تحقيق يعيد رسم ملابسات قتل إسرائيل لسبعة من عمال الإغاثة في غزة
6 سبتمبر 2026
أظهر تحقيق لصحيفة "الغارديان" أن سبعة من عمال الإغاثة الذين استُشهدوا في غارة جوية على غزة جرى تصنيفهم أهدافًا بموجب ممارسة يتبعها جيش الاحتلال الإسرائيلي تقوم على "الإدانة بالارتباط".
وكان مدعٍ عسكري إسرائيلي رفيع قد أعلن، الشهر الماضي، أنه لن يباشر إجراءات جنائية بشأن حادثة نيسان/أبريل 2024، حين أطلقت طائرات مسيّرة صواريخ على ثلاث سيارات تحمل بوضوح علامات منظمة "وورلد سنترال كيتشن" (المطبخ المركزي العالمي)، بعد وقت قصير من مرافقتها شحنة مساعدات غذائية إلى غزة. وأسفر الهجوم عن استشهاد ثلاثة عاملين إنسانيين بريطانيين، إلى جانب أسترالية وفلسطيني وبولندي ومواطن يحمل الجنسيتين الأميركية والكندية.
وأشارت الرواية الرسمية للجيش الإسرائيلي بشأن الحادثة إلى أخطاء محددة ارتكبها عدد قليل من الضباط. كما أُلقي باللوم على ضحايا الغارة بسبب استعانتهم بحراس مسلحين لحماية قافلة المساعدات الغذائية، ولأنهم، وفق الادعاء الإسرائيلي، "انحرفوا" عن المسار المتفق عليه.
غير أن مقابلات مع ضباط إسرائيليين كبار كانوا معنيين بالحادثة أو مطلعين على التحقيق الإسرائيلي الرسمي تشير إلى أن التحقيق تجاهل إلى حد كبير الدور الذي أدته ممارسة شائعة داخل الجيش الإسرائيلي لتحديد الأهداف في مقتل العاملين، وهي ممارسة تعرّض عمال الإغاثة والمدنيين عمومًا للخطر.
وقَتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 70 ألف فلسطيني خلال نحو ثلاث سنوات من حرب غزة. وتشير البيانات الداخلية للجيش نفسه إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع القتلى كانوا من المدنيين.
أما العامل المنهجي الآخر الذي أسهم في استشهاد عمال الإغاثة السبعة، وعدد لا يُحصى من المدنيين الآخرين، فكان إحدى المهام التي أوكلتها حكومة بنيامين نتنياهو إلى الجيش في غزة: تدمير نفوذ حماس وسيطرتها.
التبريرات الإسرائيلية
وفي سياق التبريرات الإسرائيلية للهجمات على المدنيين، قال العقيد في قوات الاحتياط نوحي مندل، الذي أصدر أوامر بتنفيذ الضربات، إن العاملين في "وورلد سنترال كيتشن" أصبحوا أهدافًا محتملة بعدما التقوا لفترة وجيزة، لم تتجاوز بضع دقائق، بحراس مسلحين افترض أنهم ينتمون إلى حركة حماس، وهو افتراض تبيّن لاحقًا أنه بلا أساس.
واعتبر مندل أن العاملين "اختلطوا" مع من وصفهم بمسلحين تابعين لحماس، موضحًا أن مفهوم "الاختلاط" يشمل "الوجود بالقرب منهم، والحديث معهم، واللعب، وقضاء الوقت معهم، وما إلى ذلك". وعندما سُئل عما إذا كان وجود رجال مسلحين يجعل القافلة بأكملها هدفًا، أجاب: "بالتأكيد".
وأضاف: "لم يكونوا أبرياء لأنهم كانوا مرتبطين بحماس".
سياسة التجريم الإسرائيلية
وكان مندل يشير إلى سياسة عامة تُعرف بالعبرية باسم "هفللاه"، أي "التجريم" أو "الإدانة"، وهي تتيح للقادة الميدانيين هامشًا واسعًا لتصنيف شخص ما باعتباره "إرهابيًا"، بما في ذلك الأشخاص الذين تتم "إدانتهم" بسبب ارتباطهم بآخرين. وغالبًا ما يجري تحديد كيفية تطبيق هذا المبدأ في قطاع معين خلال إحاطة القائد بالمهمة، التي تُنقل شفهيًا إلى الضباط الآخرين.
وعندما دُمرت قافلة "وورلد سنترال كيتشن"، لم تكن قريبة من القوات الإسرائيلية. وقال عدد من الضباط الإسرائيليين المطلعين على الحادثة إن الضربات لم تُنفذ استنادًا إلى وجود تهديد وشيك لحياة إسرائيليين، بل بهدف تنفيذ مهمة إحباط محاولات حماس للسيطرة على عمليات توزيع المساعدات.
من جهتها، قالت منظمة "وورلد سنترال كيتشن" إن القرار الإسرائيلي بعدم المضي في إجراءات جنائية "يتعارض مع الحقيقة الكاملة ويُعد مسيئًا للغاية".
وأضافت المنظمة: "في وقت الهجمات القاتلة، كان فريقنا في غزة أعزل ولم يكن يشكل تهديدًا لأي شخص. كان لدى الجيش الإسرائيلي رؤية واضحة تمامًا لمركباتنا الإنسانية التي تحمل علامات مميزة بوضوح خلال الغارات الجوية المتعددة والممتدة. وكان يعرف مسبقًا تحركات فريقنا وهويات أفراده وأنشطتهم".
ونددت بريطانيا وأستراليا وكندا بقرار المدعي العسكري، ووصفته بأنه "مخزٍ"، مؤكدةً أنها "ستواصل البحث عن إجابات" نيابة عن عمال الإغاثة القتلى. وكانت بريطانيا قد فتحت في عام 2024 تحقيقًا في وفاة أفراد الفريق البريطاني الثلاثة: جيمس كيربي، وجيمس هندرسون، وجون تشابمان.
أما الضحايا الآخرون فهم الفلسطيني سيف الدين أبو طه، والأسترالية زومي فرانكوم، والبولندي داميان سوبول، والمواطن الذي يحمل الجنسيتين الكندية والأميركية جاكوب فليكينغر.
"الغالبية سيتصرفون بالطريقة نفسها"
ضمن تحقيق "الغارديان"، قال ضابط في الجيش الإسرائيلي مطلع على حادثة مقتل عمال "وورلد سنترال كيتشن" إنه، في ضوء الظروف والإجراءات المعمول بها في الجيش، فإن الغالبية الساحقة من الضباط كانوا سيتصرفون بالطريقة نفسها التي اتبعها مندل.
وأضاف الضابط: "كان هناك رجال مسلحون إلى جانبهم. لو وضعت أشخاصًا مؤهلين في موقع اتخاذ القرار، فإن هذا ما كان سيحدث في 90% من الحالات". وتابع: "بحسب تقديري، في 99% من الحالات كانت القنبلة الأولى ستُلقى، وفي 90% كانت الثانية ستُلقى، وفي 80% كانت الثالثة ستُطلق".
وقال العميد في قوات الاحتياط أورين سولومون، الذي كان مسؤولًا عن إدارة المعركة في فرقة غزة، إن خطأ وقع في الاستنتاج بأن رجلًا مسلحًا دخل إحدى المركبات، لكنه أضاف أنه بمجرد ارتكاب ذلك الخطأ، فإن إجراءات "التجريم" قادت بصورة شبه حتمية إلى تنفيذ الضربات الصاروخية الثلاث.
وقال سولومون: "إذا صنفت هذه المركبة مسبقًا على أنها تابعة لحماس، فإن أي شخص يهرب منها ويدخل مركبة أخرى، فالموت سيأتيه. وسيموت من معه أيضًا. هذا يتوافق مع قواعد التجريم، ولا توجد مشكلة".
لكن ضابطًا كبيرًا شارك في التحقيق العسكري الإسرائيلي الأولي في قضية "وورلد سنترال كيتشن" قال إن مندل تجاوز الحدود في تفسير قواعد التجريم.
عامل منهجي آخر
أما العامل المنهجي الآخر الذي أسهم في استشهاد عمال الإغاثة السبعة، وربما عدد لا يُحصى من المدنيين الآخرين، فكان إحدى المهام التي أوكلتها حكومة بنيامين نتنياهو إلى الجيش في غزة: تدمير نفوذ حماس وسيطرتها.
وكان ذلك يعني أن أي شخص يُعتبر مشاركًا في إدارة حماس أو مساعدًا لها، بما في ذلك من يشاركون في توزيع المساعدات، قد يجد نفسه في مرمى مشغلي الطائرات المسيّرة الإسرائيلية.
وقال مندل: "أذكّركم بأن جزءًا من مهمتنا كان سحق قدرة حماس على الحكم. وكان جزء من المهمة هو ضرب هذا الأمر، أي عمليات توزيع المساعدات التي تسيطر عليها حماس، وقد ضربناه".
وتشير مقابلات مع ضباط في الجيش الإسرائيلي إلى انتشار اعتقاد واسع في صفوفه بأن حماس سيطرت على الجزء الأكبر من شحنات المساعدات الداخلة إلى غزة. لكن تحليلات لاحقة أظهرت أن هذا الافتراض لم يكن قائمًا على أساس.
وقال الضابط الإسرائيلي المطلع على الحادثة إنه كان من الممارسات الشائعة تصنيف أي رجل مسلح في غزة على أنه من حماس، كما فعل مندل.
وأضاف الضابط: "كيف تحدد أنه من حماس؟ يكون قريبًا من أسلحة، ويلمس الشاحنات، ويقوم بأشياء مختلفة توحي بأنه على وشك السيطرة على الشاحنات".
ويُظهر دور مبدأ "التجريم" في مقتل عمال "وورلد سنترال كيتشن" كيف أصبح هذا المبدأ عاملًا في الارتفاع التاريخي لنسبة المدنيين الذين استُشهدوا في حرب غزة.
نقرؤون المزيد في: بين "الخط الأصفر" واستهداف الأجهزة الأمنية: نتنياهو "يرسّخ" معادلة الاحتلال في غزة