تحليل إخباري: تعديل تونس الوزاري وبوادر الأزمة

تحليل إخباري: تعديل تونس الوزاري وبوادر الأزمة

يوسف الشاهد مجتمعًا بحكومة ما قبل التعديل (أمين الأندلسي/الأناضول)

مساء يوم الجمعة الماضي، وهو آخر أيام العمل في تونس، تناقلت وسائل الإعلام أخبارًا حول استقالة وزير الوظيفة العمومية والحوكمة عبيد البريكي، وهو أحد الوزراء المحسوبين على اتحاد الشغل، أكبر المنظمات النقابية في البلاد. رغم نفيه لتقديم استقالته رسميًا، لم ينف الوزير نيّته في الانسحاب من الحكومة، فيما مثّل التسريب الإعلامي جسّ لنبض رئيس الحكومة والفاعلين السياسيين عمومًا في فترة عطلة نهاية الأسبوع.

أعلن كل من حزب نداء التونس وحركة النهضة مواصلة دعمهما الحكومة مع إعلانهما عدم علمهما السابق بالتعديل الوزاري الأخير

لم تمرّ أربع وعشرين ساعة حتّى أعلنت رئاسة الحكومة على صفحتها الرسمية على الفيسبوك تحويرًا وزاريًا جزئيًا قضى بإقالة عبيد البريكي وتعويضه بخليل الغرياني عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الأعراف، كما تم بموجبه إقالة كاتب الدولة للتجارة فيصل للحفيان وتعيينه مستشارًا لرئيس الحكومة، كما سدّ هذا التعديل الشّغور في وزارة الشؤون الدينية بعد قرابة 4 أشهر من شغورها بتعيين القاضي أحمد عظوم على رأسها. وهو تعديل يُنذر بأزمة حادّة في البلاد نظرًا لطريقة إعلانه ومضمونه.

اقرأ/ي أيضًا: تعيينات المعتمدين في تونس..المخاوف المشروعة

تحوير وزاري مفاجئ دون مشاورات

حكومة "الوحدة الوطنية" التي يترأسّها يوسف الشاهد منذ تكوينها في الصيف الماضي هي نتاج "وثيقة قرطاج"، التي حدّدت الخطوط العريضة للحكومة والتي أمضت عليها 9 أحزاب و3 منظمات وطنية. وبينما كان يفترض أي تعديل في الحكومة تشاورًا بين الأطراف المكوّنة لها، تمّ هذا التعديل دون سابق إعلام أو تشاور مع هذه المكوّنات.

حيث أعلنت حركة نداء تونس، التي ينتمي إليها الشاهد، عدم علمها السابق بالتعديل، وكذلك حركة النهضة وبقية الأحزاب والمنظمات. وفي حوار تلفزي على قناة خاصة بعد يوم واحد من التحوير، قال رئيس الحكومة إن الدستور يمنحه صلاحيات التعديل الوزاري وهو ليس بحاجة لفتح حوار لمجرد تعديل جزئي على فريقه الحكومي. حيث اكتفى رئيس الحكومة بالتشديد على صلاحيته القانونية للإجراء متجاوزًا لمضمونه السياسي وخلفيات إقراره دون تشاور مع شركائه.

فممّا هو غير خفيّ على التونسيين وعلى سياسييها، المؤيدين للحكومة ومعارضيها، أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي هو عرّاب هذه الحكومة، فهو من أطلق مبادرة تكوينها وهو من اختار الأربعيني يوسف الشاهد لرئاستها، وهو من دفع نحو تعيين وزراء في الحكومة وتوضيبها إجمالًا. ولذلك توجد قناعة لدى الفاعلين بأن التحوير الوزاري هو من بنات أفكار السبسي، أو على الأقل لم يكن ليتمّ هذا التعديل دون مباركة سابقة منه. إذ لا يمكن للشاهد القيام بتعديل ملغّم بالرسائل ويغامر لإعلانه دون إعلام شركائه السياسيين دون وجود إسناد وضوء أخضر من السّبسي عرّاب منظومة الحكم في تونس.

بعيد التعديل، التأم اجتماع بين حركة نداء تونس وحركة النهضة، ضلعي الائتلاف الحكومي، وأكدا على مواصلة دعم الحكومة مع إعلانهما عدم علمهما السابق بالتعديل الوزاري والمطالبة باعتماد المشاورات في المستقبل. حيث يكشف خيار القيام بالتعديل الوزاري دون إعلام وتشاور مع أهم حزبين حاكمين تأكيد الشاهد، وربما من خلفه السبسي، على أن القيادة تعني إمكانية القيام بقرارات هامة دون لزوم الإعلام المسبق بها. ويقود حاليا حزب نداء تونس حاليًا السبسي الابن الذي لا يُنتظر أن يتخذ موقفًا جديا من خيار والده في القيام بتعديل مفاجئ، غير أن هذه الطريقة قد تكشف عن رسالة مضمونة الوصول لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من السبسي عنوانها أن رئيس الجمهورية هو "الشيخ الحاكم" ولا موجب لمجرّد إعلام ولو للصديق الحليف. فعدم إشراك حركة النهضة في هذا التعديل بمثابة "نيران صديقة" لها.

مضمونًا، سدّ الشاهد الشغور في منصب وزير الشؤون الدينية بعد إقالته للوزير السابق قبل 4 أشهر لتصريحات اعتبرت مسيئة للعربية السعودية. والوزير الجديد هو القاضي أحمد عظوم الذي شغل مناصب وزارية سنة 2011، وهو قاض يلقى تحفظًا من القضاة المناضلين، ذلك أن عظوم وجه رسالة مدحية لوزير العدل زمن بن علي. وبالتالي، أكّد هذا التعديل من جديد أن الحكومة لا تجد مانعًا مطلقًا في تعيين وزراء لديهم ارتباط بالنظام السابق، على غرارها تعيين وزراء في وقت سابق لديهم شبهات فساد مالي.

أكّد التعديل الحكومي التونسي الأخير من جديد أن الحكومة لا تجد مانعًا مطلقًا في تعيين وزراء لديهم ارتباط بالنظام السابق

أما التعديل الآخر فهو إقالة كاتب الدولة للتجارة فيصل الحفيان مع تعيينه مستشارًا في رئاسة الحكومة. هل جاء هذا التعديل بعد تقييم سلبي لأداء كاتب الدولة؟ لا يُعتقد ذلك إذا اعتبر بصفة أولية أنه من غير الجائز إقالة كاتب دولة بعد تقييم سلبي ثم يتم تعيينه كمستشار لرئيس الحكومة. في هذا الجانب، تحدثت مصادر أن إقالة كاتب الدولة جاءت بعد أسبوع من تصريح له حول تفاقم الصادرات التركية في السوق التونسية، وتم ربط هذا التصريح مع تنحية كاتب الدولة من حقيبة التجارة. يصعب الجزم حول ذلك وعليه لا يزال غامضًا السبب الحقيقي حول هذا التغيير في التركيبة الحكومية.

أما التعديل الأهمّ في الحكومة هو إقالة عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة بعد إعلان نيّته تقديم استقالته، وتعويضه بخليل الغرياني عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الأعراف. وهو تغيير جعل اتحاد الشغل يعتبر هذا التحوير الوزاري نكوصًا على وثيقة قرطاج.

هل اندلعت المعركة مع اتحاد الشغل؟

هو تعديل موجّه ضد اتحاد الشغل، هذه الخلاصة الموجزة للتعديل الحكومي، وهو ما جعل الاتحاد، الذي انتخب قيادة جديدة قبل أسابيع، يدعو لاجتماع طارئ لمكتبه التنفيذي أعقبته ندوة صحفية وبيان شديد اللهجة. حيث اعتبر الاتحاد بأن التعديل يعكس "رغبة صريحة من الحكومة في إسقاط اتفاق قرطاج" وأنه "خاضع إلى صفقات سياسيّة لا تراعي مصلحة البلاد".

فحينما أعلن السبسي مبادرته في الصيف الفارط، رفض اتحاد الشغل دعوة المشاركة في الحكومة ولكنه أعلن إسناده لها على قاعدة وثيقة قرطاج. بيد أن السبسي خيّر إقحام وزيرين محسوبين على الاتحاد هما عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومحمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية، وكلاهما كانا قياديين نقابيين في اتحاد الشغل. وقد لعب البريكي دورًا فاعلًا في المفاوضات بين الحكومة والاتحاد بخصوص قانون المالية لسنة 2017، كما تقدم الوفود الحكومية في عديد الزيارات الميدانية لمناطق تشهد احتجاجات اجتماعية، حتى عُرف البريكي بأنه "عرّاب الحكومة".

اقرأ/ي أيضًا: تونس..السبسي أنجز ثلث وعوده الانتخابية فقط

لماذا قرّر الشاهد إقالة البريكي لمجرّد إعلان الوزير نيّته في الاستقالة؟

في حوار تلفزي مع قناة خاصّة تابعه وزراء الحكومة مع الجمهور، في رسالة اتصالية حول التضامن الحكومي خلفت موجة سخرية على موقع التواصل الاجتماعي، قال الشاهد إنه أقال البريكي لـ"خرقه نواميس الحكومة"، مشيرًا أنه لا يقبل بوزير يعلن نيّته في الاستقالة دون أن يقدّمها ولذلك خيّر إقالته لإنهاء الجدل.

هذه الإقالة، التي يصرّ البريكي على اعتبارها استقالة من جانبه، وصفها الوزير بأنها "مهينة" له ذلك أنه لم يعلم بها بصفة رسمية، بل ذكر أن رئيس الحكومة هاتفه قبل ساعات من الإقالة، ولم يعلمه بقرار التخلّي عنه رغم لوم الشاهد له في هذا الاتصال على خروجه الإعلامي وإعلانه نية الاستقالة.

ما السّبب الذي جعل البريكي يعلن رغبته في الانسحاب من الحكومة منذ البداية؟

قد لا تكون الإجابة متعلّقة إلا بكيفية التعاطي مع ملف ثقيل هو معالجة الأزمة الاقتصادية فيما يتعلّق بالقطاع العمومي. فبينما يميل البريكي، وهو النقابي المخضرم، لتبنّي طرح اتحاد الشغل بخصوص عدم اتخاذ إجراءات مضرّة بالموظفين وتهدّد القطاع العام، يبدو أن رئاسة الحكومة تتجه نحو اتخاذ إجراءات قاسية. في هذا الجانب، تحدث رئيس الحكومة عن إمكانية خوصصة البنوك العمومية. وتحدثت وزيرة المالية في نفس الإطار على عدم صرف صندوق النقد الدولي لقرض لتونس، حيث يبدو أن المانح الدولي لا يزال يضغط من أجل القيام بـ"إصلاحات" يرفضها اتحاد الشغل.

التعديل التونسي الحكومي الأخير يؤشر على أزمة حادة بين الحكومة واتحاد الشغل، ويخشى معه حدوث صدام مباشر بين النقابيين والحكومة 

إن المؤشر الأخطر من الحكومة هو تعيين رجل الأعمال خليل الغرياني وهو عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الأعراف على رأس وزارة الوظيفة العمومية وذلك بدلًا من البريكي المحسوب على اتحاد الشغالين. وهي رسالة واضحة عن اتجاه نحو الخوصصة، فيما قد يكون هذا التعيين رسالة للداخل وتحديدًا لاتحاد الشغل حول تباين توجه الحكومة مع طرحه في الفترة القادمة، وكذلك رسالة للخارج وتحديدًا لصندوق النقد الدولي حول جدية الحكومة في اعتماد توصياته.

هذا التعيين لرجل أعمال على رأس وزارة القطاع العمومي اعتبره الاتحاد "خطوة استفزازية للأعوان العموميين" و"تنفيذًا لرغبة جامحة للتفريط في المرفق العمومي تلبية لتوصيات صندوق النقد الدولي"، وطالب رئيس الحكومة بمراجعة هذا التعيين.

من جانب آخر، لم يشمل التعديل الوزاري وزارة التربية التي تبنت قيادة الاتحاد مطلب نقابات التعليم بخصوص ضرورة تنحية الوزير الحالي ناجي جلول. في حواره التلفزي الأخير، أكد الشاهد تمسّكه بجلول مشيرًا لعدم أحقية النقابات المطالبة بتنحية وزير. ويكشف هذا الموقف تحديًا ثانيًا من الشاهد لاتحاد الشغل.

هل قررت الحكومة التّصعيد ضد اتحاد الشغل والمضي في صدام معه لفرض برامجها لمعالجة الأزمة الاقتصادية؟

يمثل التعديل الحكومي الأخير مؤشرًا أوليًا على اندلاع أزمة حادّة بين الحكومة واتحاد الشغل، نظرًا للتباين في طرحهما، وهو قد يُخشى معه أن تتمظهر الأزمة نحو صدام مباشر بين النقابيين والحكومة على غرار الأزمات الفارطة وتحديدًا أزمة 78.

يصعب حاليًا الجزم بخيار الحكومة في المواجهة مع اتحاد الشغل الذي تعزز موقعه داخل المشهد التونسي خاصة بعد دوره المحوري في إنجاح الحوار الوطني وحصوله على جائزة نوبل للسلام، ولا يُتوقع أن يتجه السبسي، وهو عرّاب منظومة الحكم، لهذا التوجه الصدامي خاصة وهو أي السبسي يعي جيدًا مخاطر هذا الخيار خاصة في السياق السياسي الحالي.

غير أن هذا التعديل الوزاري الملغّم بالرسائل لاتحاد الشغل قد يمثل رسالة من الحكومة على نيتها الذهاب بعيدًا لفرض توجهاتها وهو ما يستدعي بالضرورة من جهتها تحجيمًا لدور اتحاد الشغل. وهو ما لا يمكن أن تقبل به القيادة الجديدة خاصة بعد بيانها شديد اللهجة. ولذلك ستكون الفترة القادمة في تونس حاسمة بما ينذر بأزمة حادّة سيعمل الجميع على الخروج منها منتصرًا.

اقرأ/ي أيضًا: 

6 سنوات في مسار ثورة تونس..تحديات تنموية حارقة