بل السلام، بينما تصبّ كل خطواته في مسار الحرب والتصعيد.
ويمكن النظر إلى ترامب ونتنياهو كوجهي مقص جيوسياسي واحد؛ فقد يتحرك كل منهما في مسار يبدو منفصلًا عن الآخر، وقد يلتقيان في اتجاه واحد، إلا أن النتيجة في الحالتين ذاتها. فبين النصلين تُقصّ الخرائط واحدة تلو الأخرى، وتتحول الجبهات من ساحات صراع مؤقتة إلى أدوات لفرض الهيمنة، بحيث لا تعود الحرب ردّ فعل، بل تصبح بنية دائمة ومستمرة.
ويُعيد هذا المنطق إلى الأذهان ما فعله أدولف هتلر في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ بدأ مشروعه التوسعي تحت ذريعة "حماية الأمن القومي" و"استعادة المجال الحيوي". فكانت البداية بضم النمسا، ثم إقليم السوديت في تشيكوسلوفاكيا، قبل أن يتحول المسار إلى اجتياح بولندا واندلاع الحرب العالمية الثانية.
وفي كل محطة، تكرر الخطاب ذاته: هذه الخطوة ضرورية لحماية الحدود، إلا أن النتيجة كانت أن كل توسع فتح الحاجة إلى توسع جديد، لتتحول الحرب من وسيلة إلى نهج دائم.
وهذا تحديدًا هو منطق الإمبراطوريات عبر التاريخ؛ فالحرب لا تتوقف عند حدود الهدف الأول، لأن السيطرة على منطقة ما تستدعي إنشاء "منطقة أمنية"، ثم توسيع هذه المنطقة بذريعة حمايتها، ثم فتح جبهة جديدة لحماية ما سبق. وهكذا يصبح التوسع غاية قائمة بذاتها تحت عنوان الدفاع، بينما يتسع نطاق الحرب جغرافيًا وسياسيًا بصورة متواصلة.
أما الدول التي تدرك أنها قد تكون ضمن دائرة الاستهداف، لكنها تحاول النأي بنفسها أو التعامل مع كل جبهة بوصفها شأنًا منفصلًا، فهي تشبه حكاية الأسد والثيران؛ إذ لم يستطع الأسد الانقضاض على الثيران وهي مجتمعة، فلجأ إلى تفريقها واحدًا تلو الآخر، حتى أكل كل ثور على حدة. وعندما جاء دور الأخير، قال عبارته الشهيرة: "أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض".
والمثل يُضرب ولا يُقاس، إلا أن الصمت على استهداف جبهة اليوم قد يمهّد الطريق لانتقال النار إلى الجبهة التالية.
وبذلك تتحول الحرب إلى عقيدة سياسية قائمة بذاتها، إذ يصبح وجود الجبهة التالية شرطًا لاستمرار الخطاب السياسي نفسه. فكلما شارفت جبهة على الانطفاء، جرى إنتاج عدو جديد، أو إعادة تعريف الخطر، بما يضمن بقاء منطق التعبئة والتصعيد حاضرًا.
وحين تصبح الحرب هي اللغة الوحيدة للسياسة، لا يعود السؤال أين تقف الجبهة الحالية، بل أين ستكون الجبهة التالية، ومن سيكون الثور الأبيض القادم.