تداع حر في عالم يتهاوى

تداع حر في عالم يتهاوى

الجبهة الساندينية للتحرير الوطني في نيكاراجوا (getty)

انبنت الحداثة السياسية، على فكرة بسيطة جدًا، وجذرية جدًا، وهي التي ستغير كل شيء: يجب أن تكون غاية الدول والممالك تحقيق رغبات شعوبها، هذه ليست فكرة أخلاقية أولية، كما تبدو بعد قرون من نشأتها، بل فكرة ثورية ستعيد تشكيل العالم، وستكون بساطتها هذه، السبيل الأساسي لمناورتها وإفراغها من معناها.

دخلت الجماهير السياسة في العصور الحديثة، واستبطن كل الملوك والسياسيون وجودها في المجال العام، وعليه عدلت كل الأنظمة والأديان نفسها، لتلبي رغبات هذه الجماهير أحيانًا، وأحيانًا كثيرة، لتشكل هذه الرغبات بنفسها، ثم تقول إنها ستحققها للناس.

أصبحت اليوتوبيا، أي العالم الذي سيتم فيه تلبية طلبات الجميع، حاضرة في كل العالم، كل الناس تدعي أنها تسعى للسلطة لتحقق اليوتوبيا، بشكل أساسي ادعت الرأسمالية امتلاكها النظرية الصالحة لتحقيق هذا النعيم، قبل أن يخرج الماركسيون ليطالبوا بنعيم أكثر شيوعًا.

بشكل أساسي ادعت الرأسمالية امتلاكها النظرية الصالحة لتحقيق اليوتوبيا، قبل أن يخرج الماركسيون ليطالبوا بنعيم أكثر شيوعًا

كانت الفكرة الرأسمالية الأولية بسيطة، لنترك كل شخص يفعل ما يريد، ولا يحق للدولة التدخل في أموال الناس، لكن الرأسمالية لم تكن فكرة وحيدة، فقد ولدت مع توأمها المشاكس: الليبرالية، التي ترى أن لكل شخص الحق في حياة حرة، وأن جميع الأشخاص متساوون، وهي فكرة أيضًا ليست بتلك البديهية التي تبدو عليها، ومن خلال هذه الفكرة سيطالب الماركسيون، بدورهم، بفكرة بسيطة أخرى: لا حرية ممكنة للطبقات المستعبدة ماديًا، وإذن لا يوجد مجتمع حر بدون تحقق إمكانية تحرر جميع أفراده، وإذن سيكون عدو الحرية الأول، هم الطبقات العليا، التي تستعبد الآخرين.

لكن الأمر لم يكن أبدًا بهذا الوضوح، احتاجت كل فكرة بسيطة لعشرات من الفلاسفة والعلماء ورجال الدين وحكام الدول والأحزاب السياسية، لتبدو أخيرًا بهذا الوضوح والبديهية في عيون الأجيال المتعاقبة، وانتصار فكرة الحداثة الجذري لا يظهر في شيء كما يظهر في القبول الجماعي لتجريم العبودية، وهذه ستكون آخر مرة للتنويه أنها ليست فكرة بديهية جدًا، هذا التجريم الذي يشكل الأساس الفكري للأفكار الليبرالية ومحاولات تجذيرها، أو محاولات التراجع الضمنية.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تحاول السلطة المصرية ملء فراغ الإسلاميين؟

إذن أعادت الأديان، قلب العالم القديم وروحه، تشكيل نفسها، لتكون هادفة لليوتوبيا، قلب العالم الجديد، هذا واضح مثلًا في طريقة تناول الإسلاميين للدين، الذي أصبح فجأة يمتلك خطة اقتصادية لتحقيق المنفعة للجميع، وأصبحت عباداته رياضية جسدية تحقق الجسم المثالي، والصوم ريجيم قاسي لمحاربة السمنة، والحجاب وسيلة أساسية ليرفع الله الغلاء عن الناس. وغالبًا ما سارت عملية إعادة الهيكلة هذه مع محاولات السيطرة مرة على قلب العالم الجديد، إلا أنها في غالبيتها ظلت محدودة لعدم قدرتها على التبرير النظري لإعادة العبودية بشكل صريح مرة أخرى.

لكن عملية تدجين الأديان ونزع سحرها وتحويلها لأدوات دنيوية، كانت لها تبعاتها، فبالتوازي مع هذه العملية، كانت تجري عملية أخرى لزرع السحر في العالم مرة أخرى، وللتملص من الجماهير المزعجة، كانت هناك وسيلة أكثر مرونة للتهرب من استحقاقات ادعاء القدرة على تحقيق المنفعة للناس، وهي وسيلة ذكية جدًا: القومية، أي تحقيق الرضا عند الناس، بالحديث باسمهم جميعًا، تحقيق رغبات شخصية معنوية لا تستطيع الحديث وإذن يمكن لأي أحد أن يتحدث باسمها، ثم خلق رغبة قومية لهزيمة أقوام أخرى، واتهام أي فرد يعارض ذلك بأنه عدو للأمة، حتى لو كانت كل الأمم بلا استثناء حديثة ومصنوعة وتاريخية ولم تكن موجودة قطعًا قبل قرون قليلة.

كانت القومية الوسيلة الأساسية للتملص من إعطاء الناس أي شيء، بل أصبح الناس مجبرين على إعطاء حياتهم نفسها للسلطة ليحاربوا أعداءها، دون أن تعطيهم شيئًا سوى شكرهم على التضحية في سبيلها.

كانت الرأسمالية بسيطة: لنترك كل شخص يفعل ما يريد، لكنها لم تكن وحيدة فقد ولدت مع الليبرالية التي ترى أن لكل شخص الحق في حياة حرة

امتلك النازيون شعبية كبيرة وقدرة على إلهاء شعبهم للتضحية من أجل ما يعلم الجميع الآن أنه كان مجرد هلوسات شخص متواضع الموهبة، لكن هذا هو الأمر بالضبط، جزء من عمل السحر، يكمن في استعدادات المتلقي للتوهم، والتغاضي عن التفاصيل الصغيرة، هذه بالضبط مهمة الفتاة الجميلة شبه العارية التي يحضرها السحرة بجوارهم دائمًا، أنت لن تسأل أبدًا لماذا لا يقطع الساحر بشكل عشوائي أي شخص في غرفة مضيئة بدون أن يضعه في صندوق وبدون أدوات ولا فتاة بجواره.

على الدوام، انتقد الكثيرون من مختلف الاتجاهات الليبرالية والماركسية، لصالح اتجاهات قومية أو دينية ادعوا أنها أكثر تحررًا أو أصالة، كانوا مخادعين بالطبع، لكن الانتقادات نفسها كانت دائمًا صحيحة، هذا هو المأزق أصلًا.

فبالفعل، ازدهرت الرأسمالية الغربية نتيجة لقدرتها على مراكمة ثروات ضخمة نتيجة استعمارها للشعوب الفقيرة، المراكمة التي خلقت طبقات وسطى غربية ترى أحقية مشاركتها في الحكم، فتسببت في تجذير الأفكار الديمقراطية أكثر، ولم تكن كراهية الناس في الغرب لسوء توزيع الثروة حلًا سحريًا لازدهار الشيوعية، فقد كان هناك حل آخر أكثر سحرًا: النازية، فبدلًا من تسليط غضب الناس على الأغنياء، أصبح موجهًا على الأغنياء المعارضين، وعلى الشيوعيين، وعلى اليهود الذين يتآمرون ضد ألمانيا، وبهذه السهولة، كان الفقراء يقتنعون أن السلطة تحقق رغباتهم، مجرد انتقام صاف من أشخاص بدون أن يحقق هذا الانتقام أي منفعة سوى للسلطة نفسها. ومن الجيد التفكير أن الدول الرأسمالية الكبرى لم تتراجع عن طموحاتها الإمبريالية لغزو العالم سوى بعد حربين عالميتين قلصت قدراتها على تحقيق ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: قضايانا الأساسية وتصدير اليأس

ما سهل الأمر أكثر للرأسمالية أن عدوها الأساسي كان مخادعًا بقدرها تمامًا، ادعى ماركس أنه يمتلك خطة علمية تمامًا لتحقيق المنفعة لكل الناس في كل الدول، وصدقه الكثيرون، لكنه لم يكن يمتلك شيئًا من هذا.

كانت انتقادات ماركس للرأسمالية محقة كلها، لكنه خلص معضلة خاصة به، ستجعل الدول الشيوعية من بعده، أقل حرية من أي دولة رأسمالية، وهي رؤية الماركسيين أنه لتوزيع الثروة بعدالة ينبغي للدولة أن تمتلك كل شيء، وتضرب أعداءها "الرجعيين" بكل قوة، وتمسك هي بزمام الاقتصاد لتتمكن من خلق الثروة الكافية لتلبية احتياجات كل الناس، وبقدر قدرة السلطة على عمل ذلك، وإذا تراجعت الفروق الطبقية، ستبدأ الدولة نفسها بالاضمحلال، لأن الماركسيين لم يروا في الدولة من البداية سوى أداة طبقية محضة، وما دامت الطبقات تقل وتصبح واحدة بالوقت، إذن ستصبح السلطة للجميع بالوقت أيضًا، هذه فكرة جميلة جدًا، وسلسة فعلًا، وواحدة من أذكى الأفكار السياسية في التاريخ، لكنها، كما يعلم الجميع الآن، غير صحيحة بالمرة.

أصبح الدين فجأة يمتلك خطة اقتصادية لتحقيق المنفعة، وأصبحت عباداته رياضية جسدية للجسم المثالي، والصوم ريجيم قاسي لمحاربة السمنة

كان الخداع كله في الظن الماركسي أن الفئة التي ستسيطر على الدولة، إثر الثورة، ستكون مخلصة لأفكارها ما قبل الثورة تمامًا، وأن أفرادها سيظلون في نفس موقعهم الطبقي الأول على الدوام، وهو استنتاج يخالف النظرة الماركسية نفسها التي ترى أن الجميع يحركهم مصالحهم الطبقية، وإذن كانت الطبقات الحاكمة "الثورية" الجديدة، تصبح أكثر منطقية مع موقعها الطبقي الجديد كحكام، وليس مع موقعها القديم، ومن موقعها الجديد، استخدمت السحر الماركسي لبناء دول أكثر مركزية وأكثر تسلطًا وأصبحت الطبقات الحاكمة فيها أكثر صغرًا ونخبوية وانغلاقًا من الطبقات البرجوازية نفسها.

ورغم أن القومية كانت هي أداة ضرب التطلعات الجماهيرية لليوتوبيا الدنيوية في الطبقات الحاكمة الغربية، لكنها في العالم الثالث، برزت كأداة مقاومة لاستعمار مادي مباشر، وبالتالي كانت قوميات أقل توحشًا لأنها أكثر صدقًا، أي أنها تلبي بالفعل رغبة حقيقية في الكرامة والحرية، رغبات حقيقية وأصيلة عند الناس، دون أن تخلقها لأسباب نفعية، على الأقل في بداياتها.

وفي الصراع بين الرأسمالية الاستهلاكية المبشرة بالديمقراطية في الوقت الذي ظلت تحارب أي نزعات تحررية عند الشعوب الفقيرة، وبين الماركسية الستالينية ذات الطبقة الحاكمة الأشد تسلطًا ونخبوية والداعمة بشكل عشوائي لأي دول معادية للغرب سواء كانت هذه الدولة اشتراكية أو عسكرية، ظلت البشرية تدور لأعوام، بينما ينمو داخل بعض شعوب العالم الفقير، خطة أخرى، ترى أنه يجب الاستغناء عن أي أطروحات يوتوبية دنيوية، لتحقيق يوتوبيا قومية دينية، الخلافة.

اقرأ/ي أيضًا: هايدغر في الفكر العربي

ولأسباب يمكن فهمها، اتبعت أغلب الطبقات الحاكمة في دول ما بعد الاستعمار، النهج الاشتراكي، لأنه كان يجب أن تستمر في ادعاء تمثيل الجماهير هذا، الذين كانت تمثلهم في الأغلب بشكل حقيقي، لكنها وبشكل سلس تمامًا، تحولت لطبقات حاكمة تقليدية تسهتدف تحقيق مصالحها دون أي شيء آخر.

ولعقود طويلة، بدا الأمر واضحًا، فأن تقود دولتك لحكم ديمقراطي، يعني أن ينتصر اليساريون أو القوميون النضاليون، فتقوم أمريكا بإسقاط النظام بانقلاب عسكري، أو أن تقود دولتك لحكم عسكري يلعب على كل المحاور فتستمر، فاستمر القوميون ذوي الصوت العالي، لكن المدركين جدًا لحدودهم، وفي اللحظة نفسها التي يحاولون تصديق شعاراتهم كان يهزمون.

على الأقل، كان نظام ناصر كذلك، ادعاءات طويلة عن الاستقلال، لكن علاقات وثيقة بكلتا الدولتين الكبيرتين، وفي لحظات حماسته الأولى، أنقذته أمريكا وروسيا بالتدخل السريع ضد العدوان الثلاثي، بقيادة بريطانيا وفرنسا، اللتين لم تكونا قد استوعبتا بعد موقعهما في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي لحظة الحماسة الثانية لناصر، عندما تحدى أمريكا فعلًا، انهزم بشكل مأساوي.

القومية كانت أداة ضرب التطلعات الجماهيرية لليوتوبيا في الطبقات الحاكمة الغربية لكنها في العالم الثالث برزت كأداة مقاومة للاستعمار

وفي كل الأحوال، كانت اليوتوبيا بعيدة عن شعوب العالم الفقير، فكانت النزعات اليمينية القومية والدينية أكثر صدقًا وجاذبية، كانت الجماهير تريد ذلك، بينما كانت أحلام العالم المثالي مناسبة أكثر لشعوب منتصرة ترى أنها قد تحققت بالفعل، وتريد السعادة الدائمة.

ورث الإسلاميون مساحات انتصار القومية لسبب بسيط، كان الإسلام هو نفس القومية الجديدة، مع تجديدات أكثر حماسية، وحدث ذلك في الزمن الذي خسر فيه الروس الحرب الإعلامية، وبدأ الروس فيه يظهرون للعالم بصورتهم الحقيقية، ولم يكن ممكنًا الفصل بينهم وبين أي صورة مثالية أخرى للشيوعيين، وأصبحت الماركسية بمرور الوقت نزعة ثقافية لدي البرجوازيين الجامعيين، وكانت هذه النزعة تسيطر ثقافيًا على الجامعات الغربية بنفس الدرجة التي تبتعد فيها إمكانية ممارسة هذه الثورية النظرية على الأرض.

والجميل، أن هذا الانهزام الشيوعي، تم دعم خصمه الإسلامي في أفغانستان، بشكل أمريكي مباشر، ليكون السقوط الشيوعي الأخير، على يد الخصمين المقبلين، بالضبط كما كانت هزيمة النازية على يد الخصمين المقبلين، الروس والأمريكان، لكن هذه المرة لم تكن المباراة عادلة.

اقرأ/ي أيضًا: متى يحقّق الأمل شروطه؟

انطلقت صفارة الحرب الباردة بين دولتين كانتا قد تحققتا بالفعل، وأصبحت كل منها إمبراطورية ضخمة بأفكار تعملان على نشرها في العالم، دون أي اهتمام حقيقي سوى بكون هذه الأفكار مجال نقوذ جديد للإمبراطورية، لكن الحرب الباردة بين أمريكا والإسلام الجهادي كانت كذبة أو تمني متبادل من الخصمين، دون أن تكون واقعًا.

أحب الجهاديون فكرة أنهم أصبحوا العدو الأول للإمبراطورية المنتصرة، وأحبت أمريكا ذلك لأنها تعلم حجم هذا العدو الجديد، كان هذا العدو الجديد إما دكتاتورًا مجنونًا في بلد نامي، يصرخ طويلًا ثم ينهزم في ساعات قليلة كصدام حسين، أو مجرد مجموعات صغيرة في بلد شديد الفقر، هذه المجموعات مكونة من مهاجرين مهزومين حتى النخاع في بلدانهم الأصلية، مثل الجهاديين الإسلاميين.

بمقارنة العدو القديم بالجديد، كان الاتحاد السوفيتي بالفعل تهديدًا وجوديًا لأمريكا، واحتمالية الحرب المباشرة المتساوية موجودة، بل حتى الاحتمالية الضعيفة لتمكن حزب شيوعي سري من تكوين أنصار والاستيلاء على السلطة في أوقات اضطراب ما، هي ضعيفة صحيح، لكنها غير مستحيلة بنيويًا ويمكن العمل عليها بصبر لتحقيقها في سنوات طويلة، لكن العدو الجديد، الممثل في الإرهاب الإسلامي، لم يكن سوى فأر في الغرفة، هو لا يهددك وجوديًا بقدر ما يثير فيك هلعًا غير مبرر، إنه يجعلك تقفز هنا وهناك وتصرخ، لكنه لن يؤذيك بشكل حقيقي، أنت تعرف هذا جيدًا، لكن هذا لا يقلل من هلعك.

كانت اليوتوبيا بعيدة عن شعوب العالم الفقير، فكانت النزعات اليمينية القومية والدينية أكثر صدقًا وجاذبية، كانت الجماهير تريد ذلك

في هذه الأجواء، أصبحت أمريكا للمرة الأولى، غير شديدة العداوة تجاه التحولات الديمقراطية الحقيقية، لقد أفقدها السقوط الروسي قدرتها على التدخل المباشر في الدول الديمقراطية التي كانت بشكل طبيعي تبتعد عن الشيوعية التي قرر تاريخ المنتصرين أنها كانت فكرة سيئة، وفي هذه الأجواء نفسها، قرر الجهاديون فرض أنفسهم كعدو جدير بالانتباه، عندما أسقطوا البرجين الأمريكيين.

لكنهم كانوا عدوًا سهلًا، أسقطت أمريكا طالبان ثم صدام، مخلفة وراءها فوضى رهبية، كانت تدخلًا كارثيًا ومجنونًا وشديد الغباء بأي مقاييس عقلانية، حتى بالمعايير الأمريكية الإمبريالية، انتهت حرب العراق، بتسليم حكمها لأحد "محاور الشر" التي كان الرئيس الأمريكي لا يتوقف عن نقدها، وتتحدث الصحف كل فترة وأخرى عن احتمالية أن تكون البلد القادم الذي ستغزوه أمريكا، إيران.

أصبحت أمريكا عدو العرب والمسلمين الأول، وبحماسها الحاد للمجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، في ذروة الانتفاضة الثانية، أصبح ذلك أحد البديهيات السياسية، وبمعرفة الأمريكان أنفسهم لفداحة ثمن احتلالهم للعراق وأفغانستان، قرروا الانسحاب نسبيًا من الشرق الأوسط، لتحدث الثورات العربية، في هذا الفراغ الجميل لخفوت الأثر الأمريكي في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: فكر علي شريعتي.. أدوار الضعف والقوة

الثورات نفسها، كانت ابنة خفوت الأفكار الحماسية في العالم، وبالتالي لم تكن ثورية بقدر ما كانت محاولة لعقلنة وضع البلدان العربية في العالم، محاولة شديدة الجدية للانسحاب من "العالم الثالث"، لكن بدون أن يكون لهذا الانسحاب أي خطة واضحة، ولوهلة بدا العالم متأقلمًا مع هذا التطبيع العربي مع الليبرالية، لكن ممالك عربية بدا لها هذا التطبيع خطرًا وجوديًا عليها، وهي التي تعيش في ممالك شديدة الفرادة، فرغم دكتاتوريتها الخالصة، يتيح لها وضعها المالي المتميز التمكن من تلبية طموحات شعوبها المادية، وهي إذن ليست ملكيات من العصور الوسطى، ولكنها ليست حديثة بأي معنى أيضًا، بل تبدو الإمارات تحديدًا كالتحقق المثالي لفكرة المملكة ذات الأموال التي لا تنفد لدرجة أنها توزعها على شعبها الصغير ويظل أمراؤها رغم ذلك شديدي الثراء بدون أي نقصان، في المقابل تعاني السعودية، التي تطبق أكثر القوانين الإسلامية المتشددة في العالم، في مأزق أكبر، لأن طموحات شعبها ذات أسباب أكثر ترسخًا، وإن كانت، كالثورات العربية، لأسباب أكثر تشتتًا، ومتناقضة بشكل كبير.

لم تكن السعودية وحدها المتضايقة، بل كانت عدوتها الكبرى، إيران، أكثر ضيقًا وخوفًا على مصير حكم العلويين في سوريا، فدفعت حزبها اللبناني في الحرب، ثم تدخلت بنفسها، لإنقاذ الأسد، متذرعة بحمايته من المؤامرات الدولية، في الوقت لم تكن فيه أي مؤامرة على سوريا، سوى المؤامرة الإيرانية نفسها، وفي اللحظات نفسها، التي كانت إيران تخرب للأبد، الانتفاضة العربية، بفتح مجال لخطاب جهادي طائفي، لكنه ذو منبع حقيقي بسبب مذابح نفسها، كانت أمريكا، قائدة المؤامرة الوهمية التي تحاربها إيران، تقوم بأكثر خطوة تصالحية مع إيران منذ الثورة الإيرانية، ويعلن الرئيس الأمريكي، اتفاقًا مع إيران بخصوص البرنامج النووي ويرفع العقوبات عنها، ويظل حتى آخر يوم في رئاسته، يعتبر هذا الاتفاق كأحد إنجازاته التاريخية التي يفتخر بها.

أحب الجهاديون فكرة أنهم أصبحوا العدو الأول للإمبراطورية المنتصرة، وأحبت أمريكا ذلك لأنها تعلم حجم هذا العدو الجديد

لكن الثورة السورية، لم تكن خدعة إعلامية ولا انشقاقًا بسيطًا ليتم التخلص منه بين ليلة وضحاها، ولهذا لم ينجح التدخل الإيراني بميليشياته متعددة الجنسيات من إخضاعها، لكنه تمكن بالوقت من تحويله لصورة يمكنه محاصرته بها، أي نجح في تحويله من ثورة شعبية ثم لانتفاضة سنية ثم لحرب أهلية ثم لجماعات جهادية، وهذه الجماعات الجهادية انهزمت لصالح أكثر أجنحتها جنونًا ودموية: القاعدة بطرفيها (داعش والنصرة)، الفأر الذي يثير هلع أمريكا.

الفأر كان تطور بالزمن، وبقدر ضراوة الحرب، كان قد أصبح ضاريًا هو الآخر، كانت داعش، التي سيطرت بسهولة على مناطق السنة في العراق، التي سلمتها أمريكا لإيران، وعلى مناطق الثوار في سوريا، التي كانت إيران تحارب فيها مؤامرة أمريكا الوهمية، كيانًا إسلاميًا متخلصًا بشكل تام من أي شكل حداثي للإسلام، خلافة "هاشمية"، دون بيعة من أحد، بالتغلب الصريح، ودون أي وعود بيوتوبيا دنيوية، سوى إقامة "الخلافة"، وبمحض هذه الكلمة، تمكنت داعش من وراثة الكثير من إرث الإسلاميين السابقين الذين أمضوا عقودًا طويلة في إقناع الشعوب بسحر هذه الكلمة، ورثت داعش الإرث المعنوي لهذه الجماعات، في الوقت الذي كانت تقتل فيه كل أفراد نفس الجماعات لأنهم مرتدين لم يبايعوا الخلافة الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: صادق جلال العظم: لماذا لستُ مؤمنًا؟

ومن بين كل المحاولات الإسلامية لوأد الحداثة، عبرت داعش للمرة الأولى الخط الأحمر، بين العالم الجديد والقديم، عندما أقدمت على إعادة العبودية والسبي الصريح مرة أخرى، حاول الإسلاميون إثبات أن الإسلام لا يستطيع التعامل مع عالم بدون عبودية فقط، بل إن الإسلام كذلك خطا الخطوة الأولى في التاريخ لمحاربة العبودية عندما جعل من "إعتاق الرقاب" أحد وسائل الاعتذار عن التكاليف الدينية.

في هذه الأجواء الانسحابية لأمريكا، كانت روسيا، التي مازالت تشعر بجرح نرجسي من هزيمتها القديمة، تحاول الصعود كقوة عالمية مرة أخرى، هذه المرة بموافقة أمريكية ضمنية، لا تريد تحمل عواقب التدخل، وترى أنه من الجيد أن تحاول قوة أخرى فعل ذلك، خصوصًا إذا كانت هذه القوة لم تعد تمتلك القوة الاقتصادية أو الفكرية لتهدد أمريكا نفسها كما السابق.

في خيالات الإسلاميين الأوائل، كانت الصورة الذهنية للخلافة ستتحقق في صورة دولة كبرى، كروسيا وأمريكا، وتصعد كقوى عالمية كبرى، لكن في تحققها الأول، بدت الخلافة الداعشية قطيعًا من الذئاب، يجرون هنا وهناك، يثيرون الفزع في فرنسا وأمريكا ولندن وألمانيا، إنهم قادرون هذه المرة على الإيذاء بالفعل، لكنهم لا يشكلون أي تهديد وجودي على هذه الدول، لكن هذا الهلع كان يخلق في مقابله وحوشًا جديدة، يمين غربي متصاعد، لا يملك أي فكرة متماسكة سوى الرغبة المشوشة في الانتقام المضاد، هذه المرة دون أي ادعاءات ديمقراطية مثل ادعاءات، بل انتقام صاف وعنصري بلا أي خطاب يوتوبي ولو كان كاذبًا.

في تحققها الأول، بدت الخلافة الداعشية قطيعًا من الذئاب، يجرون هنا وهناك، يثيرون الفزع في فرنسا وأمريكا ولندن وألمانيا

كانت الخلافة منذ البداية، انتفاضًا على اليوتوبيا الغربية، بمحاولة التشبه بها، ثم أصبحت على يد داعش انتفاضًا على أي حياة مثالية، غربية أو شرقية، دعوة ممتدة للموت، بدون تحقيق أي شيء لأي أحد، في مواجهة حكم إيراني أسدي متوحش مستعد لتدمير أي شيء مقابل ألا ينهار حكم العلويين السوريين، وفي هذا التدمير والتدمير المضاد، رأى الغرب أن التخلص من الذئاب عندهم أولوية على إنقاذ الناس في سوريا، فانحازوا عمليًا لصالح الأسد وإيران، الذين كان رهانهم على إطلاق هذه الوحوش في محله، هي وحوش قادرة تحديدًا على إيذاء القريبين منها، دمروا المعارضة السورية بشكل كامل، وصحيح أنهم من الحين والآخر يؤذون الأسد وإيران، لكنه إيذاء غير وجودي، ثمن ضروري في المعركة، لن تطرد داعش والنصرة الأسد من البيت، لكن المعارضة كانت تستطيع.

وفي وقت تحقق الخلافة، بأسوأ وأضعف صورة كان يمكن تخيلها، كان دعاة الخلافة الأكثر حماسًا تاريخيًا ينهارون تمامًا: الإخوان المسلمون.

صعد الإخوان في الثمانينيات، كجناح شبه عاقل وسط الإسلاميين الذين انتهت جماعاتهم الأخرى في صدامات دامية مع دولهم، أنهت وجودهم تمامًا، وورث الإخوان جل الهيمنة الخطابية للصحوة الإسلامية، وعدلوا عليها حين أصبح غالبيتهم من مهنيي الطبقة الوسطى الراغبين في حياة عادية، ورأوا في الديمقراطية الوسيلة للوصول للسلطة بدون مغامرات انتحارية كالجهاديين، وظلوا يرقعون خطاباتهم بالوقت لكي يتم النظر إليهم كديمقراطيين، وفي عصر الفراغ المباركي، قدموا لطلبة الجامعات أهم ما يحتاجونه إليه: بيئة حاضنة اجتماعية تشغلك عن ملاحظة الفراغ من حولك.

اقرأ/ي أيضًا: بندكت أندرسن و"جماعاته المتخيلة"

بالوقت، استعانت الأنظمة، وخاصة السعودية، التي رأت على الدوام أي انتشار لدعوات ديمقراطية خطرًا وجوديًا عليها، بالسلفيين لمعاكسة المد الإخواني بآخر سلفي، في هذا الوقت، كان السلفيون قد دجنتهم هزائمهم المتتالية، فأصبحوا كائنات وديعة متعاونة مع مع الأجهزة ويدعون للصبر على الحكام والاهتمام بالعبادات وإطلاق اللحى، وفي ذروة صعودهم، وانهيار الإخوان خطابيًا أمامهم، وفي الانسحاب الأمريكي من العالم، كانت تصعد الدعوات الديمقراطية مرة أخرى، فالتقى الثلاثة معًا في الثورات العربية.

ساهم السلفيون بتشددهم في توجه غالبية مؤيدي الثورة غير المسيسين إلى الأفكار العلمانية، وتمكنوا من جعل الإخوان خاضعين بشكل كامل لكل أفكارهم، وإذن جعلوا الصدام العلماني الإسلامي محققًا، ومن جهة أخرى، ولأن الأفكار تدور للأبد، كان الصعود السلفي هذا نفسه، هو المحضر الأساسي للتربة الخصبة التي ستنبت أنصار داعش في كل مكان، إنه شيء مبهر، من وجهة نظر التاريخ، النظر إلى كيفية تحول من كانوا يصنعون ليكونوا صمام أمان إسلامي ضد الدعوات الإسلامية للديمقراطية، وهم ينتهي بهم المطاف كدعاة لتدمير أي شيء وكل شيء وفي كل مكان.

الدرس الذي استوعبته أمريكا من دعمها لـ"المجاهدين الأفغان"، متأخرًا، هو أنك حين تصنع تيارًا لغرض ما، فإن هذا التيار سيكون مخلصًا لأفكاره هو الخاصة فقط، إنها نفس الدهشة التي تعتري الآباء في كل جيل، حين يكتشفون باندهاش تام، أن أبناءهم أشخاص آخرون فعلًا.

ساهم السلفيون بتشددهم في توجه مؤيدي الثورة غير المسيسين للأفكار العلمانية، وتمكنوا من جعل الإخوان خاضعين بشكل كامل لكل أفكارهم

والدرس الذي يمكن تعلمه من الإخوان، أنه مهما كانت مناوراتك الخطابية جدية لاكتساب الأنصار، فإنك ستتخلى عنها عندما يبدو لك أن سبب الحاجة إليها قد زال، ثم ستكتشف بعد ذلك، أنك وقت التخلي عنها كنت في أكثر أوقاتك حاجة إليها.

والدرس الذي يدعي السلفيون دومًا تعلمه هو أن التكفير ينتهي دائمًا بهم إلى هزائم كاملة، مثلما تم سحقهم في أفغانستان والجزائر ومصر في عقود خلت، لكنهم دائمًا ما يعودون إليه في كل معركة جديدة، إنه هويتهم التي لا يستطيعون أبدًا الهرب منها.

ويعلم الغربيون تمامًا مآلات الدعوات القومية اليمنية العنصرية، إنها تفعل تحديدًا ما تقوم لمحاربته، فتقسم البلاد وتسحق الاقتصاد قبل أن ينفض الناس عنها ليدعوا استيعاب نفس الدرس القديم.

وفي كل أوقات صعود الإسلاميين، كان أعداؤهم ينحازون للأجهزة الأمنية دومًا لتؤدب هذه الوحوش، لكي يحفظوا حرياتهم الخاصة على الأقل، ودومًا ما تخذل هذه الأجهزة المحتمين بها، فتنشأ أنظمة قمعية ويمينية وإسلامية هي الأخرى، لكن هذا الرهان دائمًا ما يعود مرة أخرى مع كل صعود إسلامي جديد.

ودائمًا ما انتهت كل السلطات العسكرية إلى تدمير بلادها، إلا أنه دائمًا ما يراهن عليها الناس لفرض النظام، الذي ينتهي بفوضى لم ير لها مثيل.

يقول هيجل إن بومة منيرفا، رمز الحكمة عند اليونانيين، لا تبدأ الطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله، إشارة إلى أن الحكمة غالبًا ما تكتسب بعد نهاية كل شيء، بعد انتهاء الحاجة إليها، ولنيتشه مقولة تلخص كل ذلك: "كم هذا مزعج ، رجعنا إلى القصة القديمة! حين ينجز المرء بناء البيت يكتشف أنه تعلم خلال البناء شيئًا من دون أن يدري، شيئًا كان عليه أن يعرفه ضرورةً قبل الشروع بالبناء. ذاك هو "فوت الأوان" الأبدي المضجر. مرارة كلّ ناجز".

اقرأ/ي أيضًا: 

أنيس صايغ..أرشيف لفلسطين

مارلون براندو.. المشي على قطع الزجاج