تراكم السلطة في إعادة إنتاج واقعها

تراكم السلطة في إعادة إنتاج واقعها

السلطة للناس (stincelarchive)

يصعب أن تكون المصادفة سلسة إلى الحدود التي تجعل من الغليان الشعبي والانتفاض الجماهيري الموسع يتقاطع في أكثر من مرة عبر أكثر من بلد في المنطقة العربية وخارجها عبر العقد الثاني من الألفية الثانية. بالسؤال الأولي عن موجباتها، أو حتى عبر الاستطلاع السياحي لشعاراتها المكرسة، يمكن استفهام طبيعة هذا اللقاء الاحتجاجي وسببيته ضمن الظرفية المشتركة والخاصة معًا، بالابتعاد عن الرهان الصدفي.

الوضع القائم عربيًا، وحتى دوليًا صعب القبول والاستبطان كما هو قائم. خاصة أنه يمس الخبز في النواة. هنا تصبح مغامرة تفعيل أدوات الرفض والتوقيت والخطاب والحركات حاضرة بشكل أكثر جدية وتعقيدًا

لكن إن كان لدى "الرأي العام" أو التعبير الشعبي عن الحالة العامة من خلال الشوارع والميادين والتحرك فيها استدلالات تقود إلى فهم غائيته وآلياته، وإن أتى أوليًا رفقة ضرورة لفظ تلقف القولبة الإعلامية المفضوحة، فإن على الأقل في ساحة الممارسة الاحتجاجية طرف آخر، إن لم تكن دزينة من الأطراف، وفق كل حالة بمجمل خصوصياتها ونسبيتها. لتكون مساءلة طبيعتها وغائيتها رفقة آلياتها في موقع يحمل من الضرورة ما له أولوية في الاستفهام. إذ لا تتأتى هذه الأولوية الاستفهامية من خارج حظيرة الوضع القائم والموقف منه بالضرورة.

اقرأ/ي أيضًا: ضرورة سلامة كيلة.. براعة تخريب إشكالياتنا الرائجة

هذا كله في ظل إمكانية تجريدية متاحة للقول بشأن الوضع القائم عينه، بما فيه من استفزاز للموقف العام من طرف المنظومة ومجموعة/ مجموعات الحكم، نتيجة نهب واغتصاب ما يتعلق بـالحق العام من خبز وحقوق طبيعية ونمط عيش، إنه وضع يستدعي القلب في أغلب التقديرات.

قد لا يكون القلب الجذري للأمور، تدابير الثورة الراديكالية، أفضل الحلول والمسارات الاجتماعية السياسية دائمًا. لكن في ذات المستوى يتبين أن الوضع القائم صعب القبول والاستبطان كما هو قائم. بينما تخطر مغامرة الأدوات والتوقيت والخطاب والحركات بشكل أكثر جدية وتعقيدًا في لحظة تالية لفهم الوضع أو محاولة التكيف معه وبناء موقف ما منه بعد أن تم إنتاج وفهم الرفض أساسًا.

شروط الاشتباك.. مع الخصم والحكم!

مفترض أن لا يُسمح باستعمال القوة وفق إطار "عدم كسر" ، أو حظر خرق أو رجرجة منحنى قواعد الاشتباك إلا في ثلاث حالات. تبدأ بالدفاع عن النفس وإنقاذ وعرض المساعدة على أشخاص مهددين بخطر أو أخطار. لتأتي ثانيها لصالح نزاع مسلح دولي أو رد عدوان، فيما تنص ثالث حالات الاشتباك المصرح ضمن القواعد،عند منح  الإذن باستخدام القوة! لكن من يقول بالإذن، القرار لمن، ومن يمتلك تفعيله؟ ولماذا تخضع مقاومة القوة بالقوة للنقاش أساسًا؟

من يفرضون قواعد الاشتباك على غيرهم، ينكلون بالقواعد التي خطوها ضمن حفلة الاغتصاب المنهجية، ماديًا ثم معنويًا، سواء استعمارية أو استبدادية، ليتم تحويل المشاريع الرابحة إلى وضع قائم ضمن اختراع شرعية ما وحتى شعوب وقبائل ودول وكيانات وظيفية

كما ورد، نصت القواعد المذكورة بخصوص الاشتباك على عدم استهداف المدنيين والمستشفيات والمعابد والمؤسسات الوطنية، والمعالم التاريخية والثقافية، والمناطق المأهولة بالسكان المدنيين، إلا إذا كان العدو يستخدمها لأغراض عسكرية. فهل كان ملجأ العامرية في العراق مثلًا، منشأة فضاء نووية لما سحق النابالم الأميركي لحم الناس الحي؟  أو غزة، فيتنام،.. أم في عشرات ومئات المذابح التي أسالت دماء الناس من طرف هرم السلطة المحلي، بتدخل خارجي أو بدونه!

اقرأ/ي أيضًا: حوار | القائد الأدنى ماركوس.. أنا الهندي الأحمر

في حين منعت القواعد استهداف البنى التحتية والمرافق التجارية والاجتماعية والمواصلات، أذنت باستعمال القوة القاتلة للدفاع عن النفس أو الوحدة العسكرية مع "تقليل الأضرار". لكن القوة طالما استخدمت إلى أقصاها، بما تمثل ذلك في أفعال صنفت جرائم دولية وجرائم حقوق إنسان دفعتها المجتمعات قسرًا، بل أيضًا تسببت في إفناء البنى التحتية والمرافق الاجتماعية دون أي ضرورة خارج حظيرة التوحش، سواء كان نتاج شغل عقائدي أم وليد التراكم والغريزة.

 من بين ما يرد خطابيًا لكن لا يعول عليه عملياتيًا ضمن قواعد الاشتباك عينها، الكثير بخصوص الدفاع عن مدنيين موظفين في الهيئات الطبية المحلية والدولية أو الأمم المتحدة.

لكن إسرائيل مثًلأ في آواخر سنة 2018  قتلت الممرض والمناضل النقابي رمزي أبو يابس وهو على رأس عمله الطبي على خط الخليل - بيت لحم - القدس. ما هذه الحالة إلا ضمن قائمة بآلاف الجرائم بحق البنى التحتية الطبية والعاملين فيها منذ أن أتقن العالم البذخ في بناء مؤسسات دولية "غير حكومية" تراقب أوضاع الاشتباك وقواعده.

 ربما لم يعد من المهم ذكر أن من ممنوعات قواعد الاشتباك، الاستيلاء على ممتلكات المدنيين والتعامل معهم باحترام وتقديم المساعدة والدواء لهم إذا كانوا في وضع صعب.

تمامًا كما مر واشتغل قانون أملاك الغائبين مثلًا، بنسختيه، السورية والإسرائيلية! أو الأوامر القضائية المخابراتية بالاعتقال الإداري أو النفي والإقامة الجبرية وفق القانون البريطاني الموروث في أغلب مستعمراتها السابقة.

وعليه، يكون الخوض في مسألة الاشتباك، على ضروريتها سواء في سياق الاستبداد أو الاستعمار، أو اللجوء القسري إليه تحت وطأة الضرورة، بحاجة إلى الإجابة عن تساؤلات أولية قليلة. من بين ما تستدعيه هذه الحاجة، معرفة ماهية القواعد ومسار تحديدها منذ جذورها. كما الانتباه لما يمكن أن يفرض بقوة ما ضمن ظرفية ما من قواعد اشتباك جديدة، أو دون الاكتراث أساسًا لمسألة القواعد، إنما وضعها على هامش الفوز في الاشتباك وحصاده.

إذًا، رغم ابتذال العبارة وشيوعها، إلا أنها تأتي شارحة ضمن هذا السياق. "القواعد وضعت كي يتم خرقها عند اللزوم". بالتالي، لا يبدو أن خيارات كثيرة متوفرة سوى اقتران الرفض المادي بالرفض الرمزي/المعنوي/ الخطابي والعدلي لأي منظومة قسرية غير قائمة على خيار من تدعي تمثيل مصالحهم ورؤاهم. هذا أن أطراف الاشتباك متضادات متناقضة وليست جمعية أولمبية للتنمية الرياضية.

هنا من الجدير الانتباه لخطورة التلاعب الخطابي وإطلاق الترهات الشعبوية والديماغوغية  التي لم يطرأ عليها الكثير من التغيير الجذري منذ وصول رأس المال لطور السوق القومي والحدود الجمركية بالتالي حضور مفردات الوحدة القومية، التي استخدمت عربيًا في الغالب اصطلاحيًا لتوصف حالة الموطنية لا الوطنية بالضرورة ولا القومية بالاقتران الأوروبي.

على أي حال، ليس كل ما كرس أكاديميًا هو نافع بالضرورة، ولا وجوب لافتراش أحاديث الاستهلاك "الفكري"/ التثقيفي رفقة التلقين الدعائي. لكن مشكلة مثل هذه الظواهر، ومتطلبات كفاحها، أنها تستلزم فهم كافة مشاربها وارتباطاتها وتداعيتها وحبكاتها، ومصادر ربحها وقوتها، كذلك مكامن ضعفها. خاصة إذا كانت مثل هذه الجبهات أمام خصوم يستهلكون الكثير من الأدوات الإعلامية. صحيح أن كذب غوبلز وتلاعبه بالإيقاع اللغوي أمر مثبت. لكن كم يتم استحضاره اليوم أمام كذب ورثة نهجه البروباغندي ما بين آل كلينتون  وترامب وخلافهما وصولًا لزوكربيرغ وبينهم أكداس من الساسة والمتفوهين في الشأن العام محليًا ودوليًا.  لذلك، قبل الإقرار بأية قواعد للاشتباك، ينبغي فهم من يسعى إليها ولماذا وما الممكنات التي تتيحها لمختلف الأطراف.

حرب هجينة.. قواعد هجينة

الوضع القائم  اليوم يتمتع بخطورة عبقرية، إذ منذ نشأة السياسة بالمعنى الدولتي مع إمبراطورية الراحل ماركوس أوريليوس لم تكن تقنيات الضبط والسيطرة كما "المراقبة والمعاقبة" محكمة كما هي اليوم. رأس المال أيضًا، ومنظومات الفساد والقهر التي يحويها ويستجلبها لم تكن متمكنة وطاغية أكثر مما هي اليوم، ومما ستكون في الغد!

الغضب كما الطاقة لا يفنى ولا يستحدث، موجباته قائمة، والاستعداد الغريزي كذلك اتساقًا مع الفطرة السليمة

يبدو أن ليس فقط مشروع الدولة القومية التي تكون لمواطنيها كلهم الناشئة على تراكم الثورة الصناعية ونشوء القوميات الأوروبية والجولات الاستعمارية أصبح بحاجة للتفكير جديًا في واقعه ومصيره. بل أيضًا مستقبل الكوكب برمته.  لذلك ربما يتبدى أن الغضب كما الطاقة لا يفنى ولا يستحدث، موجباته قائمة، والاستعداد الغريزي كذلك اتساقًا مع الفطرة السليمة.

اقرأ/ي أيضًا: نكون الأغلبية.. أو لا نكون!

لكن وضع الربح الدائم هو ماحكم مسار تلبية طموح كثير من مجموعات الحكم في السلطة وخارجها، بكل إكراهاته إلا أن ربح ما ولو بالحدود الدنيا يجب أن يتوفر، وإن كان الهدف المركزي هو أقصى مستويات الربح، أي أعلى قيمة زائدة يمكن لرأسمال ان يراكمها.

تسعى مجموعات الحكم التي تمسك مراكمة القيمة الزائدة في السوق أن تمسك مراكمة السلطة وثقل أدواتها تمامًا. إلا أن هذا لا يتم إلا من خلال إعادة إنتاج واقعها، أي الواقع الذي تبتغي مجموعة الحكم انتزاع السلطة فيه. مثلما فعل الراحل جمال عبد الناصر حين أسس لأقوى وأوسع تنظيم سياسي حكم مصر الحديثة، أو البلاشفة أو الروكفيلرز،  من باب سرد الأمثلة العيانية.

إحدى الخلاصات الضرورية تختزل في  ضرورة نزع اللثام عن المؤسسات التي تدعي الحيادية والاستقلالية، وفاء للنهج الفوكوي المفيد، وهذا في سبيل إزالة النقاب عن العنف السياسي الذي مورس دومًا عبرها، أي مؤسسات السلطة وخدماتها للمجموعات الحاكمة ومنها البنوك، إن لم توصف أنها مكون أصيل في السلطة/وضعية الهيمنة القائمة أصلًا. بل أيضًا سحب البساط وتجريد هذه المؤسسات من إمكانيات التوحش وتسخيرها للصالح العام بأي ثمن.

هذا ومع الديموغرافيا النامية للمجتمعات لم يعد بالإمكان التهاون في مسائل الخدمات الاجتماعية والبنى التحتية العامة، التي طالما وقعت بين فكي الفساد والسياسات الجاهلة أو الخصخصة في أشنع مدياتها. هذه المؤسسات عينها  نصبت نفسها رقيبًا ولاعبًا في تشكيلة فريق الأخ الأكبر الأساسية. ليتم نهب الإنسان والتلاعب بمصيره وتجريده من الحق بتقريره عبر أساليب متداخلة ومنهجيات هجينة لا توفر أي طاقات من المال العام، المملوك لمن تقهرهم أساسًا، كي تحتال عليهم، وتلبسهم ثوبها.

من إحداثيات الخديعة الكبرى يكون الاعتقاد بألفة مؤسسات السلطة، التي تسخرها مجموعات الحكم والسيطرة أدوات نافعة في درب الربح الدائم، ما ظهر منها وما استتر. من بين أقذر ما ترتكبه أجمالًا هذه المؤسسات، واجبة التعرية، حروب الوصم والتشويه والشيطنة للتحركات والمطالبات الاجتماعية أينما حلت. وما القفزات الهائلة التي حققت لصالح الضبط والتحكم في الجمهور إلا حصيلة تجارب تراكمية عميقة في تجريم مطالبة الناس بعيش يستحقونه، أو ربما أفضل.

ليس من المستجد القول بأن أدوات السلطة المهيمنة ونخبها إنما تنظر إلى  الناس كونهم أشياء يشكل الخطاب مفتاح التلاعب بها وتحريكها كما المقتنيات الشخصية. من بين ما تحصده السلطة من هذه المنهجية  أنها تحاول تحريك الناس، حرفيًا، من الفضاءات العامة ومساحات الاجتماع والاحتجاج. أي أن من في السلطة يعتاد على ضرورة إقصاء خطاب الطبقات غير المهيمنة من المساحات العامة وحتى من العلن، فالمساحة الوحيدة المتاحة مكرسة لسردية السلطة في عرف أهلها.

لذلك قد تجد خطاب السلطة في حالة لجوء لكل الذرائع بسلطان ودونه، لكن ما يهمه ليس أبدًا نيل الحجة في المحاججة بالبرهان. بل الإغلاق التام للمجال العام على العناصر التي فعلتها السلطة فيه خطابيًا وعملياتيًا. فالسلطة، أو من يمسكون مفاصلها بالأحرى، في محاولة مراكمة مستمرة لممكنات القوة وتنويعات العنف، رمزيًا وماديًا. كذلك هم ذاتهم ضمن محاولة مراكمة أبشع، تتعلق بسحب مفاتيح السلطة أبدًا.

الخبز على طريق تقرير المصير

لتقرير المصير موقع مركزي في فهم أحوال الشعوب والمجتمعات والجماعات البشرية واجتماعها رفقة واقع الحق بتقرير المصير. في الوقت الذي يصطف حق تقرير المصير، شأنه شان الخبز ومجمل قضايا البشر، في خانة "قيد الانتظار والتحقق" أو قيد الانتهاك في مجمل الحال عربيًا.

من بديهيات أي مجموعة حكم في ممارسة قسرية السلطة أن تلجأ لحجم هائل من إعادة القولبة والهيكلة من طرف السلطة لذاتها وسوقها وما أمكن من واقعها، لإتاحة مراكمة الهيمنة إلى أقصاها

لكنه مسألة، أي حق تقرير المصير وإحقاقه، بل وتقرير المصير عينه، خاضعة للمساءلة والانتظار عربيًا. خاصة باتضاح أن للاستعمار يدًا أقل بكثير مما يتم تصوره عن تعطل حق تقرير المصير في أكثر من سياق عربي وغير عربي.

اقرأ/ي أيضًا: خوزقة السيادة الوطنية وهدر حق تقرير المصير

إذ عرفت حالة تقرير المصير رفقة دولة الاستقلال الوطني العربية بتنويعاتها وجغرافياتها الارتهان المعلن لطرف السلطة. هذا أن دولة الاستقلال عوضًا عن الإسهام في استكمال الانعتاق والتحرر، أتت بالعسكرة والأوليغارشية وبناء الجماعات المصلحية داخل تنظيم السلطة/الدولة وحوله.

لكن لا يمكن التسليم بمحلية هذه الحالة صرفًا بعيدًا عن دفع العامل الخارجي والجو الدولي للأمر كي يكون على هذا النحو. لتشجب "ديمقراطيات" النيوديل، بعضًا من جرائم ماضيها الاستعماري، لا كلها، في حين تستمر الهيمنة والاستفادة المتحققة لصالح بنى الهيمنة القديمة بموازاة خطاب التنصل من الماضي بل وإنكار مثالبه.

لتكن الجزائر واحدة من الأمثلة الأكثر بروزًا في المنطقة مؤخرًا، إذ بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال الوطني الجزائري، وقف، وما زال، قطاع وازن من الشارع أمام ما لم ينجز من سؤال الاستقلال نفسه ومشتقاته. أي أمام ما اجتمع عليه التصفيق لدولة الاستقلال الوطني عند تحصيلها. الدولة المدنية ومجتمع المواطنين والعدالة الاجتماعية بما تتضمن من ارتهانات آنية كالتشغيل والبطالة والتعليم وواقع عشرات الولايات البعيدة أو المتسبعدة من العاصمة الجزائر.

وهو تمامًا ما يهم المتظاهر العراقي الذي يحاول القول برفض المخرجات الفاشلة لدولة المحاصصة والديمقراطية المركبة عنوة بعد الغزو الأميركي والمطالبة بمشروع بناء دولة.

كذلك الحال عندما انتفض الشارع اللبناني على المجموعة الحاكمة والممارسات البنكية، ومجمل الحسبة الاقتصادية للوضع القائم أو المفروض لبنانيًا. إذ يقف، للملاحظ، في لبنان والعراق وغيرهما أيضًا، محدد أساسي من شأنه قول الكثير عن المديات الطويلة لحالتي الرفض، لكنه يتداخل ويقود إلى حلبة سؤال تقرير المصير حكمًا، ليكن من بين ما تسأل عنه الشوارع العربية المنفجرة ضد تغييبها الخبز، ثم الحرية واستحقاق العدالة الاجتماعية، بلزوم الديمقراطية ودونه.

 هذا في الوقت الذي يتم فيه حشر التفكير السائد في الاقتصاد اليوم، على مستوى أكاديمي وإعلامي، بالانشغال بالسوق أكثر من انشغاله بالاقتصاد الحقيقي القائم في مجريات الواقع وآليات عمله ومستويات هيمنته رفقة الرأسمالية كما هي موجودة في واقع الممارسة.

من هنا يصبح من اليسير تفكيك معظم النقاشات المطروحة على العموم بخصوص حقائق الخبز والمعاش اليومي للمجتمعات، لتليها أحاديث باقي الاستحقاقات الاقتصادية والحريات السياسية وشكل المنظومة السياسية في كل حالة ومستوى التكييف مع واقعها من عدمه.

هنا أيضًا يستوجب التنبه إلى أن الحالات التي تعثر السلطة على منغصات لجوها في الواقع الذي تضبطه وتهيمن عليه، فهي إنما تقوم بضخ كل طاقاتها لتحقيق انزياح في تلك المنغصات، لا يكون المعيار فيه المستوى الرضائي للشارع، بل ما يمكن للسلطة أن تجنيه من وراء هذا الانزياح، أي مستوى تحسين شروط الوجود ضمن هذا الواقع الذي تحققه السلطة عبر انزياحها/انزياحاتها. والتمثيلات العيانية وافرة على هذه الخدعة القديمة قدم احتكاك الإنسان بالسلطة!.

ليبقى الضياع  المفاهيمي والعملياتي بشأن تقرير المصير ومعه الاقتصاد، ومعهما الخبز في خدمة الأنكى، أي الحجم الهائل لإعادة القولبة والهيكلة من طرف السلطة لذاتها وسوقها وما أمكن من واقعها، بغية تحسين شروطه لإتاحة مزيد من تكثيف السلطة وتمكينها من مسك مفاصل واقعها أكثر. أي مراكمة الهيمنة إلى أقصاها.

ختامًا، لا يكون من المعقول التوقف عند حدود "أوتوبيا الغضب" أو في مرحلة تالية "أوتوبيا الرفض" الأتية أساسًا كتدبير/موقف مضاد من الواقع القائم، بكل ما فيه من ميكانزمات تتملكها السلطة لتعيد إنتاج نفسها وواقعها وتراكم مزيد من فائض القوة والعنف وتطور من أدواتها مراكمة بذلك سلطتها لا محالة. بل يفترض تكليل الغضب واستثماره بما يمكن تحقيقه في النزال مع السلطة. خاصة أنه غضب بموجبات غير آنية، بل استراتيجية، أن لم يتم القول وجودية، من مستوى الخبز والعمل والأمان.  

الانخراط الفعال في الشأن العام يكون عبر الفعل فيه  بأدوات قابلة للتفعيل والحصاد، فشرعية وطبيعية المطالب، وإن كانت بالخبز، لا تضمن لأي حركة احتجاج أي شيء دون الأدوات النافعة

لكن هذه مهمة، أي استثمار الغضب ليكون رفضًا واستثمار الرفض كي يمسي فعلًا تغيريًا، تستوجب التفريق بين ميل الفطرة السليمة وانسياقها لرومانسية العمل العام من موقع الأفراد، والانخراط بالشأن العام عبر امتلاك أدوات نافعة لهذا الانخراط وقابلة للتفعيل ضمنه.

اقرأ/ي أيضًا: مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

هنا تكون الإضاءة واجبة على النواحي التنظيمية القاصرة عربيًا، سواء في موجة انتفاضات 2011 أو في انتفاضات اليوم. حيث لا تكفي شرعية المطالب وأحقيتها، خاصة في حالة تكون ابنة السلطة أساسًا، فهي وليدة مصادرة المجال العام وأدواته، والهيمنة على الخطاب والممارسة فيه. بالتالي لم تتوفر أدوات قادرة على حمل الحراك الشعبي في أكثر من بلد. الأحزاب السياسية ليست بالحالة التي تسمح بالقول أنها أدوات سياسية بقدر ما هي أدوات سلطة، النقابات والبنى الاجتماعية، أهلية ومدنية، ليست بحال أفضل من الأحزاب السياسة، هذا إن وجدت أساسًا.

لذلك كله يكون على المتدخل في المجال العالم، من غير طرف السلطة، أن يراعي ما يقلل خسائره ويضمن له موقع تفاوضي مفيد أقله. بناء على إدراك واجب وأساسي بشأن مشروع السلطة في استمرار مراكمة هيمنتها ومشروع من يحكمون في مراكمة السلطة وإعادة إنتاج شروط الواقع باستمرار. لتكون المهمة الإنسانية الحقيقة بثوريتها متمثلة بتفكيك هذه الهيمنة ما أمكن، وفرض قواعد اشتباك مضادة.

هذا أنه عربيًا وكونيًا، تضيق حدود الاصطفافات والأدلجة والادعاءات لتحشر بين راديكالية رفض الوضع القائم وبين توحش الدفاع عنه، بغض النظر عن تداخل الأطراف يسارًا أو يمينًا أو ما يحزنون. الفرز الاكثر وضوحًا في الكوكب هو بين من يملكون ومن لا يملكون. أي في مرحلة من المراحل بين من يرسمون شروط الواقع وبين من يدفعون ثمن إعادة الترسيم باستمرار تراكمي.

ليمكن القول أخيرًا، أن مواجهة حالة عملاقة من الخديعة السلطوية لا تكون إلا بعدم التردد والتركيز والضرب الخاطف وتحقيق عنصر المفاجئة وبث الرعب وفرض السيطرة وإن اقتضت الضرورة فبالانسحاب على تنوع مستوياته، الإضرابية والعصيانية، عبر أدوات أفقية واضحة الأدوار والرهانات، وأدوات تناسب طبيعة الصراع أساسًا بفعاليتها وإمكانية الرهان عليها. لأنه، دون عملية ديناميكية مضادة للوضع القائم، بما فيه من تجويع وتقتيل واحتيال ومجمل ظواهره، عربية وغير عربية، يبقى الرفض في عداد الموقف الإعلامي والغضب "السوشال ميداوي"، إن لم يكن تعبيرًا عن نقوص عملياتي ويأس ممارساتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المانيفستو في ضيافة القرن 21

الدولة العميقة.. "مؤامرة" بلا متآمرين

الإمبريالية وسوق العالم.. الوحش الذي "يداعبنا