تحويلات المغتربين اليمنيين.. بنك بديل في ظل غياب الدولة
22 يناير 2026
في بلد أنهكته الحرب، كان الاقتصاد أحد أبرز ضحاياها، إذ ارتفعت الأرقام الصادمة، وبات أكثر من 18 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات عاجلة، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة.
وفي ظل الحرب، توقفت صادرات النفط والغاز، التي كانت تشكّل نحو 90% من صادرات اليمن و75% من الإيرادات العامة، ومع تآكل المؤسسات المالية للدولة وتراجع المساعدات الدولية، برزت تحويلات المغتربين اليمنيين كمصرف بديل وشريان حياة لملايين اليمنيين، ورافعة اقتصادية أسهمت في رفد البلاد بالنقد الأجنبي، في ظل غياب الدولة وتشتّت مواردها.
ويقول اتحاد المساعدات النقدية في اليمن، التابع للمنظمة الدولية للهجرة ومنظمات دولية أخرى، إن تحويلات المغتربين اليمنيين بلغت في عام 2024 نحو 7.4 مليارات دولار، أي ما نسبته 38% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. ويشمل هذا الرقم التحويلات الرسمية وغير الرسمية، فيما تُظهر بيانات البنك الدولي أن التحويلات الرسمية وحدها تبلغ نحو 4 مليارات دولار، لتحتل بذلك المرتبة الأولى بين مصادر النقد الأجنبي في اليمن، بعد شحّ الموارد التقليدية، وتشكّل مصدرًا رئيسيًا لتغطية فاتورة الاستيراد لبلد يستورد أكثر من 90% من احتياجاته، وفي مقدمتها الغذاء والدواء.
رحلة العملة الصعبة من جيب المغترب إلى مائدة الأسرة
تشير التقديرات الدولية حتى عام 2024 إلى وجود نحو سبعة ملايين مغترب يمني حول العالم، من بينهم قرابة مليوني مغترب في المملكة العربية السعودية، فيما يتوزع البقية على دول مختلفة. ويشكّل هذا الرقم ركيزة دخل رئيسية لملايين الأسر داخل اليمن، التي باتت تعتمد على التحويلات المالية كمصدر شبه وحيد للمعيشة.
يقول اتحاد المساعدات النقدية في اليمن، التابع للمنظمة الدولية للهجرة ومنظمات دولية أخرى، إن تحويلات المغتربين اليمنيين بلغت في عام 2024 نحو 7.4 مليارات دولار، أي ما نسبته 38% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي
ويقول المغترب اليمني في السعودية فارس أبو صفوان، في حديثه لـ"الترا صوت"، إن الغالبية العظمى من التحويلات لا تمر عبر النظام المصرفي الرسمي، بل تتم من خلال ما يُعرف بـ"المبادلات"، حيث يُسلّم المغترب المبلغ في بلد الاغتراب لشخص أو جهة، مقابل تسليمه لأسرته داخل اليمن.
ويضيف أبو صفوان أن بعض المغتربين يلجؤون إلى بنوك متخصصة بالتحويل، أو شركات صرافة وتطبيقات إلكترونية، إلا أن هذه القنوات تبقى أقل استخدامًا مقارنة بالقنوات غير الرسمية، التي تمتاز بالسرعة والمرونة، وتتفادى إجراءات البنوك، ومشاكل انعدام السيولة في اليمن، فضلًا عن إلزام المستفيد باستلام الحوالة بالريال اليمني وبأسعار صرف قد تكون أقل من سعر السوق.
ويرى أبو صفوان أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في آلية التحويل بحد ذاتها، بل في حجم المبالغ المحوّلة، إذ إن إرسال مبالغ كبيرة بشكل منتظم قد يعرّض المغترب للمساءلة أو لشبهات غسل الأموال في بلد الاغتراب، ما يدفع كثيرين إلى تجزئة التحويلات أو اللجوء إلى القنوات غير الرسمية.
وفيما يتعلق بانعكاسات هذه التحويلات على حياة الأسر داخل اليمن، يؤكد أبو صفوان أنها تشكّل مصدر دخل أساسيًا للأسر التي تعتمد عليها لتأمين احتياجاتها من الغذاء والدواء والتعليم، ولا سيما في ظل تضاؤل فرص العمل، وتوقف رواتب موظفي الدولة، وانكماش الاقتصاد المحلي.
سوق غير رسمية رغم ارتفاع الكلفة
وفي السياق ذاته، يؤكد مغترب يمني آخر، فضّل عدم ذكر اسمه، أن النسبة الأكبر من المغتربين اليمنيين تعتمد في تحويلاتها المالية على قنوات غير رسمية، أو ما يُعرف بالسوق السوداء، رغم أن عمولاتها أعلى بكثير من التحويلات البنكية.
ويقول في حديثه لـ"الترا صوت" إن البنوك في السعودية توفّر تسهيلات كبيرة في عمليات التحويل، مع عمولات تقل بنحو خمسة أضعاف عن تلك المفروضة في السوق غير الرسمية، إلا أن التحويل الرسمي لا يزال خيارًا غائبًا لدى كثير من اليمنيين، بخلاف جنسيات أخرى كالهنديين والباكستانيين.
ويُرجع هذا العزوف إلى ضعف الثقة بالنظام المصرفي اليمني، إذ يخشى المغترب من تعقيدات ما يُعرف بإجراءات التتبع وإثبات مصادر الدخل، إضافة إلى أن القنوات غير الرسمية تُعد أسرع في إيصال الأموال إلى المستفيد النهائي، رغم كلفتها المرتفعة.
أسر تعيش على التحويلات
وفي السياق، يقول عبد الله محمد، وهو طالب جامعي من محافظة تعز، إن أسرته المكوّنة من 11 فردًا تعتمد بشكل رئيس على تحويلات والده المغترب. ويضيف في حديثه لموقع "ألترا صوت": "أستلم شهريًا نحو ألفي دولار، وهو دخل والدي المغترب، الذي يفضّل العمل الإضافي لتغطية مصاريف الأسرة الشهرية".
ويشير عبد الله إلى صعوبات تواجههم عند استلام الحوالات، موضحًا أن البنوك وشركات الصرافة ترفض تسليمها بعملة التحويل، وتقوم بصرفها بالريال اليمني بذريعة عدم توفر النقد الأجنبي، ما يعرّض الأسرة لخسائر نتيجة التدهور المستمر في قيمة الريال اليمني، رغم تحسنه النسبي خلال الفترة الأخيرة.
العبء الخفي على المغترب
يرى المغترب اليمني نفسه أمام أعباء إضافية، إذ يجد نفسه المعيل الوحيد لأسرة كبيرة لا تقتصر على أبنائه فقط، في ظل توقف الرواتب وغياب فرص العمل داخل اليمن.
ويقول كثير من المغتربين إنهم أجّلوا مشاريعهم الخاصة ويعملون لساعات إضافية، خشية عدم الوفاء بالتزاماتهم الشهرية، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات قاسية على أوضاع أسرهم في الداخل، فيما يظل حلمهم الأساسي أن يخرج اليمن من حالة الحرب وتعود الحياة إلى طبيعتها.
نقد خارج ميزان المدفوعات
تنظر الحكومة اليمنية إلى التحويلات غير الرسمية على أنها مشكلة كبيرة. ويقول المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية اليمنية، فارس النجار، إن هذه التحويلات تشكل معضلة معقدة، كونها تُخرج جزءًا كبيرًا من النقد الأجنبي خارج ميزان المدفوعات، وتضعف قدرة البنك المركزي على بناء احتياطيات مستقرة.
ويضيف النجار في حديثه لموقع "الترا صوت" أن هذه التحويلات التي تتم خارج النظام المصرفي ساهمت في توسيع الفجوة بين سعر الصرف التوازني والسعر الذي تتحكم به قوى المضاربة. ويستند في ذلك إلى تقديرات البنك الدولي، التي تشير إلى أن تحويلات المغتربين اليمنيين تبلغ أكثر من سبعة مليارات دولار سنويًا، تدخل منها نحو أربعة مليارات فقط عبر القنوات الرسمية، فيما تتدفق بقية المبالغ خارج النظام المصرفي.
ويبين النجار أن خروج هذه التدفقات يقلل ما يعرف بالعرض القابل للإدارة داخل النظام المالي، ويضعف قدرة الحكومة على تمويل الاستيراد عبر القنوات البنكية، ما يزيد من هشاشة السوق النقدية.
وعن التسهيلات في بلدان المهجر، يشير النجار إلى تطور ملحوظ في الرقمنة المصرفية بدول الاستضافة، خاصة السعودية، حيث باتت بعض التحويلات البنكية تتم برسوم صفرية عبر بنوك يمنية معتمدة مثل الكريمي والتضامن والقطيبي.
يرى المغترب اليمني نفسه أمام أعباء إضافية، إذ يجد نفسه المعيل الوحيد لأسرة كبيرة لا تقتصر على أبنائه فقط، في ظل توقف الرواتب وغياب فرص العمل داخل اليمن
شبكة أمان ورافعة اقتصادية
من جانبه، يرى أستاذ العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت، الدكتور محمد صالح الكسادي، أن تحويلات المغتربين تمثل مورداً حيوياً ومستداماً، وباتت من أهم روافد النقد الأجنبي لليمن، حيث تُقدّر قيمتها بنحو أربعة مليارات دولار سنويًا، المتدفقة بشكل رسمي.
ويؤكد الكسادي في حديثه لموقع "الترا صوت" أن هذه التحويلات أصبحت الرافعة الاقتصادية الأساسية للمواطنين في ظل انقطاع الرواتب وتراجع الإنفاق العام، معتبرًا أن هذه الأموال شكّلت شبكة أمان اجتماعي حافظت على الاستهلاك المحلي ومنعت انهيار المعيشة على نطاق واسع.
ويحذر الخبير المالي والمصرفي من استمرار تدفق التحويلات عبر القنوات غير الرسمية، التي تغذي اقتصاد الظل وتضاعف مخاطر غسل الأموال، فضلاً عن إضعافها للقطاع المصرفي. ويطالب الكسادي بإدماج هذه التحويلات في النظام الرسمي كشرط أساسي لتعظيم أثرها الإيجابي على الاقتصاد.
مخاطر تراجع تحويلات المغتربين
يرى اقتصاديون أن تحويلات المغتربين اليمنيين تظل موردًا هشًا، وعرضة لأي اهتزازات سياسية أو اقتصادية في دول الاغتراب. وأي تغييرات في سياسات هذه الدول، أو إجراءات ضد العمالة غير النظامية، ستنعكس مباشرة على تدفقات التحويلات إلى الداخل اليمني.
ويحذر الخبراء من تراجع هذه التحويلات وانعكاساته على الأوضاع المعيشية في اليمن، معتبرين أن أي انخفاض قد يؤدي إلى صدمات كبيرة في بلد لا يزال يرزح تحت وطأة الحرب وآثارها. ويتوقعون أن يترتب على ذلك ارتفاع حاد في معدلات الفقر والمجاعة، وانكشاف هشاشة اقتصاد يعتمد أساسًا على الاستهلاك وليس الإنتاج.
ويطالب هؤلاء الاقتصاديون الحكومة بالعمل الجاد لتحويل هذا المورد من مجرد أداة بقاء إلى رافعة تنمية مستدامة، عبر تفعيل قنواته الإيرادية الرسمية بدلًا من الاعتماد على مدخرات المغتربين، مع حضور الدولة ومؤسساتها لدعم النظام المالي وضمان استقرار الاقتصاد المحلي.






