تراجع شعبية ترامب يكشف كلفة السياسة الخارجية على الداخل الأميركي
29 ابريل 2026
لم يعد تراجع شعبية دونالد ترامب مجرد رقم في استطلاع، بل بات انعكاسًا مباشرًا لتقاطع عاملين حاسمين: الحرب الخارجية والضغط الاقتصادي الداخلي. فوفق أحدث استطلاع أجرته "رويترز"/"إبسوس"، هبطت نسبة التأييد لترامب إلى 34%، وهو أدنى مستوى منذ عودته إلى البيت الأبيض، في مسار انحداري مستمر منذ بداية ولايته الثانية.
لا يمكن قراءة هذا التراجع بمعزل عن التحولات العميقة في المزاج الأميركي. فالأميركيون لا يكتفون بمعاقبة السياسات، بل يحاسبون أيضًا واقعهم المعيشي اليومي حين يتدهور؛ إذ يشعر 55% منهم بأن أوضاعهم المالية تسير نحو الأسوأ، وهو أسوأ مستوى يُسجَّل منذ 25 عامًا.
من “رئيس الاقتصاد” إلى عبء المعيشة
عاد ترامب إلى السلطة على وعدٍ محوري تمثل في خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للأميركيين. غير أن هذا الوعد سرعان ما تحوّل إلى نقطة ضعف سياسية بارزة، إذ لا تتجاوز نسبة الرضا عن أدائه في ملف تكاليف المعيشة 22%، وهو مستوى متدنٍ بشكل لافت مقارنة بكل مراحل مسيرته السياسية السابقة.
ويرتبط هذا التراجع بشكل مباشر بتداعيات الحرب على إيران، التي أحدثت صدمة قوية في سوق الطاقة. فقد قفزت أسعار البنزين بأكثر من 40%، ما انعكس سريعًا على كلفة النقل والغذاء والطاقة، أي على أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين الأميركيين.
عاد ترامب إلى السلطة على وعدٍ محوري تمثل في خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للأميركيين. غير أن هذا الوعد سرعان ما تحوّل إلى نقطة ضعف سياسية بارزة
وتكمن المفارقة في أن الرئيس الذي عاد إلى الحكم مستفيدًا من غضب الناخبين تجاه التضخم خلال عهد جو بايدن، يجد نفسه اليوم أمام أزمة اقتصادية مشابهة، لكنها تتفاقم في ظل حرب خارجية تجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا وامتدادًا.
حرب غير شعبية بلا أفق واضح
لم تكن الحروب يومًا رهانًا مضمونًا لتعزيز شعبية الرؤساء الأميركيين، غير أن حالة الحرب مع إيران تبدو أكثر تعقيدًا وتشابكًا من نماذج سابقة. فالتدخل العسكري، الذي انطلق بضربات مفاجئة بالتنسيق مع إسرائيل، لم ينجح في تثبيت مسار سياسي أو عسكري واضح، بل سرعان ما انزلق إلى نزاع مفتوح يفتقر إلى استراتيجية خروج محددة أو رؤية متماسكة لإدارة الصراع.
هذا الغموض الاستراتيجي انعكس مباشرة على الرأي العام الأميركي، الذي بدا منقسمًا وقلقًا في آن واحد. إذ لا تتجاوز نسبة التأييد للحرب نفسها نحو الثلث، في حين ترى شرائح واسعة من المواطنين أن كلفتها الاقتصادية تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية أو أمنية محتملة. ومع مرور الوقت، تحولت الحرب من ملف خارجي إلى عبء داخلي يثقل كاهل النقاش السياسي في واشنطن.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو 77% من الناخبين يحمّلون ترامب مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود، وهو ما يعكس ترابطًا مباشرًا في الوعي العام بين القرار العسكري وتدهور القدرة الشرائية. فالحرب لم تعد تُقرأ كصراع جيوسياسي بعيد، بل كعامل يومي ينعكس على أسعار الطاقة والتنقل والمعيشة.
وبهذا المعنى، لم يعد معيار تقييم الحرب مرتبطًا بنتائجها العسكرية أو بتوازناتها الإقليمية، بل أصبح يُقاس في نهاية المطاف عند مضخة الوقود، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى تكلفة مباشرة يتحملها المواطن الأميركي في حياته اليومية.
تشققات داخل القاعدة الجمهورية
رغم استمرار القاعدة الجمهورية في إظهار قدر معتبر من الولاء لترامب، حيث يعبّر نحو 78% من الجمهوريين عن دعمهم له، إلا أن مؤشرات التآكل بدأت تظهر تدريجيًا من داخل هذه القاعدة نفسها. فحوالي 41% من الجمهوريين باتوا غير راضين عن أدائه الاقتصادي، وهو تطور يحمل دلالة سياسية أعمق من مجرد تراجع في الأرقام.
هذا التحول يُعدّ مهمًا لأنه يكشف عن تغيّر نوعي في نمط المعارضة السياسية داخل الولايات المتحدة: فالمعارضة لترامب لم تعد حكرًا على الديمقراطيين، بل بدأت تتسلل إلى قاعدته التقليدية، تحديدًا عبر البوابة الأكثر حساسية سياسيًا، أي الملف الاقتصادي وتكاليف المعيشة.
في المقابل، يزداد وزن الناخبين المستقلين، الذين غالبًا ما يحسمون نتائج الانتخابات، في رسم ملامح المشهد الانتخابي المقبل، إذ تشير المعطيات إلى ميلهم المتزايد نحو الديمقراطيين بفارق ملحوظ. وهذا التحول في المزاج الانتخابي يعزز فرضية أن الأزمة الحالية قد لا تبقى في إطار تراجع شعبي فحسب، بل قد تتحول إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل موازين القوى خلال انتخابات الكونغرس المقبلة.
الاقتصاد العالمي يعمّق الأزمة في الداخل الأميركي
لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الداخل الأميركي، بل تمتد لتشمل النظام الاقتصادي العالمي برمته. فالحرب مع إيران أدت إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، في ظل تصاعد المخاوف من تهديدات قد تمسّ حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط العالمية. وقد انعكس هذا التوتر مباشرة على أسعار النفط الخام، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، مع تزايد القلق من انزلاق العالم نحو أزمة طاقة طويلة الأمد.
هذا الترابط الوثيق بين المحلي والعالمي يعيد تشكيل معادلة التأثير السياسي والاقتصادي داخل الولايات المتحدة. فأي تصعيد عسكري جديد لم يعد حدثًا خارجيًا معزولًا، بل يتحول سريعًا إلى ضغط اقتصادي داخلي ينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي المقابل، تبدو قدرة إدارة ترامب على ضبط هذا المسار محدودة، نظرًا لتداخل العوامل الجيوسياسية مع ديناميات السوق العالمية.
وبذلك، تصبح شعبية ترامب مرهونة بعوامل تتجاوز القرار السياسي المباشر، لتخضع أيضًا لتقلبات أسواق النفط العالمية، حيث يتحول الاقتصاد الدولي إلى عنصر حاسم في تحديد المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة.
بين كلفة الحرب وضغط المعيشة
ما يجري اليوم يعكس تحولًا جوهريًا في موازين الحكم داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد الأداء السياسي أو الإنجاز العسكري وحدهما كافيين لتشكيل الرأي العام، بل أصبحت التجربة المعيشية اليومية للمواطن هي المعيار الأكثر تأثيرًا. في هذا السياق، ساهمت الحرب في الضغط على الاقتصاد، ما انعكس بدوره على تراجع شعبية الإدارة، في حلقة مترابطة قد تمتد آثارها إلى الخريطة السياسية المقبلة. وعليه، يبدو تراجع شعبية ترامب أقل ارتباطًا بحدث عابر، وأكثر تعبيرًا عن اهتزاز نموذج "الرئيس القوي خارجيًا" حين يصطدم بواقع داخلي اقتصادي واجتماعي غير مستقر.