ترامب والقوة العسكرية.. سوء فهم يُنذر بكارثة

ترامب والقوة العسكرية.. سوء فهم يُنذر بكارثة

يعتبر دونالد ترامب القوة العسكرية الضخمة جزءا من قوته الرمزية (Getty)

يفهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القوة العسكرية، وكأنها قوة للاستعراض أو التباهي، حيث طالما شدد على ضرورة تعزيزها، مع الاستهتار الدائم بالأدوار التي تلعبها في نفس الوقت. حيث يعزف ترامب عن الدور الأمريكي التقليدي لحماية الحلفاء. تسلط هذه المقالة المترجمة عن شبكة Salon الإعلامية، الضوء على هذا التناقض.


يحب الرئيس ترامب أن يتباهى بحجم جيش بلاده. وقد فعل ذلك في شهر أيار/مايو الماضي في خطاب ألقاه في الأكاديمية البحرية الأمريكية في أنابوليس، متفاخرًا بترؤسه أكبر ميزانية دفاع في تاريخ أمريكا (هذا غير صحيح، ولكن لندع ذلك جانبًا حاليًا). بل إنه تباهى بزيادة ميزانية الدفاع التي وفرتها إدارته أمام مجموعة من الأطفال في جولة عيد الفصح بالبيت الأبيض (وأرنب عيد الفصح واقفٌ خلفه). إلا أنه دائمًا ما يشتكي أن الولايات المتحدة غير قادرة على الحفاظ على التزامات تحالفاتها، ويشير إلى أن التدريبات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية مكلفة للغاية ويمكن استبدالها بوعود مبهمة بنزع السلاح النووي في كوريا الشمالية. في الوقت نفسه، سيحضر الرئيس عرضًا عسكريًا في واشنطن في وقت لاحق من هذا العام، ستقارب تكلفته تكلفة تلك التدريبات.

 لا يرى دونالد ترامب الجيش الأمريكي أداةً للقوة الوطنية، ولكن رمزًا لها، وهو ما يجعله بالتبعية رمزًا لقوته الخاصة

ما تفسير هذا التضارب الظاهر؟

من الجلي أن الرئيس لا يرى الجيش الأمريكي أداةً للقوة الوطنية، ولكن رمزًا لها، وهو ما يجعله بالتبعية رمزًا لقوته الخاصة. وهي طريقة خطرة لتصور القوة العسكرية لعدد من الأسباب.

منذ فترة وأفكار ترامب المتضاربة عن القوة العسكرية جلية. من ناحية فقد وعد عند توليه المنصب بعملية "إعادة بناء كبيرة" للجيش، موقعًا على قرار تنفيذي لهذا الغرض في البنتاغون، ومن ناحية أخرى، شكا أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الدفاع عن حلفائها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وفقا لترامب، يجب أن ينفرد هؤلاء الحلفاء بتدبير مصالحهم، حتى إلى درجة السعي وراء امتلاك ترساناتهم النووية الخاصة.

رفض الرئيس ترامب إلغاء الضمانات الأمنية الأمريكية، لكنه انتقد حلفاء الولايات المتحدة بشكل مستمر بسبب إنفاقهم القليل في مجال الدفاع -آخر هذا النقد كان في قمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل الشهر الماضي- حيث شكك في الهدف من هذا التحالف.

في المقابل، إن لم يعد للولايات المتحدة حلفاء تدافع عنهم، فلن يكون لديها سبب يُفسر المبالغ الضخمة التي تنفقها على الدفاع. في حين قامت الولايات المتحدة بالكثير من "التدخلات الاختيارية" المكلفة –والعبارة مُقتبسة من العالمين السياسيين ستيفن بروكس وويليام وولفورث-. فالجزء الأكبر من المتطلبات التي تقتضيها بنية قوتها العسكرية هي نتاج الضمانات الأمنية التي تمنحها.

وكما يلاحظ العالم السياسي باري بوزن، فإن سبب كون الدفاع الوطني الأمريكي مكلفًا للغاية هو أن الحروب الأمريكية -بحكم الضرورة- "مبارايات خارجية". إظهار القوة العسكرية خلال مسافات كبيرة عابرة للمحيطات للدفاع عن حلفاء، هو أمر باهظ التكلفة. ولذلك، إذا كان الرئيس مهتمًا بتكلفة الدفاع الوطني الأمريكي، عليه ألا يدعو فقط إلى سياسة التقشف ولكن إلى خفض الإنفاق على الدفاع كذلك. إذا كانت التدريبات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية مكلفة للغاية، ينبغي عليه إذًا أن يلغي العرض العسكري أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: "زحف العلم الأمريكي".. كيف تتدخل واشنطن في انتخابات العالم لبسط نفوذها؟

لكن العرض العسكري والمستويات العالية من الإنفاق الدفاعي تتلاءم تمامًا مع مفهوم الرئيس ترامب الرمزي للقوة العسكرية. حتى قبل رئاسته، كان ترامب يوضح دائمًا أن ما يهمه أكثر هو انطباع القوة. في مقابلة أجريت عام 1990 مع مجلة بلاي بوي، أوضح ترامب كيف سينظر إلى القوة العسكرية إذا صار رئيسًا، ولم يكن للأمر علاقة بمتطلبات مهمة القوات العسكرية حيث قال عن نفسه إنه "سيكون مؤمنًا بشدة بالقوة العسكرية المفرطة.. ستكون لديه ترسانة عسكرية ضخمة، يصقلها، ويفهمها". وادعى في الوقت نفسه أن حلفاء أمريكا هم السبب في تمزقها، مشيرًا إلى أن الترسانة "الضخمة" التي سيشرف عليها لن تكون في خدمة الضمانات الأمنية لحلفائه، والتي تعد السبب الرئيسي وراء زيادة مستوى الإنفاق الدفاعي في أمريكا مقارنة ببقية العالم.

منذ تنصيبه، لم يتغير شيء في وجهة نظر ترامب تجاه السلطة العسكرية. وبالإضافة إلى تفاخره بحجم ميزانية الدفاع، عيّن الرئيس جنرالات متقاعدين وفي الخدمة في مناصب هامة في إدارته لأنهم كانوا "آتين مباشرة من الطاقم المركزي" أي أنهم أقوياء. وكان دائمًا ما يشير إلى وزير الدفاع -الجنرال المتقاعد من مشاة البحرية الأمريكية- جيمس ماتيس "بالكلب الغاضب" (وهو لقب أفادت التقارير بأن ماتيس يمقته). وإلى جانب روتينه في التباهي بحجم ميزانية الدفاع، تفاخر ترامب في تغريدة على موقع تويتر في بداية رئاسته بكون الترسانة النووية الأمريكية أقوى من أي وقت مضى، على الرغم من عدم حدوث أي تغيير واحد فيها.

من السهل تجاهل مثل هذه التصريحات واعتبارها مجرد أسلوب استعراضي خاص بترامب، ولكن مع ذلك،  تبقى تلك طريقة خطرة في النظر إلى الجيش، لأربعة أسباب على الأقل.

إن زيادة ترامب لميزانية الدفاع بمعزلٍ عن الاعتبارات الاستراتيجية تشكل تحديات مالية واقتصادية

أولًا، إنه استفزاز بلا داعٍ. إن رغبة الرئيس في التحدث بصوت عالٍ والتلويح بالقوة، يقلق بالضرورة الخصوم المحتملين والحلفاء الأمريكيين على حد سواء، بشأن الطريقة التي ينوي بها استخدام تلك القوة. وقد أدى حديثه عن "النيران والغضب" ردًا على التجارب النووية والصاروخية الكورية الشمالية إلى تفاقم أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية دون أي مبرر. إن حقيقة امتلاكه للقوة العسكرية (بما في ذلك السلطة الأحادية بشكل أو بآخر على الترسانة النووية الأمريكية) اللازمة لدعم مثل هذا الخطاب، إلى جانب ميل الرئيس ترامب إلى كيل الشتائم الشخصية لخصومه، يزيد من احتمال خروج الأزمة عن السيطرة.

ثانيًا، رؤية الجيش كرمز، يفصل القوة العسكرية عن غرضها الأساسي. تحتاج الولايات المتحدة إلى ميزانية عسكرية كبيرة اليوم لأنها تدافع عن حلفائها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. هناك جدل حول قيمة هذه الالتزامات. لكن بدونها، تختفي الحاجة إلى الاحتفاظ بجيش كبير قادر على إبراز القوة حول العالم، والمستويات العالية من الإنفاق الدفاعي الذي يتطلبه.

القوة العسكرية، كما قال كلاوسفيتز، من المفترض أن تكون أداة لسياسة الدولة. الهدف السياسي من الحرب يضع قيودًا على استخدام القوة العسكرية ويفرض العقلانية عليها. وفصل القوة العسكرية عن غرضها العقلاني يوحي بأنه لا توجد حدود لاستخدامها. القوات العسكرية لا تُنشأ للعمل من أجل مصالحها الخاصة. إنها وسيلة لتحقيق غايات سياسية. في حين أن هذه الغايات يمكن أن تتغير وتختلف من حيث ضرورتها وجدواها (معظمها تتعلق بتواتر "التدخلات الاختيارية" المذكورة أعلاه)، إلا أن الغايات السياسية الأساسية للاستراتيجية الأمريكية الكبرى منذ عام 1945 كانت تمنع العدوان وتطمئن الحلفاء في أوروبا وآسيا و الشرق الأوسط.

ثالثًا، الزيادة في الإنفاق الدفاعي الذي يكمن وراء تفاخر ترامب، هي مشكلة مالية، ومن المحتمل أن تكون خطيرة من الناحية الاقتصادية. الولايات المتحدة تحمل بالفعل مبالغ كبيرة من الديون، والتي سترفعها مشاريع مكتب الموازنة في الكونغرس إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد المقبل، وعلى افتراض أن السماح بتخفيض الضرائب الذي تم تمريره مؤخرًا، سينتهي في 2026، سترتفع إلى 152% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2048. علاوة على ذلك، يشير بحث العالِم السياسي توماس أوتلي إلى أن الزيادات في الإنفاق العسكري التي تمولها الديون يمكن أن تؤدي إلى دورات ازدهار وكساد لأنها بمثابة شكل من أشكال التحفيز الاقتصادي.

أخيرًا، إن فهم ترامب الرمزي للقوة العسكرية يضر بالعلاقات المدنية-العسكرية الأمريكية. إن نظر الرئيس إلى الجيش نظرة رمزية يقوده إلى تسييسه بشكل منتظم. فهو يستخدم صيغة الملكية باستمرار "جنرالاتي" و "جيشي" عند الإشارة إليه، ووصل به الحال إلى استغلال تكليف حاملة الطائرات USG Gerald R. Ford لتشجيع البحارة لدعم أجندة حزبية.

تحتاج الولايات المتحدة إلى ميزانية عسكرية كبيرة اليوم لأنها تدافع عن حلفائها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. هناك جدل حول قيمة هذه الالتزامات. لكن بدونها، تختفي الحاجة إلى الاحتفاظ بجيش كبير

يُعدّ وجود جيش غير سياسي من زاوية السياسات الحزبية ضروريًا لعدة أسباب، وكما قد أوضحت أليس هانت فريند، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، فإن وجود جيش يدين بالولاء لأجندة حزبية قد يُثير تساؤلات حول الانتقال السلمي للسلطة وقدرة حزب معارض على فرض سيطرته عليه بمجرد توليه السلطة.

ووفقًا لفريند، فإن المخاوف الحزبية إزاء وجود جيش مُسيَّس يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تباينٍ في كيفية التعاطي مع الجيش -فيما يتعلق بالتمويل والاستخدام- على حسب من هو في السلطة. أضف إلى ذلك، أن هناك خطرًا على القيم المجتمعية في ظل ديمقراطية ليبرالية، نظرًا إلى شعبية الجيش كمؤسسة، حينما يكون مرتبطًا بحزبٍ أو زعيمٍ سياسيٍ معين -بدلًا من ارتباطه بالدستور والمسؤولين المدنيين المنتخبين بشكل عام- ويمكن استخدامه لنزع الشرعية عن المعارضة.

إلا أن هناك حافزًا ضئيلًا بالنسبة للقادة العسكريين أو أعضاء الكونغرس من أجل مقاومة الرئيس والتصدي له في هذه القضية. تؤدي كل من الحيثيات الاستراتيجية والإكليريكيَّة دورًا في قبولهم الضمني. بالنسبة إلى الأولى، فإن ميزانيات الدفاع المتزايدة التي تقوم عليها مفاخر ترامب حول الجيش، تخدم استراتيجية لا يزال كلٌ من مسؤولي الدفاع المدني والقادة العسكريين ملتزمين بها، والتي تشمل استعدادات للدفاع عن الحلفاء الأمريكيين، بالإضافة إلى تواصل العمليات الجارية في أفغانستان وأي أماكن أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: قنبلة كل 12 دقيقة.. إمبريالية ترامب تتفوق على أسلافه

بالإضافة إلى ذلك، فإن رؤساء الأجهزة البيروقراطية يفضلون بشكل عام الزيادات في الميزانية؛ خاصة عندما يكون النشاط باهظ التكلفة وغير مؤكد كما في حالة التأهب العسكري. وبالنسبة للأخيرة، يظل صقور الدفاع "مؤيدو الصراعات العسكرية" أيضًا ملتزمين باستراتيجية أمريكا التقليدية، في حين يمكن للمشرعين الأقل عدائيةً وتشددًا الاستفادة من زيادة الإنفاق الدفاعي، وذلك إذا كان الإنتاج الدفاعي يوفر فرص عمل في ولاياتهم ومقاطعاتهم. وفي حال لم يكن ذلك كافيًا، فإن حزب الرئيس يسيطر على مجلسي الكونغرس، حتى لو لم يبن الجمهوريون سمعتهم على مدى العقود العديدة الماضية على كونهم مدافعين عن الجيش الأمريكي، فمن غير المحتمل أن يسعوا بنشاطٍ إلى تقويض لقائد أعلى من جانب حزبهم.

حتى الآن، أظهر ترامب ميلًا إلى التهديد والوعيد -ولكنه غالبًا ما يتراجع عنه- على الساحة الدولية. ومع ذلك، فإن رغبته المستمرة للظهور بمظهر القوة عبر التفاخر، سيجعل من المرجح أن يستمر هذا النوع من الاستفزازات الذي نوقش أعلاه. وبالنظر إلى وجود بؤر توتر محتملة في سوريا، وأوروبا الشرقية وغرب المحيط الهادئ، فإنه تتزايد احتمالات إلقاء ترامب للخطب البلاغية التي تؤدي إلى التصورات الخاطئة حول نواياه الفعلية والتي تعمل على تصعيد الأزمة (حينما يقرر خصم ما اتخاذ إجراءً بدلًا من أن يترك نفسه عرضة للهجوم).

علاوة على ذلك، فإن زيادة ميزانية الدفاع بمعزلٍ عن الاعتبارات الاستراتيجية تشكل تحديات مالية واقتصادية، في حين أن مواصلة تَسيِيس الجيش تشكل اقتراحًا خطيرًا بالنسبة إلى السياسة الأمريكية.
هناك مناظرات عقلانية -وضرورية- ينبغي أن تدور حول الهدف السياسي من الجهاز العسكري الأمريكي. ينبغي أن يُفهم أن الجيش الأمريكي هو مؤسسة وجهاز -بدلًا من كونه رمزًا- ليس موضع نقاش. وأن يتم التعاطي معه بشكل رمزي، فإن هذا يعني الترحيب بالأخطار من الخارج والداخل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

9 حقائق هامة ينبغي ألا ننساها عن الغزو الأمريكي للعراق

أين اختفت حركات مناهضة الحرب في الولايات المتحدة؟