تحقيق يرصد أسباب أكبر موجة مغادرة للإسرائيليين من فلسطين المحتلة خلال 3 سنوات
15 أغسطس 2026
في تحقيق مطول، ترصد صحيفة "فايننشال تايمز" مغادرة نحو 150 ألف إسرائيلي لفلسطين المحتلة خلال السنوات الثلاث الماضية، في موجة هجرة استثنائية هي الأولى من نوعها التي تسجل فيها دولة الاحتلال ميزان هجرة سلبيًا بصورة متتالية على مدى سنوات، وسط تداعيات الحرب المستمرة، والانقسامات السياسية والاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد مخاوف تل أبيب من تحول المغادرة إلى نزيف للكفاءات يهدد قطاعات التكنولوجيا والصحة والجيش والمالية العامة.
وتشير الصحيفة إلى أن صافي الهجرة تحول إلى السالب في عامي 2023 و2024 نتيجة تزامن ارتفاع أعداد المغادرين مع تراجع أعداد الوافدين إلى إسرائيل، فيما يتوقع محللون أن تظهر البيانات النهائية لعام 2025 استمرار الاتجاه نفسه. وهذه ظاهرة شديدة الندرة منذ نشأت الكيان الإسرائيلي، إذ لم يحدث أن سجلت هجرة صافية سالبة سوى ثلاث مرات خلال القرن السابق، وكانت حالات منفردة وليست متتالية.
ويقول أستاذ الديموغرافيا الفخري في الجامعة العبرية بالقدس سيرجيو ديلا بيرغولا إن هذه هي "المرة الأولى خلال 100 عام التي يوجد فيها ميزان سلبي مستمر في سنوات متتالية"، مشيرا إلى تسجيل حالات منفردة في عشرينيات القرن الماضي، قبل احتلال فلسطين عام 1948، ثم في خمسينيات وثمانينيات القرن الماضي. ويصف الوضع الحالي بأنه "استثنائي تمامًا".
وبحسب دراسة حديثة لباحثين من جامعة تل أبيب، استبعدت المهاجرين الجدد الذين عاشوا في إسرائيل أقل من ثلاث سنوات، غادر نحو 100 ألف إسرائيلي خلال عامي 2023 و2024، فيما قدرت الدراسة أن ما بين 45 ألفا و50 ألفا آخرين غادروا خلال 2025، ليرتفع الإجمالي خلال السنوات الثلاث إلى قرابة 150 ألف شخص.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة بالنظر إلى أن إسرائيل أسست كيانها تاريخيًا عبر استقطاب المهاجرين اليهود من أنحاء العالم. وبين عامي 1948 و1960، شكلت الهجرة 65% من النمو السكاني.
ارتفعت أعداد المغادرين مع بدء الأزمة المرتبطة بالتعديلات القضائية، قبل أن تقفز بصورة حادة عقب هجوم السابع من أكتوبر، إذ غادر 14 ألف إسرائيلي خلال ذلك الشهر وحده
الحرب والانقسام السياسي
تربط "فايننشال تايمز" موجة المغادرة بمرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات بدأت مطلع 2023، عندما أطلقت حكومة بنيامين نتنياهو خطة مثيرة للجدل لإجراء تعديلات في النظام القضائي، ما فجّر أكبر موجة احتجاجات. ثم جاءت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول والحرب على غزة، التي تحولت لاحقًا إلى صراع إقليمي طويل امتد إلى جبهات مع إيران وحزب الله وجماعة الحوثي في اليمن وجماعات مسلحة أخرى في المنطقة.
وارتفعت أعداد المغادرين مع بدء الأزمة المرتبطة بالتعديلات القضائية، قبل أن تقفز بصورة حادة عقب هجوم السابع من أكتوبر، إذ غادر 14 ألف إسرائيلي خلال ذلك الشهر وحده.
وأجرت أستاذة علم اجتماع الهجرة والديموغرافيا ليلاخ ليف آري دراسة نوعية خلال عامي 2024 و2025 شملت 71 إسرائيليًا هاجروا إلى الولايات المتحدة. وأظهر المشاركون قلقًا متزايدًا من المناخ السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل، ولا سيما بعد أزمة التعديلات القضائية، وكانت هذه المخاوف أكثر حضورًا لدى من غادروا خلال السنوات الثلاث الأخيرة مقارنة بمن هاجروا في مراحل سابقة.
وتقول ليف آري إنه بات من الممكن "بالتأكيد إضافة الأجواء الاجتماعية والسياسية في إسرائيل إلى أسباب موجة الهجرة الأخيرة".
ويعرض التحقيق نماذج لإسرائيليين غادروا بسبب هذا المناخ. ومن بينهم امرأة انتقلت مع عائلتها إلى إسبانيا هذا العام بعد سنوات من القلق من تنامي تأثير التيارات الدينية والقومية المتشددة في المجال العام والمدارس والجيش. وتقول إنها بدأت تخشى أن يضطر أطفالها مستقبلا إلى الخدمة في جيش "يسيطر عليه أشخاص تختلف قيمهم عن قيمي ولم أعد أثق بهم".
أما جوناثان، وهو موظف في قطاع العقارات في الثلاثينيات من عمره، فغادر تل أبيب مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام 2024. ويقول إن أحد المنعطفات التي دفعته إلى اتخاذ القرار كان حديثه مع طفل في الخامسة أو السادسة من عمره أخبره بأنه سيلتقيه ليلًا في ملجأ المبنى، في إشارة إلى اعتياد الأطفال الحياة تحت تهديد الصواريخ. ويضيف أن الإسرائيليين عاشوا لسنوات في حالة دائمة من "القتال أو الهروب"، وأن اجتماع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية جعل الوضع بالنسبة إليه غير قابل للاستمرار.
خطر نزيف أصحاب الكفاءات
لكن القلق الأكبر الذي يرصده التحقيق يتعلق بنوعية المغادرين، وليس بأعدادهم فقط. فقد وجدت دراسة صادرة عن سلطة الضرائب الإسرائيلية أن معدل مغادرة الإسرائيليين ذوي الدخل المرتفع، ومن بينهم العاملون في التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، بلغ في عامي 2023 و2024 نحو ضعف مستواه في 2019.
وحذرت الدراسة من أنه إذا استمر الاتجاه نفسه، فقد تصل الخسائر السنوية في الإيرادات الضريبية خلال خمس سنوات إلى 3.5 مليارات دولار.
وتوصلت دراسة أخرى لباحثين من جامعة تل أبيب إلى ارتفاع صافي أعداد المغادرين بين الأطباء والمهندسين والأشخاص الذين تلقوا تعليمًا في مجالات التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات.
وأشارت "الفايننشال تايمز" إلى نقطة أخرى، أنه كلما ازداد عدد الإسرائيليين الذين يستقرون في الخارج، تنشأ مجتمعات وشبكات اجتماعية تسهل انتقال آخرين وتمنح المغادرين شعورًا أكبر بالاستقرار، ما قد يعزز الهجرة ويزيد وتيرتها.
وفي محاولة لعكس الاتجاه، بدأت الحكومة الإسرائيلية تقديم حوافز لأصحاب المهارات للعودة، بينها إعفاءات ضريبية على الدخول المتحققة خارج البلاد وآليات لاحتساب الضرائب المدفوعة في الخارج. إلا أن التحقيق يخلص إلى أن العامل الحاسم سيظل مرتبطًا بالتطورات السياسية والأمنية.
وبالنسبة إلى جوناثان، يقول إن الشعور بالأمان وعدم الاضطرار إلى الركض نحو الملاجئ حسّن نوعية حياة عائلته، مضيفًا أن العودة في الوقت الراهن لا تبدو "الخيار الأفضل" بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين يمتلكون القدرة الاجتماعية والاقتصادية على بناء حياة في مكان آخر.
تقرؤون المزيد في: من المساعدات إلى الاندماج.. هل تتغير طبيعة التحالف العسكري الأميركي الإسرائيلي؟









