تحقيق.. منجم يغذي أسواق التكنولوجيا العالمية ويمول المتمردين في الكونغو
14 أغسطس 2025
تعد المعادن النادرة كلمة السر في فهم الصراع المستمر شرق الكونغو منذ أكثر من ثلاثة عقود. ومع تزايد الاهتمام العالمي بهذه المعادن التي تدر أرباحًا طائلة على المتاجرين بها، يصبح من الصعب توقّع صمود أي اتفاق سلام بين أطراف النزاع، المتمثلين أساسًا في متمردي حركة "إم 23" المدعومين من رواندا من جهة، والسلطات الكونغولية والمليشيات المتحالفة معها من جهة أخرى.
وقد ازداد الاهتمام الإعلامي بالملف مع دخول الولايات المتحدة على خط الوساطة بين الكونغو ورواندا، سعيًا للتوصل إلى اتفاق سلام يتضمن وعودًا باستثمارات أميركية بمليارات الدولارات في المنطقة بعد توقف القتال.
وفي موازاة هذه الجهود، تجري في الدوحة مفاوضات سلام بين متمردي "إم 23" والحكومة الكونغولية.
يسيطر متمردو حركة إم23 على أحد أكبر مصادر معدن الكولتان في العالم
الصراع على المعادن
يسيطر متمردو حركة "إم 23" على أحد أكبر مصادر الكولتان في العالم، وهو منجم "روبايا" الواقع وسط التلال المحيطة بمدينة شرقي الكونغو، التي استولوا عليها في كانون الأول/ديسمبر 2024.
تحقيق جديد أجرته وكالة "رويترز" سلّط الضوء على هذا المنجم الذي يغذي "أسواق التكنولوجيا العالمية" ويموّل في الوقت نفسه متمردي "إم 23"، بينما أصبح أيضًا هدفًا للمستثمرين الأميركيين الساعين إلى الاستحواذ على ثروات الكونغو المعدنية.
يعد منجم روبايا من بين أغنى المناجم بخام الكولتان، أحد أكثر المعادن طلبًا لدى شركات تصنيع الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب والمكونات الفضائية وتوربينات الغاز، ما يجعله ساحة تنافس متصاعد بين الشركات الأميركية والصينية.
ووفق تحقيق "رويترز"، ينتج المنجم نحو 15% من الكولتان عالميًا، ومع ذلك تتم عمليات الاستخراج داخله يدويًا على أيدي عمّال فقراء يعملون بنظام المياومة مقابل دولارات قليلة.
بعد استخراج الخام، يُحمَّل على دراجات نارية لنقله إلى مراكز تجميع محصنة، ومنها يُشحن عبر رواندا إلى الأسواق العالمية، خاصة في آسيا، حيث يُحوَّل إلى معدن التنتالوم المقاوم للحرارة، والذي تتجاوز قيمته 300 دولار للكيلوغرام.
لذا، تمثل السيطرة على هذا المنجم "الجائزة الكبرى" في الصراع المحتدم بالكونغو منذ تسعينيات القرن الماضي، في أعقاب الإبادة في رواندا التي قُتل خلالها نحو مليون من التوتسي على أيدي مليشيات الهوتو، الذين فر كثير منهم إلى الكونغو، وهو ما تتخذه رواندا ذريعة للتدخل بدعوى مطاردة مرتكبي الإبادة.
أساليب التهريب
استولت حركة "إم 23" على منجم روبايا في نيسان/أبريل 2024، ووفقًا للتقارير الأممية نهبت منذ ذلك الحين ثروات المنطقة لتمويل تمردها وتثبيت سيطرتها على مساحات واسعة شرقي الكونغو. وفي آذار/مارس الماضي، أضافت الحركة إلى مناطق نفوذها مدينتي غوما وبوكافو الواقعتين على الحدود مع رواندا، ما سهّل عمليات تهريب الكولتان من روبايا عبر المدينتين إلى رواندا، حيث يُخلط بالإنتاج الرواندي لإخفاء مصدره الأصلي.
وذكر آخر تقرير للأمم المتحدة (كانون الأول/ديسمبر 2024) أن تجارة الكولتان بلغت مستويات غير مسبوقة منذ سيطرة المتمردين على روبايا، إذ أنشأوا هناك إدارة موازية تتحكم في التعدين والتجارة والنقل وفرض الضرائب على المعادن المستخرجة، التي تُقدّر كمياتها بنحو 20 طنًا يوميًا.
وأكد تحقيق "رويترز" أن المتمردين يفرضون ضريبة بنسبة 15% على قيمة الكولتان الذي يشتريه التجار من المنقبين غير الرسميين، ما يدر على الحركة نحو مليون دولار شهريًا من هذه الرسوم وحدها.
بهذه العوائد ضمنت "إم 23" شريانًا ماليًا يموّل عملياتها العسكرية ويعزز وجودها في المنطقة، لكن ذلك يتم، وفق التقارير الأممية وتحقيق "رويترز"، على حساب السكان المحليين، حيث تُستخدم عائدات التعدين غير القانوني في تغذية النزاع، فيما لا يعود على الأهالي سوى القليل، وسط تفشي استغلال الأطفال في العمل بالمناجم.
عقوبات
فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء الماضي، عقوبات على مجموعات متهمة بالضلوع في تهريب معادن الكونغو، من بينها مليشيا محلية موالية للسلطات في كينشاسا تُعرف باسم "باريكو-إف إف"، التي سيطرت على منجم روبايا بين عامي 2022 و2024.
ولاحظ مراقبون استثناء حركة "إم 23" من العقوبات الجديدة، رغم أنها تسيطر حاليًا على منجم روبايا وتثبت الأدلة والقرائن تورطها في تهريب الكولتان من المنجم إلى رواندا ومنها إلى الأسواق العالمية.
وصرح مسؤول أميركي كبير لـ"رويترز" أن استثناء "إم 23" جاء لأنها خاضعة بالفعل لعقوبات منذ عام 2013 بسبب دورها في إشعال الصراع شرق الكونغو.
لكن عضوًا سابقًا في فريق التحقيق الأممي في الكونغو اعتبر أن عدم استهداف الحركة بعقوبات جديدة متعلقة بالتعدين أمر "مفاجئ"، مرجحًا أن يكون الهدف من ذلك "الحفاظ على مسار مفاوضات الدوحة".
الاهتمام الأميركي
يحظى منجم روبايا باهتمام مستثمرين أميركيين، بحسب تحقيق أجرته وكالة "رويترز"، ويأتي هذا الاهتمام في إطار أوسع يتمثل في مساعي إدارة ترامب السابقة لاستغلال ثروات المنطقة عبر اتفاق سلام ترعاه واشنطن بين كينشاسا وكيغالي.
وتضم منطقة شرق الكونغو خامات معدنية رئيسية، من بينها الكوبالت والذهب والنحاس والليثيوم والماس، فيما يهيمن الصينيون حاليًا على قطاع التعدين النظامي هناك. ويُعد ذلك عاملًا إضافيًا في تسريع الجهود الأميركية للتوصل إلى اتفاق سلام يفتح الباب أمام المستثمرين الأميركيين.
وذكر التحقيق أن شركة "أميركا فيرست غلوبال"، التي يرأسها جنتري بيتش — أحد ممولي حملة ترامب الرئاسية الأولى — تسعى للتفاوض على حقوق استغلال منجم روبايا.
وقد واجهت هذه المفاوضات انتقادات من بعض الشيوخ الديمقراطيين في الكونغرس، إذ وجّه 50 عضوًا رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي أعربوا فيها عن مخاوفهم من حصول أحد حلفاء ترامب على حقوق تطوير المنجم، معتبرين ذلك تضاربًا صارخًا في المصالح.
في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أنه يسعى إلى صفقة "مربحة للجميع اقتصاديًا وسياسيًا" مع كل من رواندا والكونغو.