ترامب لم يستخلص درس "أفوينه"
9 ابريل 2026
في خروج مدهش – من حيث افتقاده للمنطق – يتّهم نائب الرّئيس الأميركيّ، جي دي فانس، إيران بـ"سوء النّيّة" في تعاملها مع بنود ترتيبات وقف إطلاق النّار. المدهش في هذا التّصريح أنّ الولايات المتّحدة كانت تعهّدت للجانب الإيرانيّ، نهاية شباط/ فبراير الماضي، باستئناف المباحثات في جنيف، قبل أن تشنّ حربها، بمساعدة – أو تحريض – من إسرائيل. وهو السّيناريو ذاته الذي شهدناه في تمّوز/ يونيو من العام الماضي، فيما بات يُعرف بـ"حرب الاثني عشر يومًا".
المزاج الرّسميّ في واشنطن تغلب عليه حالة من الانتشاء بما تراه إدارة الرّئيس دونالد ترامب، في العلن على الأقلّ ، "نصرًا كاملًا" على إيران، أهمّ معالمه إعادة فتح مضيق هرمز، الّذي كان مفتوحًا قبل الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة.
ولم تنتبه واشنطن إلى أنّ المضيق نفسه هو أخطر سلاح تُمسك به طهران، حتّى على افتراض أنّ الإيرانيّين كانوا يمتلكون، بالفعل، سلاحًا نوويًّا. فجيوسياسة المنطقة تشكّلت، من حيث الأولويّات، ومنذ الحرب العالميّة الأولى، حول ضلع رئيسيّ، هو الإطلال على الممرّات المائيّة الرّئيسيّة، وهي قناة السّويس ومضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب ومضيق هرمز، وبشكل أقلّ أهمّيّة خليج العقبة. أضيف إلى هذا الضّلع، لاحقًا، مدى القُرب من دول الخليج وإيران، الغنيّة بالنّفط، والاشتراك في حدود مع فلسطين، غداة إنشاء إسرائيل.
ولعلّ أهمّ من يُؤصّل لهذه المعادلة هو المؤرّخ البريطانيّ، جيمس بار، في كتابيه المشوّقين، "خطّ في الرّمال" و"سادة الصّحراء". في مؤلّفه الأوّل، يُلاحق بار الصّراع بين الفرنسيّين والبريطانيّين في المنطقة، انطلاقًا من اتّفاقيّات سايكس بيكو. أمّا في الثّاني، فيتطرّق إلى اللّاعب الأميركيّ الجديد، في أعقاب نهاية الحرب العالميّة الثّانية، والّذي أنهى تعاظم الدّور البريطانيّ في الشّرق الأوسط، بعد خروج فرنسا من دائرة المنافسة.
لكن، لم يجُل بخاطر إدارة ترامب أنّ جيوسياسة المنطقة، وإن باتت شبه مستقرّة، منذ نهاية أربعينيّات القرن الماضي، على الأقلّ فيما يتعلّق بتحديد المصالح، من وجهة نظر غربيّة، منحت دولها وما دون دولها – الّتي يُسمّيها البعض ميليشيّات أو وُكلاء – أسلحة طبيعيّة فتّاكة من شأنها أن تهزّ العالم، في حال استخدامها.
لا يعني سقوط النّظام الإيرانيّ الحاليّ بالضّرورة نهاية العِداء الإيرانيّ للغرب، وللولايات المتّحدة تحديدًا
كانت البداية من قرارات التّأميم، انطلاقًا من النّفط في إيران، سنة 1951، مرورًا بقناة السّويس، سنة 1956، وُصولًا إلى استخدام النّفط نفسه سلاحًا، حين قرّرت دول الخليج، سنة 1973، وقف إمداد الدّول الغربيّة، وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة، بالذّهب الأسود، على خلفيّة دعمها إسرائيل في حرب أكتوبر من تلك السّنة.
لكنّ الأمثلة الأقرب إلينا تقف وراءها ما سمّيتُها أعلاه بما دون الدّولة. ففي الفترة الفاصلة بين عامي 2005 و2012، كبّد القراصنة الصّوماليّون الاقتصاد العالميّ خسائر فادحة، قدّرتها مؤسّسة "مستقبل أرض واحدة" بما بين 7 مليارات إلى 12 مليار دولار سنويّا، في تلك الفترة، إذ أدّت الهجمات المتكرّرة على السّفن إلى تعطيل حركة الملاحة بخليج عدن ومضيق باب المندب، ممّا عجّل بزيادات هائلة في كلفة الشّحن والتّأمين، إلى جانب عسكرة البحر الأحمر والمحيط الهنديّ بتسيير دوريّات دفاعيّة مشتركة، من السّواحل اليمنيّة إلى غاية سيشيل. ولم تخفت وتيرة القرصنة الصّوماليّة إلّا باعتقال أحد أهمّ رموزها، محمّد عبدي حسن، المعروف بـ"أفوينه"، عام 2013 ببلجيكا.
وأصاب الحوثيّون، بدورهم، حركة الملاحة الدّوليّة بالشّلل، في غمرة الإبادة الإسرائيليّة – المستمرّة – في قطاع غزّة، حين استولوا، في تشرين الثّاني/نوفمبر 2023، على سفينة "غالاكسي ليدر" اليابانيّة، وكان على متنها طاقم بريطانيّ. وسارعت كبرى شركات الشّحن البحريّ الدّوليّة إلى إيقاف عمليّاتها عبر البحر الأحمر، لتلجأ إلى طريق أطول يمرّ عبر جنوب أفريقيا، بينما تراجع نشاط موانئ حوض المتوسّط، كبورسعيد المصريّ بنسبة 51%، ومارسيليا الفرنسيّ، بنسبة 23%، وميرسين التّركيّ بنسبة 72%.
وذهب الحوثيّون إلى حدّ التّهديد بقطع الاتّصالات، إذ يمرّ نحو عشرين كابلا لتبادل المعلومات والانترنت قبالة السّواحل اليمنيّة.
ولسائل أن يسأل، هنا: ألا يمكن أن يؤدّي تغيير النّظام الإيرانيّ إلى تّخلّي طهران عن استخدام مُقدّرات الدّولة كسِلاح؟ الإجابة، في الحالة الإيرانيّة، تحديدًا، لا تحتمل التّخمين، إذ لدينا شاهد هامّ في التّاريخ: أطاحت "عمليّة أجاكس" المشتركة بين بريطانيا والولايات المتّحدة بحكومة محمّد مصدّق، بالفعل، بعد عامين من تأميمها النّفط الإيرانيّ، ونجحت في تثبيت نظام محمّد رضا بهلويّ كراعٍ للمصالح الغربيّة في البلاد. لكنّ التّجربة لم تدم سوى 26 عامًا، وهو عمر قصير لنظام سياسيّ، إذ سقط الشّاه ليخلفه نظام أكثر تشدّدًا من حكومة مصدّق. بعبارة أخرى، لا يعني سقوط النّظام الإيرانيّ الحاليّ بالضّرورة نهاية العِداء الإيرانيّ للغرب، وللولايات المتّحدة تحديدًا.
ولعلّ الحرب الحالية قد تأتي بنتائج عكسيّة، مثلما كتب الخبير في الشّأن الإيرانيّ بالمجلس الأطلسيّ، نيت سوانسون، في مجلّة "فورين أفيرز" ليقول إنّ "المفارقة المريرة هي أنّ النّهج الأميركيّ الإسرائيليّ منح خامنئي موتًا كشهيد، وهي هديّة للنّظام، بشكل صرف الانتباه عن إخفاقات الجمهورية الإسلاميّة".
ويُحذّر أستاذ العلوم السّياسيّة الأميركيّ المرموق، جون ميرشايمر، من أنّه من الغباء أن يكون ملفّ الشّرق الأوسط بيد جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، المرتبطَين بشكل عضويّ بإسرائيل.
لكنّ الأخطر من ذلك، هو ما أشار إليه الخبير في شؤون المنطقة، مارك لينش، في كتابه الجديد "الشّرق الأوسط الأميركيّ: تخريب منطقة"، من أنّ المشكل الجوهريّ يتمثّل في عدم رغبة الولايات المتّحدة الإقرار بأنّ سكّان المنطقة هم بشر. وتصديقًا لكلام لينش، فإنّ الإدارات الأميركيّة المتعاقبة، عمومًا، وإدارة ترامب، بالخصوص، أدارت ظهرها لحقيقة أنّ ثمّة مجتمعات متحرّكة، تغضب، حينًا، وتهدأ، حينًا آخر، تخضع للدّيكتاتوريّات المدعومة أميركيّا، في كثير من الأحيان، وتنتفض، في أحيان أخرى. وتلك تحوّلات لا يُمكن أن تُحدّدها كتب التّاريخ والجيوسياسة بدِقّة، أو تتوقّعها، مثلما حصل في إيران، عام 1979.
المؤكّد أنّ ترامب، وقد قرّر، خلال ولايته الأولى، الانسحاب من الاتّفاق النوويّ مع إيران، وهو ماضٍ، اليوم، في عدائه معها، في ولايته الثّانية شديدة الاضطراب، لم يطّلع على مؤلّفي جيمس بار. وعلى الأرجح أنّه لن يقتني كتاب لينش. بل الأخطر من ذلك، أنّه لم يستخلص درس القرصان الصّوماليّ "أفوينه".