تحقيق| شريان مالي سري يربط طهران ببكين.. كيف يعمل؟
10 سبتمبر 2026
استخدمت إيران ترتيبًا يشبه نظام المقايضة للالتفاف على العقوبات المفروضة على مبيعاتها النفطية وشراء سلع من الصين بقيمة مليارات الدولارات، بما في ذلك معدات عسكرية، وفق ما قال مصدران إيرانيان رفيعا المستوى وثلاثة أشخاص آخرين مطلعين على الأمر لوكالة "رويترز".
وتقوم آلية التجارة السرية على مبادلة النفط الإيراني بأرصدة تُستخدم لتمويل واردات من الصين، وقد وفرت لطهران شريانًا ماليًا خلال السنوات الأخيرة، في وقت صعّدت فيه الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على إيران بسبب برنامجها النووي، وفق المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها.
كما ساعدت هذه الآلية الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، على مواصلة الحصول على النفط الإيراني بأسعار مخفضة، مع حماية البنوك والشركات التي تصدّر إلى إيران من التدقيق الدولي أو العقوبات، وفق المصادر.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على بعض الكيانات الصينية الصغيرة التي تشتري النفط الإيراني أو تسهّل شحنه، لكنها امتنعت حتى الآن عن اتخاذ إجراءات أشد قد تترتب عليها تداعيات على الاقتصاد العالمي.
وصعّدت واشنطن الضغوط في وقت تحاول فيه إنهاء حربها مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. وفي آب/أغسطس، حذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول من مواصلة العلاقات التجارية مع إيران، مهددًا بحرمانها من النظام المالي القائم على الدولار.
ولم تنجح أي شحنة من النفط الخام الإيراني في عبور مضيق هرمز باتجاه الصين منذ إعادة فرض الحصار في 14 تموز/يوليو، وفق ما أفادت "رويترز" الأسبوع الماضي.
ونددت الصين وإيران مرارًا بما تعتبرانه عقوبات غربية أحادية الجانب وغير قانونية، وتعهدتا بحماية مصالحهما. ويرتبط البلدان بشراكة اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، لكنهما لم يكشفا علنًا سوى القليل عن الأساليب التي يستخدمانها لمواصلة التجارة رغم القيود الدولية.
لم تنجح أي شحنة من النفط الخام الإيراني في عبور مضيق هرمز باتجاه الصين منذ إعادة فرض الحصار في 14 تموز/يوليو
كيف تعمل الآلية؟
وفق المعلومات التي جمعتها أجهزة استخبارات واطلعت عليها المصادر، تعمل الآلية على النحو الآتي:
- يودع مشترٍ يعمل نيابة عن "تشوهاي تشنرونغ" مئات الملايين من الدولارات شهريًا لدى كيان مالي يُعرف باسم "تشوشين".
- تغطي هذه الودائع مشتريات متفقًا عليها مع شركة مسجلة في هونغ كونغ ومرتبطة بشركة النفط الوطنية الإيرانية.
- ترسل "تشوشين" الأموال إلى المصدرين الصينيين والشركات التي تنفذ مشروعات بنية تحتية في إيران، على الأرجح عبر مؤسسات مالية صينية أخرى.
- يُخصص نحو 70% من عائدات النفط الإيراني التي تتعامل معها "تشوشين" لمشروعات البنية التحتية.
- تذهب بقية الأموال إلى حسابات تابعة لكيان ذي غرض خاص، يُستخدم لدفع مستحقات الشركات التي تزود إيران بالسلع.
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" أول من كشف، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عن تخصيص جزء كبير من عائدات النفط الإيراني لمشروعات البنية التحتية.
وأكد المصدران الإيرانيان، المقربان من دائرة صنع القرار في البلاد، وجود الكيان ذي الغرض الخاص.
وقالت المصادر الخمسة إن الأموال الموجودة في هذا الكيان تديرها جهتان، إحداهما شركة تعمل نيابة عن وزارة التجارة الصينية، والأخرى مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني.
وتُبلغ الشركة المرتبطة بإيران نظيرتها الصينية عندما يسمح البنك المركزي الإيراني للمستوردين بالوصول إلى الأموال الموجودة في الكيان، لتُرسل المدفوعات بعد ذلك إلى الموردين.
معدات عسكرية وأدوية
استخدمت إيران هذا الترتيب لشراء مجموعة من السلع الصينية، وفق المصادر، من بينها:
- أدوية ومنتجات طبية.
- مركبات.
- معدات اتصالات.
- معدات دفاع جوي بقيمة ملايين الدولارات.
وبحسب المصادر، استُخدمت الآلية مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي في إطار عقود لتزويد إيران بمعدات دفاع جوي قيمتها ملايين الدولارات.
وأُعيد في أيلول/سبتمبر 2025 فرض حظر أممي على تصدير معظم الأسلحة التقليدية الرئيسية إلى إيران، إلى جانب عقوبات أخرى، بعدما كانت الولايات المتحدة قد انسحبت خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، ثم توقفت طهران عن الالتزام ببعض بنوده.
وقالت إيران والصين إن خطوة الدول الأوروبية لإعادة فرض العقوبات تلقائيًا من خلال آلية "سناب باك" كانت "معيبة قانونيًا وإجرائيًا".
موقف الصين وواشنطن
وردًا على أسئلة "رويترز" بشأن تجارة المقايضة، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها "ليست على دراية بالوضع الذي تصفونه".
وأضافت: "عارضت الصين باستمرار العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى القانون الدولي ولم يأذن بها مجلس الأمن الدولي".
وردًا على أسئلة موجهة إلى البيت الأبيض، قال مسؤول أميركي إن إدارة ترامب تعمل مع شركاء اقتصاديين، بينهم الاتحاد الأوروبي، بهدف "حرمان إيران من الوسائل المادية التي تساعدها على المضي في طموحاتها النووية".
تجنب القنوات المصرفية الدولية
أدت عقود من العقوبات الأميركية إلى تقليص عدد زبائن النفط الإيراني، فيما تعد الصين المشتري الرئيسي، إذ استحوذت على أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون خلال عام 2025، بمتوسط بلغ 1.4 مليون برميل يوميًا، وفق شركة "كبلر" المتخصصة في بيانات وتحليلات السلع الأولية.
وفي عام 2021، وقّع البلدان اتفاق شراكة إستراتيجية لمدة 25 عامًا يشمل قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية، إلا أن التفاصيل المعلنة بشأن الاتفاق لا تزال محدودة.
ويعد الترتيب الذي وصفته المصادر لـ"رويترز" واحدًا من عدة آليات تستخدمها إيران لشراء السلع والخدمات من الصين من دون دفع الأموال مباشرة إلى الشركات الصينية عبر القنوات المصرفية الدولية، وفق ثلاثة من المصادر.
وبحسب مسؤول غربي وشخصين آخرين مطلعين على الأمر، كان مشترٍ يعمل نيابة عن شركة تجارة النفط الصينية الحكومية "تشوهاي تشنرونغ"، على الأقل حتى العام الجاري، يودع مئات الملايين من الدولارات شهريًا لدى كيان مالي غامض مقره الصين يُعرف باسم "تشوشين".
وثائق وعلاقات تجارية
تظهر في سجل الشركات في هونغ كونغ شركات تحمل الأسماء نفسها لتلك التي قيل إنها تعمل نيابة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية و"تشوهاي تشنرونغ".
وشارك أحد المصادر مع "رويترز" ما بدا أنها رسالة مؤرخة في 22 تموز/يوليو 2025 من شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى شركة تجارة النفط الصينية، تطلب فيها تأكيد رصيد مالي مستحق. وقال المصدر إن الوثيقة تمثل دليلًا على وجود علاقة تجارية بين الطرفين.
وقالت ثلاثة مصادر إن الآلية التي وصفتها "رويترز" قائمة منذ عام 2021 على الأقل، واستخدمت في البداية لتزويد إيران بالأدوية ولقاحات "كوفيد-19".
وأضافت أنه مع تصعيد واشنطن ضغوطها على الشركات التي تتعامل مع إيران، اكتسبت هذه الآلية أهمية متزايدة في استمرار التجارة بين البلدين.
وقدرت المصادر أن ما بين ملياري دولار و2.5 مليار دولار تدفقت عبر الكيان ذي الغرض الخاص خلال العام الماضي.
تقرؤون المزيد في: شرح العقوبات الأميركية على إيران.. الدول والكيانات