تحليل إخباري: طالبان بقوة دفع الواقع.. جسر برؤوس كثيرة

تحليل إخباري: طالبان بقوة دفع الواقع.. جسر برؤوس كثيرة

مشهد من العاصمة الأفغانية كابول يوم 22 شباط/فبراير 1995 (تيرانس وايت/أ.ف.ب/Getty)

أقدم مقاتلو حركة طالبان على شن هجوم محدود على نقطة تمركز عسكرية لقوات الجيش الأفغاني شرق البلاد، الجمعة 29 أيار/مايو 2020. فيما تناقلته وكالات الأنباء والأخبار الصحافية، أدى الهجوم المذكور إلى قتل 14 عسكريًا وفق بيان حادث وزارة الدفاع الأفغانية. كما تحدث البيان الحكومي عن هجوم سابق على هجوم يوم الجمعة دون إيضاح نتائجه بالتفصيل او حتى تأكيده. في الوقت الذي اعتبرت الحكومة الأفغانية فيه أن الهجوم لا يشكل إلغاء لمعطيات هدنة تعليق إطلاق النار المبرمة مع حركة طالبان، وأنها، أي هدنة عيد الفطر، ما زالت قيد التفعيل. من جهتها لم تعتبر طالبان أن هجومها يشكل خرقًا أو اعتداء على معطيات الهدنة، بقدر ما هو في مصاف رد الفعل على طلعة جوية كانت القوات الحكومية قد نفذتها ليل الأربعاء، الـ27 أيار/ مايو 2020، استهدفت تمركزات لمقاتلي الحركة في منطقة القبائل بحسب التصريح الحكومي الأفغاني الرسمي، بينما قالت حركة طالبان أن الضحايا ما هم إلا من المدنيين.

تعبر حركة طالبان عن أبرز تمثيلات النجاح المعاصرة في خوض حرب الغوار وإسنادها بمجهودات سياسية، هذا دون التنصل من ضرورة فهم الطبيعة الإشكالية لوجستيًا وعقائديًا لتنظيم مماثل

حصلت هذه المجريات في ظل تواجد الوفد الممثل لحركة طالبان على طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية وداعميها في عاصمة البلاد كابول واستمرار نقاش التفاصيل اللوجستية لإتمام صفقة إطلاق سراح المعتقلين التابعين للحركة في السجون الحكومية. علمًا أن الحكومة الأفغانية قامت بدورها بإطلاق سراح قرابة 2000 سجين طالباني منذ اتفاق السلام الطالباني – الأمريكي منتهى شباط/فبراير 2020 في العاصمة القطرية الدوحة، من أصل 5000 متفق على إطلاق سراحهم. في حين أطلقت طالبان سراح قرابة 350 رهينة من المحتجزين لديها من عموم 1000 كانت قد وافقت على إطلاقهم تمشيًا مع الاتفاق الذي من المفترض أن يفضي إلى إنهاء التواجد العسكري الأمريكي على التراب الأفغاني، واعتبرت الجزئية المتعلقة بتبادل الأسرى بادرة إبداء حسن نية وبناء ثقة بين الطرفين/الأطراف. وهو ما عبر عنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الحالي دونالد ترامب  صراحة دون تحديد إطار زمني دونًا عن أي تفاصيل متعلقة بالانسحاب النهائي. في ذات الوقت سحبت عدة قطعات عسكرية أمريكية ومن تلك الرديفة المنضوية ضمن التحالف الدولي.

اقرأ/ي أيضًا: تصدير التالك من أفغانستان.. الأمريكيون يتجملون وداعش يتمول

ترافقت التطورات الأخيرة في الملف الأفغاني مع تفاقم الأنباء حول تبعات كوفيد 19 في صفوف حركة طالبان، كما مراتبها القيادية المتقدمة، الذي أجبر الحركة على تبني تغييرات هيكلية ملموسة وصل صداها للاستخبارات الأفغانية ومجتمع استخبارات قوات التحالف الدولي الغازي في أفغانستان -إيساف، التي تشير تقديراتها إلى أن مسؤولية القرار القيادي في حركة طالبان الآن باتت في حجر الشاب الملا محمد يعقوب النجل الأكبر للقيادي الطالباني المؤسس الراحل الملا محمد عمر. ليأتي هذا التطور مثيرًا القلق لدى الحكومة الأفغانية  كما قوات التحالف بقيادتها الأمريكية، كون الملا محمد يعقوب محسوب على الجناح الأكثر ميلًا لخيارات الحسم العسكري مدعومًا بزخم أغلب سنوات عمره التي قضاها عضوًا فاعلًا متدرجًا في المراتب التنظيمية بعيدًا عن ظلال والده، سوى أيدولوجيًا، إضافة لما يحوزه من إجماع داخل حركة طالبان كما بيئتها الحاضنة خاصة مشايخ قبائل البشتون الداعمين صراحة للملا محمد يعقوب. وهو، أي يعقوب، لا يعوزه ما يلزم من خبرة حركية، إذ استقر في السنوات الأخيرة، على الأقل منذ 2015، ليقود الجناح العسكري للحركة في 15 مقاطعة أفغانية من أصل 34. إضافة لصلاته شبه العلنية مع أوساط تمويلية سعودية أمنت له بطاقة تجاوز الكثيرة من الخصومات مع الرتب القيادية من الجيل المؤسس والجيل الثاني في الحركة (راجع/ي كابل ويكيليكس الكامل بشأن التمويل السعودي لطالبان)، كما فتحت عليه باب إشكالات أخرى مع القيادات الطالبانية والقبائل الداعمة المحسوبة على الجناح المدعوم إيرانيًا في الحركة. ليقف على الجانب المساند ليعقوب، ضابط الاتصال السابق من طرف طالبان مع تنظيم القاعدة سراج الدين حقاني، ممثل الحركة الحالي في عديد من المشاورات مع الحكومة والقبائل على السواء، لكنه أيضًا وفق التقديرات الاستخبارية قد أصيب بعدوى كورونا، ما يجعل من مستويات القلق حول خليفته مبررة في الأوساط الاستخبارية الغربية، إذ يرجح أن يخلفه أحد أبناء الجناح الحقاني في طالبان من الجيل الثالث الشاب، أسوة بالملا محمد يعقوب، والذين يتشاركون جميعًا مقولة أن الاتفاق الذي توصلت الحركة إليه مع حكومة بلادهم ما هو إلا ترجمة لانتصارهم المؤكد والنهائي ضد التحالف الدولي.

مارست حركة طالبان سياسة عدم الاكتراث بكل دعوات تعليق إطلاق النار والهدن المتكررة التي عرضتها الحكومات الأفغانية المتعاقبة عليها منذ أن أطاح بها الغزو الأمريكي رفقة التحالف الدولي أيساف لأفغانستان من السلطة الرسمية على رأس مؤسسات الدولة سنة 2001. مما ساعد الحركة السلفية المقاتلة في الحفاظ على الموقف المتعنت كان استمرار التدفق المالي العملاق على خزائنها، ليس فقط ذلك التمويلي من السعودية والإمارات وجهاز المخابرات الباكستانية، كأبرز الداعمين وأولهم بعد فقدها للغطاء الأمريكي عبر تل أبيب الذي فاحت رائحته علانية أواسط الثمانينات في ظل رونالد ريغان خصوصًا رفقة فضيحة إيران كونترا المدوية، التي تسلح فيها نظام الملالي أمريكيًا عبر إسرائيل وقتها (مراجعة الجهد الاستقصائي لكل من سيمور هيرش وروبرت فيسك، كل على حدة، من شأنه تقديم الموضوع كاملًا)، لكن أيضًا من الموارد المليشياوية التي تعتمدها الحركة. إذ تتوزع مصادر دخل الحركة بعد التمويل الاستخباري على قطاع إنتاج الأفيون ومشتقاته كما حشيشة الكيف والاتجار بهما. كذلك الثروات المعدنية المتنوعة تحت التراب الأفغاني، رفقة الأتاوات المفروضة على جل طرقات البلاد خاصة المتصلة بالمحيط الإقليمي. يضاف لكل ذلك تجارة الرق بنسخة طالبان، التي تشكل مادتها الخام نساء وأطفال الأقليات العرقية والدينية الأفغانية وبلدان المحيط. إذ يبلغ حجم هذه العائدات، وفق تقديرات الأمم المتحدة ولجان مجلس الأمن المختصة، من قطاع إنتاج المخدرات والإتجار بها لوحده ما تفوق قيمته السوقية 400 مليون دولار أمريكي سنويًا. يضاف إلى هذا المبلغ التقريبي إلى الحد الأدنى المعقول ما تجنيه خزائن طالبان من القطاع العقاري وعديد القطاعات الاستثمارية "الشرعية" الأخرى.

لا يشكل كم الاعتماد الذاتي وشكله، رفقة البراعة في تأمين الأموال بدوافع استخبارية وأيدولوجية، أمرًا مفاجئًا لدى تتبع مسيرة حركة طالبان، بل أفغانستان برمتها. إذ عرفت البلاد الحرب على الدوام خلال 4 عقود وقتية كاملة، منذ غزو الدبابات والملالات السوفيتية للبلد الآسيوي الواعد آنذاك، أي سنة  1979، قافزة من مواجهة غزو إلى حرب/ احترابات أهلية متراكمة مستمرة حتى في ظل أطول حروب الإمبراطورية الأمريكية التي فتحت النار على أفغانستان في أعقاب غزوة مانهاتن سنة 2001، معتقدة بإمكانية الشد على خاصرة رخوة ممكنة للصين، ولم تغلق السبطانة حتى الآن، رغم الانسحاب التدريجي والمموه، على الأقل إعلاميًا، إلى حد بعيد.

كما راكمت طالبان خبرة من النادر أن تحصل لحركة شبيهة، أي تولي التحكم بمؤسسات الدولة بصفة رسمية ومعلنة، حصل هذا ما بين 1996 وصولًا لغزو واشنطن ومعها تحالف الإيساف سنة 2001. لتنتقل في حينه طالبان، ومعها الخطوط القيادية المتقدمة في تنظيم القاعدة الدولي إلى المناطق القبلية الموزعة على طرفي الحدود الأفغانية الباكستانية، تحت جناح الملا محمد عمر والشيخ أسامة بن لادن، بعلاقتهما الفريدة بمجمع الاستخبارات الباكستانية ودوائر صنع القرار في إسلام آباد.

في ذات السياق، يمكن القول بشأن متانة التنظيم الحركي الذي لطالبان أن عوامله قد ولدت معه في شكلها المؤسس، أي الوشائج القبلية والعقائدية، وهذا ما يتضح أقله من المسمى المبكر الذي أطلقه الملا محمد عمر وتلامذته المؤسسين على حركتهم، أي "إمارة البشتون الإسلامية في أفغانستان". لذلك، رفقة كل الفواعل الاستراتيجية القائمة في الوضع القائم أفغانيًا وباكستانيًا، يمكن فهم القلق والاستعداء المبكر جدًا في الأوساط الطالبانية لتنظيم الدولة الإسلامية بنسخته الأسيوية الرديفة لتلك التي أتت في العراق وسوريا.

تقف حركة طالبان اليوم في المشهد الأفغاني بتموضع إقليمي ودولي مريح لها، مؤمنة مواردها اللوجستية بالكامل ضاغطة على أي منافسة أو تهديد محتمل لنفوذها، كما فارضة على مجمل الأطراف المتدخلة أفغانيًا الإقرار بضرورتها الواقعية

بشأن العلاقة المرتبكة مع تنظيم الدولة الإسلامية، يبدو أن طالبان بكل عتادها البراغماتي لم تجد مفرًا غير المواجهة المعلنة مع تنظيم الدولة الإسلامية. وهذا يوفر إمكانية تفسير جانب أساسي منه في قلقها المتعلق بالمنافسة على البيئة الحاضنة، أحد أبرز الفواعل التي تأخذ بحسبان العمل المليشياوي وحرب العصابات. هذا أيضًا أن تنظيم الدولة بنسخته الأفغانية انطلق مخاطبًا ذات القاعدة التي لطالبان، واعدًا بمزيد من الراديكالية السلفية مستغلًا الضربات التي وجهت لطالبان والقاعدة معًا وبشكل تراكمي، على رأسها التخلص من الملا عمر وبن لادن. كما رأت طالبان في إعلان العداء والحرب الكاملة على تنظيم الدولة الإسلامية سانحة ممكنة جدًا امام إعادة تموضعها دوليًا، والتخلص من تبعات الوصم الجهادي والتجريم الدولي، لذلك نشطت تركيزها الدبلوماسي وخطابها السياسي الذي بقي مستندًا إلى قوة حضورها في الأمر الواقع، وقدرتها على خنق أي منافس حركي ممكن في السياق الأفغاني، تمامًا كما فعلت مع أحمد شاه مسعود وقواته، وحتى ورثته. هنا يحضر التنويه للأهمية المدركة لدى طالبان فيما يتعلق بمرونة بناء التحالفات كما سيولة استقطاب الاستعداء. فالمجاهدين المباركين من الله بما هم رجاله في الأرض بلسان مهندس الجهاد الأفغاني ومستشار السياسة الأمريكية وقت الغزو السوفيتي زيغينيو بريجنسكي، أصبحوا ألد أعداء واشنطن المعلنين خلال أقل من عقدين، بل وانتقلوا من حكومة معترف بها  شبه دوليًا، إلى عصابة إجرامية تتم مطاردتها من هلمند إلى قندهار، في وضح النهار فقط!. كذلك الأمر بشأن علاقتهم بإيران وباكستان، أهم المنافذ البرية اللوجستية والاستخبارية لحركة طالبان، التي إن كان من اصطلاح عليها، فهو عدم الثبات الاستراتيجي، أو إبقاء ممكنات الوصل والقطع بتنويع الأجنحة والاتصالات قائمة وفق مقتضيات الحاجة الطالبانية، لا العكس.

اقرأ/ي أيضًا: وثائق ابن لادن.. أفلام وفيديوهات وألعاب و"علاقات مع إيران"

قد يكون أكثر الأسئلة المؤدية لفهم أصلح للحالة الطالبانية في أفغانستان، بل ومجمل الحالة الأفغانية، محاولة تفسير شبكة العلاقات المصلحية الكبرى في هذا البلد، من يريد ماذا وممن تحديدًا في رقعة الشطرنج الباهرة بتاريخها ومواردها وتحوزها الجيواستراتيجي؟ هنا تحضر حركة طالبان، من موقع العليم بممكناتها، وممكنات البلد التي تهيمن على مفاصله لتعيد باستمرار، وبقوة الوضع القائم المائل بصنعها وصنع ظروف البيئة المتراكمة منذ عقد الثمانينيات إلى صالح استدامة هيمنتها على المشهد وإعادة إنتاجها للوضع القائم وذاتها ضمنه. مستفهمة ما لحالة تراجع الهيمنة الأمريكية دوليًا من أهمية وممكنات مطروحة، ليس فقط في مواجهة الصين أو ادعاء تلك المواجهة من طرف الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، بل بشأن الصراع المباشر والوكالي معها هي، أي طالبان، فكلمات دونالد ترامب، بأن بلاده متعبة من الصراع في أفغانستان، محاولًا التعميم بكلماته أن "الكل متعب هناك" عرفت طريقها إلى ماكينة التدبير الطالبانية المعتادة على التكيف والتأقلم ضمن شروط بيئتها سواء الراسخة أو المتغيرة. فأي وضع يكون أكثر إرضاء لمليشيا محترفة في حرب الغوار أكثر من أن يكون ثلثي الجغرافية السياسية التي تنشط ضمنها خارج السلطة الفعلية للدولة لصالح سلطتها هي، عوضًا عن أن التاج الذي لحركة طالبان، بموارده وشبكة علاقاته على حاله، إن لم يكن أكثر أريحية من ذي قبل. في الوقت الذي يستمر العداد الأمريكي بالتصاعد، سواء لناحية سقوط الجنود بنيران طالبان، أو لناحية المبالغ الدولارية  المنفقة، ذات الحساب الذي لم يغلق بعد، على الحرب مع طالبان والتي فاقت قيمة الإنفاق الأمريكي على إعادة تأهيل أوروبا ضمن خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، هذا وفق أرقام البنتاغون التي أعلنت تجاوزها حد الـ900 بليون دولار حتى منتهى العام الفائت.

لذلك كله تقف طالبان اليوم موقفًا قويًا لناحية التفاوض، كما لناحية فرض الأمر الواقع أفغانيًا، على الفواعل المحلية، الإقليمية والدولية كلها سويًا. لتضع سقف القبول بأي اتفاق نهائي بارتباط معلن مع انسحاب آخر جندي أمريكي من البلاد. ناهيك عن متطلبات ذات تفاصيل مرهقة ومحرجة للحكومة الأفغانية نفسها. وليأتي في زيادة "الحاجة" لطالبان لدى من يتفاوضون معها الضغوطات التي يشكلها نشاط تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض الأفغانية، وهو يحاول بدوره نسف كل الظروف الناضجة للتسليم بانتصار طالبان بعد آخر 19 سنة من الحرب عليها، بشكل أساسي عبر محاولة تفجير الوضع الميداني في الوقت الذي تنحو طالبان فيه إلى فرض الهدوء الهش المشروط، من تمثيلات المسعى الذي لتنظيم الدولة الإسلامية الهجوم على المستشفى يوم 14 أيار/مايو 2020، أو الهجوم على طاقم تلفزيوني يوم 30 أيار/مايو 2020 في ظل استمرار الانسحاب الأمريكي ودفع نتائج التفاوض نحو إتمام مجمل الصفقات المظللة باتفاق الدوحة.

لا يمكن اعتبار حالة الهدوء الهش المشروط التي نحت إليها طالبان مجرد ورقة حسن نية تقدمها على طاولة التفاوض مع الحكومة الأفغانية، أو من باب التعجيل في إتمام الانسحاب الأمريكي فقط، بل أكثر من ذلك يبدو أن قيادة الحركة الجديدة والشابة تسعى لتجنب أي اضطراب في قاعدتها التنظيمية والشعبية، كما إغلاق المنفذ على تنظيم الدولة في مهاجمتها وتسجيل نقاط على صالحها، وهذا يمكن التدليل عليه في الردود التي أقدم عليها مقاتلو الحركة في الـ27 والـ29 أيار/مايو 2020 رغم هدنة عيد الفطر، عندما تحركت الحكومة ضد بعض التموضعات الطالبانية. كما يمكن اعتبار ذلك إحدى الأوراق الاعتمادية لاستمرارية التوافق الروسي  الإيراني المدعوم صينيًا بشان طالبان، كحاجز أمان لهاتين الدولتين الجارتين بالنسبة لموضوع تنظيم الدولة، هنا عودة لمسألة بروز تنظيم الدولة الإسلامية كورقة رابحة في جيب إعادة طالبان لتموضعها إقليميًا ودوليًا، رغم ما يمكن أن يشكله ذلك من تحديات محلية يبدو أن الحركة واعية وفاعلة تجاهها، كما لا تتوانى طالبان في تعزيز قناعة جيران أفغانستان أن مشروعها ليس بالدولية التي لتنظم الدولة الإسلامية، فهي كما تظهر مؤخرًا تصر على تأكيد كونها مجرد "إمارة البشتون الإسلامية في أفغانستان" فقط.

العديد من الإجابات بشأن المقبل تبقى في جعبة طالبان وحدها بالتأكيد، وإلى حد نسبي متضائل في جعبة داعميها، لكن ما تقوله الوقائع الشاخصة في الوضع القائم لا تخرج من باب تأكيد أن حركة طالبان بصحة وعافية تسمحان لها  تحقيق مكاسب متعاظمة حتى التوصل لاتفاق سلام شامل ودائم، وهو أي اتفاق سلام من هذا النوع، أمر ممكن ووارد جدًا على العكس مما كان قائمًا في فترات شاسعة من عمر أفغانستان في ظلال طالبان، لماذا؟ لأن حركة طالبان تمكنت من تأمين مواردها وقواعدها  بشكل مستدام، متعاطية مع كل الإكراهات التي شخصت أمامها ببراغماتية شحيحة النظير في عوالم حرب الغوار وحرب الهيمنة على السلطة. إضافة إلى ما أمكنها حتى الأن من تقديمه في حلبة الصفقات الأمنية والاستخبارية، في مرمى خصومها  ومنافسيها هي، ومن قرابين منتقاة قدمتها من بين رجالاتها ورجالات القاعدة على مر 9 سنوات خلت.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لماذا لا يؤدي قتل قادة الإرهابيين إلى القضاء على منظماتهم؟

انتقام بروكسل.. القهر والقهر المضاد