تحولات الهوية عند العرب الأمريكيين

تحولات الهوية عند العرب الأمريكيين

مظاهرة ضد العدوان على غزة في نيويورك (Getty)

خلال العقدين الأخيرين، بدأت الجاليات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على بلورة "وعي هويّاتي" جديد يعيد التعريف بها، كمجتمعات ثنائية الهوية ذات مرجعيات ثقافية وحضارية خاصة، ومتمايزة، تختلف وتكاد تصادم في أحيان كثيرة الثقافة الغربية بنسختها الأمريكية التي فشلت عبر العقود المتتالية في تذويب الهويات العرقية والدينية وصهر الأقوام والجماعات في بوتقة الثقافة والحضارة الأميركية.

اعتبرت الولايات المتحدة أن المهاجرين العرب الأوائل  غير مؤهلين، عرقيًا وديمقراطيًا، لنيل الجنسية الأميركية

"العرب الأميركيون" لم يكتفوا بهذه اللقب المركب الذي باتوا يعرفون به، سياسيًا وإعلاميًا، وإنما يعملون ويطلقون حملات تمكنهم من نيل التصنيف الرسمي والتنظيمي والإحصائي لهم كـ"عرب" بدلًا من التصنيف المعتمد حاليًا كـ"بيض". ومع أن طموحهم هذا، يبدو في شكله الخارجي مجرد تصحيح لخطأ أنثروبولوجي أُدرج خلاله العرب الساميون في خانة العرق الأبيض، إلا أن المسألة في عمقها هي أعقد وأخطر من ذلك، وتنطوي أبعادها على الكثير من المشاعر السياسية والحضارية والدينية.

أصل المسألة، بدأ مع موجة الهجرات الأولى من سوريا الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كانت بلدان منطقة الشرق الأوسط واقعة تحت حكم العثمانيين وإمبراطورياتهم الإسلامية، في الوقت الذي كانت فيه الأدبيات الأمريكية ما تزال تتبنى وتدافع عن مقولة الدولة الأمريكية، كدولة لأمة مسيحية بروتستنانية بيضاء "العرق".

وعند الحديث عن العرق الأبيض، لا بد من إدراك الفرق النوعي بين الكلمتين الإنجليزيتين "caucasian" و"white" وكلتاهما تعني أبيض، إذ يعتبر المصطلح الأول مصطلحًا أكاديميًا محاديًا، فيما يحتقب المصطلح الثاني على حمولات ثقافية وحضارية لا تخلو من الزهو العنصري.

لم تقتصر طموحات المهاجرين العرب الأوائل، ومعظمهم من المسيحيين، على التحرر من ربقة الحكم العثماني، وإنما تعدتها إلى الانخراط والاندماج في مجتمع الأمريكيين البيض الذين يديرون ويسيطرون على مجمل مقدرات الحكم والثروة في البلاد. لكن رفض الأميركيين البيض لهم كان صاعقًا ومريرًا، خاصة وأنه قد تم تصنيفهم رسميًا تحت خانة "المغوليين"، بما يعني أنهم آسيويون ينحدرون من سلالة العرق الأصفر، وأكثر من ذلك اعتبرتهم السلطات الأمريكية غير مؤهلين، عرقيًا وديمقراطيًا وتقنيًا، لنيل الجنسية الأميركية، وظلت تعاملهم على مدى عقود من الزمن على أنهم رعايا، لا مواطنون.

منذ بداية القرن العشرين، بات المهاجرون العرب في أمريكا يندرجون في الوثائق الحكومية في خانة البيض

وحدثت نقطة التحول على خلفية اعتقال شرطي عربي لأميركي أبيض، حين ادعى والد المعتقل على الشرطي لدى المحكمة ببطلان الاعتقال بدعوى أنه "من غير الجائز قانونيًا لمغولي أن يعتقل شخصًا أبيض"، فما كان من الشرطي جوج شيشم إلا الدفاع عن نفسه عبر سوق حجج دينية، قائلًا: "إذا كنتم تعتبرونني مغوليًا، فهذا يعني أن المسيح هو مغولي أيضًا، فأنا والمسيح جئنا من نفس البلاد".

وعلى التوازي، أطلقت الجالية العربية حينها حملة لنفي نسبة أفرادها إلى العرق الأصفر واستبداله بالعرق الأبيض، وفعلًا قام ناشطون ومحامون منهم بمراسلة الجامعات الأمريكية ومراكز البحوث المختصة للاستعانة بشهاداتهم ودراساتهم البحثية الأكاديمية لدى المحكمة، وانتهت القضية بحصول الشرطي على الجنسية الأمريكية، كشخص أبيض.

واستمرت الحملة لعدة سنوات تالية، حتى تم اعتماد العرب رسميًا كأفراد بيض، في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، وعليه فإن الجميع المهاجرين العرب الذين قصدوا الولايات المتحدة خلال القرن الماضي، يندرجون، ويُدرجون أنفسهم عند تعبئة الوثائق الحكومية والاستمارات الرسمية في خانة البيض (تحوي الوثائق والاستمارات الرسمية تصنيفات عرقية مثل: بيض، سود، هسيبانيك، لاتينيون، آسيويون.. إلخ)، ولهذا السبب التقني لا يمكن معرفة العدد الدقيق للأمريكيين العرب وتوزعهم في الولايات المتحدة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ العرب يطلقون حملات لإضافة خانة جديدة إلى خانات التصنيف العرقية في الوثائق والسجلات الرسمية، فيما يعكس وعيًا جديدًا بالشخصية العربية الأمريكية يتجاوز المسألة التقنية، ويتعداها إلى لعب دور فعال في المجتمع الأميركي.. فهل ينجحون في ذلك؟