تراجع النزوح الناتج عن الكوارث الطبيعية في السودان وسط أزمة إنسانية معقدة
15 ديسمبر 2025
مع دخول السودان عامه الثالث من الحرب، تتداخل الأزمات الإنسانية على نحو متزايد، إذ لم تعد الكوارث الطبيعية، ومنها الفيضانات والحرائق، ظواهر موسمية فحسب، بل باتت عبئًا مضاعفًا على ملايين النازحين والمتضررين من النزاع.
وفي هذا السياق، أصدرت المنظمة الدولية للهجرة تقريرًا جديدًا عبر مصفوفة تتبّع النزوح (DTM)، كشفت فيه عن تراجع كبير في مستويات النزوح الناتج عن الكوارث الطبيعية خلال عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه، رغم استمرار تعرّض عدد من الولايات لموجات فيضانات وحرائق واسعة.
انخفاض ملحوظ في النزوح… ولكن الصورة أكثر تعقيدًا
وفقًا للتقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة من نيسان/أبريل إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، سجّل السودان 40 حادثة من الكوارث الطبيعية أدّت إلى نزوح نحو 35.750 شخصًا، بانخفاض يقارب 80% مقارنة بعام 2024، الذي شهد نزوح نحو 192 ألف شخص بسبب الكوارث الطبيعية وحدها.
ورغم هذا الانخفاض اللافت، يشير التقرير إلى أن 12% من المتضررين الجدد كانوا في الأصل من النازحين بسبب الحرب الدائرة في البلاد، ما يسلّط الضوء على هشاشتهم المتزايدة أمام الكوارث الطبيعية وضعف قدرتهم على التكيّف.
ويربط خبراء الإغاثة هذا التراجع بعدة عوامل، أبرزها:
- انخفاض مناسيب نهر النيل خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، ما أسهم في تراجع حدّة الفيضانات في ولايات النيل الأبيض والخرطوم والشمالية.
- تراجع سيطرة السلطات المحلية في عدد من المناطق بسبب الحرب، وهو ما انعكس في نقص الإبلاغ عن الحوادث في بعض الولايات، الأمر الذي قد يعني أن الأرقام الفعلية أعلى من المعلنة.
- نزوح بعض المجتمعات مسبقًا من المناطق عالية المخاطر، بحثًا عن الأمان أو عن الوصول إلى الخدمات الأساسية.
أصدرت المنظمة الدولية للهجرة تقريرًا جديدًا عبر مصفوفة تتبّع النزوح (DTM)، كشفت فيه عن تراجع كبير في مستويات النزوح الناتج عن الكوارث الطبيعية خلال عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه
الفيضانات: الخطر الأكبر رغم تراجع شدتها
ظلّت الفيضانات في عام 2025 المحرّك الأبرز للنزوح، حيث وثّقت مصفوفة تتبّع النزوح 28حادثة فيضانات في 11 ولاية، على رأسها القضارف وشمال وجنوب دارفور، وأسفرت هذه الحوادث عن نزوح نحو 30.175 شخصًا، وتضرّر أكثر من 6.000 مبنى، وتلف مساحات زراعية واسعة، إضافةً إلى تعطل الطرق والمرافق الحيوية. ويشير التقرير إلى أن فيضانات دارفور كانت نتيجة هطول أمطار غزيرة محلية، في حين ارتبطت في القضارف بفيضانات قادمة من المرتفعات الإثيوبية.
الحرائق: أزمة مضاعفة في مخيمات النزوح
رغم انخفاض عدد الحرائق المسجّلة في 2025، تضاعف عدد المتضررين منها بشكل كبير، فقد وثّقت المنظمة سبع حرائق طبيعية وثلاثة حرائق عرضية كبيرة في مواقع النزوح، معظمها في شمال دارفور، وأسفرت هذه الحوادث عن نزوح نحو 5.575 شخصًا، أي أكثر من ضعف ما سُجّل في 2024. وتُعزى خطورة هذه الحرائق في المخيمات إلى الاكتظاظ الشديد، واستخدام مواد سريعة الاشتعال في البناء، وغياب الرقابة والمرافق الوقائية، بالإضافة إلى نقص فرق الإطفاء بسبب الحرب. وفي بعض المواقع، دُمّرت مخازن غذاء ومدارس ومساحات زراعية، ما زاد من وقع الحرائق على المجتمعات الضعيفة أصلًا.
مؤشرات 2025… وتحذيرات للمستقبل
منذ نيسان/أبريل 2023 وحتى تشرين الأول/نوفمبر 2025، تسببت الكوارث الطبيعية في نزوح أكثر من ربع مليون شخص في السودان (254.640)، وتشير الأرقام إلى أنها تقديرات أولية قد تتغير مع استمرار التحقق، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية وتقليص عدد العاملين في المجال الإنساني في بعض المناطق. ويرى مراقبون أن الفيضانات والحرائق قد تشهد ارتفاعًا في 2026 مع تغيّر المناخ وغياب أنظمة الإنذار المبكر، بينما يحد استمرار الحرب من قدرة المجتمع الإنساني على الاستجابة الفاعلة، وتزيد البنية التحتية المتدهورة من هشاشة المجتمعات أمام الكوارث.
أزمة لا تنفصل عن الحرب
في بلد يشهد أحد أكبر أزمات النزوح في العالم، يصبح أي تراجع في الأرقام سببًا للاهتمام، لكنه لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في معيشة المدنيين. فالكوارث الطبيعية لا تعمل بمعزل عن النزاع، بل تزيد من تعقيد المشهد الإنساني ومفاقمة معاناة الملايين. ويخلص التقرير إلى أن الاستجابة الإنسانية تحتاج إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر في ولايات النيل ودارفور، وتحسين مساكن النازحين لتقليل خطر الحرائق، ودعم خطط المجتمعات المحلية للتكيّف مع تغيّر المناخ، والاستثمار في البنية التحتية المقاومة للكوارث.







