ترامب في إيران.. الحرب بلا تبعات
2 مارس 2026
اعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسلوبًا تواصليًا مختلفًا عن أسلافه في تسويق العمل العسكري ضد إيران للرأي العام الأميركي، ساعيًا إلى تجنّب تحمّل المسؤولية الكاملة عنه.
في هذا السياق، تقول صحيفة "واشنطن بوست" إن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش ألقى خطابًا رسميًا "مهيبًا" حين أعلن القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، من غرفة مجلس الوزراء في البيت الأبيض. وعندما أعلن باراك أوباما مقتل أسامة بن لادن، خاطب الأميركيين أمام الكاميرات. أما ترامب، فبعد الضربة التي أدت إلى مقتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، فقد اختار نشر إعلان مكتوب عبر منصته "تروث سوشيال".
خلال خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في الكونغرس، كرّس ترامب ثلاث دقائق فقط من أصل 108 دقائق للحديث عن إيران، واكتفى بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقطعين مصوّرين في منتجعه "مار-آ-لاغو"، من دون أي ظهور علني منذ التجمع الانتخابي الذي أُقيم الجمعة في مدينة كوربوس كريستي بولاية تكساس.
يرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية قد تمنحه هامشًا أوسع من المناورة السياسية في الأيام والأسابيع المقبلة، وتجنّبه الوقوع في ما يُعرف بـ"قاعدة بوتري بارن" (Pottery Barn Rule)؛ وهي العبارة التي نُقلت عن وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول حين حذّر الرئيس جورج دبليو بوش قبل غزو العراق عام 2003، قائلًا: "إذا كسرته، فأنت تمتلكه "، في إشارة إلى أن من يتسبب في تدمير أو زعزعة استقرار دولة، يتحمل مسؤولية إعادة بنائها وإدارتها.
خلال خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في الكونغرس، كرّس ترامب ثلاث دقائق فقط من أصل 108 دقائق للحديث عن إيران، واكتفى بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقطعين مصوّرين
منذ البداية، حرص ترامب على وضع حدود واضحة للهجوم، معلنًا رغبته في إسقاط النظام الإيراني، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الإيرانيين هم من يجب أن "يغتنموا الفرصة لكتابة فصلهم المقبل". واستراتيجية التواصل هذه عززت تلك الحدود عبر خلق مسافة، ولو رمزية، بين الرئيس والعمليات القتالية.
في المقابل، استخدم ترامب خطابًا مطوّلًا وعالي النبرة لتبرير تدخله، مستحضرًا مبررات تدخلات أميركية سابقة في الشرق الأوسط. ففي مقطع فيديو مدته ست دقائق نشره الأحد، قال: "لقد شنّوا حربًا ضد الحضارة نفسها"، مضيفًا أن العملية "لا تهدف فقط إلى ضمان أمننا اليوم، بل إلى حماية أطفالنا وأحفادنا، كما فعل أسلافنا".
وكان ذلك أول ظهور مصوّر له بعد نحو 24 ساعة من إعلانه المكتوب عن مقتل خامنئي. وأضاف في الفيديو: "أدعو جميع الوطنيين الإيرانيين الذين يتوقون إلى الحرية إلى اغتنام هذه اللحظة والتحلي بالشجاعة. لقد وعدتكم، ووفيت بوعدي. والباقي متروك لكم، لكننا سنكون هناك للمساعدة".
تعريف مرن للنصر
خبراء في شؤون الشرق الأوسط اعتبروا أن استراتيجية ترامب قد تكون ناجحة سياسيًا، إذ تجمع بين نهج يعتمد على الضربات الجوية فقط وتعريف مرن لما يُعدّ نصرًا.
وقال آرون ديفيد ميلر، الذي عمل مستشارًا لإدارات ديمقراطية وجمهورية، لصحيفة "واشنطن بوست" إن الولايات المتحدة "تتحكم بوتيرة التصعيد وشدته"، ما يمنحها قدرة على التصعيد متى شاءت ومنع إيران من التصعيد.
أما ريتشارد هاس، الذي شغل منصب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية خلال التحضير لغزو العراق عام 2003، فرأى أن ترامب "يدعو إلى تغيير النظام، لكنه لا يتحمل مسؤوليته"، مضيفًا أن ذلك يمنحه مخرجًا سياسيًا: "إذا حدث التغيير يُنسب إليه الفضل، وإن لم يحدث لا يتحمل اللوم".
مخاطر محتملة
مع ذلك، قد يتحول هذا النوع من الخطاب إلى عبء سياسي إذا ساءت الأوضاع، خصوصًا في حال ارتفاع عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية، الأحد، مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة خلال العملية، في أول خسائر معلنة ضمن هذه الحملة.
وأقرّ ترامب في الفيديو بإمكانية تصاعد الكلفة البشرية، قائلًا: "للأسف، سيكون هناك على الأرجح المزيد قبل أن ينتهي الأمر. هكذا تسير الأمور".
في المقابل، دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت عن طريقة إدارة الملف، مؤكدة أن "السرية العملياتية والأمن هما الأولوية الأولى للرئيس". وأوضحت أن الإعلان الأول عن مقتل خامنئي صدر في بيان مكتوب لأن ترامب كان "منشغلًا طوال اليوم في غرفة العمليات، يتابع التطورات ويتواصل مع الحلفاء".
تساؤلات قانونية واستخباراتية
أشار التقرير إلى أن الإدارة كانت غامضة بشأن مبررات الهجوم، بما في ذلك في الإحاطات السرية المقدمة لأعضاء الكونغرس. ووفقًا لأشخاص حضروا جلسة مغلقة، لم تقدم الإدارة معلومات استخباراتية واضحة عن تهديد وشيك يبرر ضربة استباقية.
وذكر أحد المسؤولين في الإحاطة أن إيران كانت تستعد للرد، لكن هذا لا يرقى بالضرورة إلى المعايير القانونية التقليدية لشن هجوم استباقي أو استهداف القيادة السياسية والعسكرية لدولة أخرى. كما أشار مسؤولون أميركيون إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وهو ما لا يشكل عادة مبررًا قانونيًا كافيًا لهجوم عسكري وفق القانون الدولي.
مساءلة أمام الكونغرس
بينما يسعى الديمقراطيون لاستعادة الأغلبية في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر النصفية، بدأوا في وضع خطة هجومية لمساءلة إدارة ترامب خلال العام المقبل، تشمل استخدام صلاحيات الاستدعاء لإجباره على الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس.
وبعد الهجوم العسكري الواسع على إيران وبرامجها الصاروخية والنووية، أعرب قادة الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة عن اهتمام متزايد بالتحقيق في القرارات العسكرية لترامب. وقال النائب الديمقراطي آدم سميث (واشنطن)، في اللجنة: "القائمة طويلة، وأعترف أنني لم أدوّن كل شيء بعد، فهي تتوسع أسبوعيًا وأحيانًا يوميًا، لكنها بالتأكيد ضخمة".
ريتشارد هاس: ترامب "يدعو إلى تغيير النظام، لكنه لا يتحمل مسؤوليته"، مضيفًا أن ذلك يمنحه مخرجًا سياسيًا: "إذا حدث التغيير يُنسب إليه الفضل، وإن لم يحدث لا يتحمل اللوم"
رهانات سياسية داخلية
سياسيًا، قد يواجه ترامب تحديًا في إقناع قاعدته الشعبية، التي انتخبته على خلفية رفض الحروب الأميركية الطويلة في الشرق الأوسط. وأظهر استطلاع لـ"واشنطن بوست" أن 46% من ناخبي ترامب يؤيدون استخدام القوة لفرض تغييرات في دول أخرى، مقابل 22% يعارضون ذلك و30% بلا رأي.
في المقابل، دافع الجمهوريون عن قرارات ترامب. وقال السناتور توم كوتون إن خطاب ترامب المصور "كان ممتازًا".
وأشار مسؤول كبير في البيت الأبيض إلى أن عدم ظهور كبار مسؤولي الإدارة في البرامج التلفزيونية الأحد لم يكن محاولة للنأي بالنفس عن الحرب، بل بسبب انشغالهم بمتابعة العمليات العسكرية من غرفة العمليات.
وفي ختام التقرير، قال إليوت أبرامز، الذي عمل في ملفات إيران خلال إدارة ترامب الأولى، إن الحكم على نجاح العملية قد يستغرق وقتًا أطول من مدة القصف نفسها، مضيفًا: "إذا انتهت الحرب خلال أسبوع وبقي النظام، فمن المبكر القول إنها فشلت. وإذا سقط النظام بعد ستة أشهر أو عام، فسيُنظر إليها باعتبارها خطوة قربت ذلك كثيرًا، وربما تُعدّ نجاحًا كبيرًا".