تحقيق: إسرائيل نشرت قوات سرية في أربع دول خلال حربها على إيران
5 يونيو 2026
كشفت أربعة مصادر مطلعة أن إسرائيل نشرت سرًا وحدات عسكرية واستخباراتية نخبوية في أذربيجان خلال الحرب مع إيران في 28 شباط/فبراير، ضمن شبكة مواقع سرية في الشرق الأوسط هدفت إلى تسهيل العمليات ضد طهران.
وقالت مصدران إن القوات عملت من عدة مواقع في جنوب أذربيجان، بمحاذاة الحدود الشمالية لإيران، وعلى مسافة تُقدَّر بنحو 96 كيلومترًا من مدينة تبريز الإيرانية، التي استهدفتها إسرائيل خلال الحرب.
وأضاف المصدران الآخران أن وحدات كوماندوس خاصة نُشرت أيضًا في تلك المواقع، ونفذت مهام جمع معلومات استخباراتية وعمليات بالطائرات المسيّرة، ما منح إسرائيل موقعًا متقدمًا لمراقبة شمال إيران خلال الحرب.
ويُعد هذا الانتشار السري في أذربيجان، الذي كشفت عنه "سي إن إن" للمرة الأولى، واحدًا من عدة مواقع عسكرية احتفظت بها إسرائيل في أنحاء الشرق الأوسط، ما منح جيشها قدرة انتشار غير مسبوقة.
وقالت المصادر لـ"سي إن إن" إن المواقع في أذربيجان كانت ضمن شبكة أوسع من القواعد والمواقع العسكرية السرية في عدة دول، من بينها العراق والإمارات وأرض الصومال. وأوضحت أن هذه القوات خُطط لها في البداية كفرق إنقاذ محتملة في حالات الطوارئ، قبل أن يتوسع دورها لتتحول إلى مواقع عسكرية واستخباراتية متقدمة.
وأضافت المصادر أن هذه الانتشارات وضعت القوات الإسرائيلية على الأطراف الجنوبية والغربية والشمالية لإيران خلال الحرب، ما وسّع نطاق عمل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي الإيرانية، وساعده على تنفيذ موجات متكررة من الضربات ضد أهداف في أنحاء البلاد.
وبحسب أحد المصادر، ضمت العملية في أذربيجان عشرات الجنود، بينهم عناصر من قوات العمليات الخاصة الإسرائيلية، ووحدات النخبة المحمولة جوًا للقتال والإنقاذ، إضافة إلى عناصر من جهاز الموساد.
قالت المصادر لـ"سي إن إن" إن المواقع في أذربيجان كانت ضمن شبكة أوسع من القواعد والمواقع العسكرية السرية في عدة دول، من بينها العراق والإمارات وأرض الصومال
قوات إسرائيلية في أربع دول
من جهته، قال متحدث باسم السفارة الأذربيجانية في الولايات المتحدة، في بيان لـ"سي إن إن": "نرفض بشكل قاطع الادعاءات التي لا أساس لها بشأن استخدام أراضي أذربيجان لعمليات ضد دول ثالثة."
وفي سياق متصل، قال أحد المصادر إن جمهورية أرض الصومال الانفصالية في القرن الأفريقي وفّرت لإسرائيل موقعًا عسكريًا إضافيًا، يسمح للطائرات الإسرائيلية بالتوقف المحتمل خلال الرحلات بعيدة المدى إلى إيران. وكانت إسرائيل قد أصبحت في كانون الأول/ديسمبر أول دولة تعترف رسميًا بأرض الصومال، فيما تحتفظ الإمارات بحضور تجاري وعسكري واسع في مدينة بربرة الساحلية.
كما احتفظ الجيش الإسرائيلي بمنشأتين سريتين في العراق خلال جزء من الحرب مع إيران، لتوفير قواعد دعم لوجستي وعمليات بحث وإنقاذ عند الحاجة. وكانت "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" أول من كشف عن الموقعين. وفي بيان رسمي، قال الجيش العراقي إنه لا توجد "قواعد أو قوات غير مصرح بها" داخل البلاد حتى أوائل آذار/مارس.
وفي الإمارات، نشرت إسرائيل بهدوء بطارية دفاع جوي من منظومة القبة الحديدية، إلى جانب القوات اللازمة لتشغيلها، خلال الحرب مع إيران، وفق ما كشفه موقع "أكسيوس"، إضافة إلى أنظمة دفاعية أخرى. وكانت "سي إن إن" قد أفادت سابقًا بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد وقائد الجيش الإسرائيلي زاروا الإمارات خلال الحرب، الأمر الذي دفع أبوظبي إلى إصدار نفي شديد اللهجة لهذه الزيارة.

الشراكة بين أذربيجان وإسرائيل
اعتُبرت أذربيجان شريكًا استراتيجيًا لإسرائيل، إذ منح الوجود العسكري فيها تل أبيب قاعدة إضافية لتنفيذ عمليات إنقاذ جوي في حال إسقاط طيارين، فضلًا عن مواقع للتجسس على إيران.
وترى إسرائيل منذ سنوات أن أذربيجان شريك استراتيجي في مواجهتها مع إيران، فيما بدأت التحضيرات قبل أسابيع من الضربات الافتتاحية للحرب. وقال مصدران مطلعان لـ"سي إن إن" إن إسرائيل أعدّت في منتصف كانون الثاني/يناير مهمة سرية على الحدود الأذربيجانية–الإيرانية، بالتزامن مع قمع إيران احتجاجات واسعة وقتل متظاهرين بأعداد كبيرة. وأوضح المصدران أن العملية كانت تمهيدية، هدفت إلى وضع أسس لخطوات لاحقة عبر زرع أجهزة تنصت ومعدات استخباراتية في المنطقة.
وكانت إسرائيل تخطط لتنفيذ العملية بالتزامن مع الضربات الافتتاحية للحرب في منتصف كانون الثاني/يناير، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألغى الضربات في اللحظة الأخيرة، قائلًا إن إيران وافقت على وقف قتل المتظاهرين. لكن إسرائيل مضت في العملية بشكل منفرد.
زيارات متبادلة
واستخدم سلاح الجو الإسرائيلي طائرات شبح وقوات خاصة ضمن العملية لتركيب الأجهزة، بعدما اعتقدت القيادة السياسية الإسرائيلية أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران محكوم عليها بالفشل. وتحول موقع جمع المعلومات الاستخباراتية إلى وسيلة إضافية لمراقبة التحركات والمنشآت العسكرية الإيرانية، فضلًا عن إمكانية توفير إنذار مبكر بشأن إطلاق الصواريخ.
وبعد أقل من أسبوعين، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر العاصمة الأذربيجانية باكو، حيث التقى الرئيس الأذربيجاني ومسؤولين كبارًا. وفي أيار/مايو 2025، استضافت أذربيجان سرًا أيضًا محادثات مباشرة نادرة بين إسرائيل وسوريا.
وقال أحد المصادر إن من أبرز العمليات التي انطلقت من أذربيجان عملية اغتيال رحمن مقدم في 4 آذار/مارس، وهو رئيس قسم الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني، والذي قالت إسرائيل إنه كان مسؤولًا عن التخطيط لمحاولة اغتيال ترامب عام 2024.
وبعد يوم واحد، استهدفت طائرات مسيّرة مطارًا في إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني، المتمتع بالحكم الذاتي، ما أدى إلى تضرر مبنى في المطار وإصابة عدد من الأشخاص. واتهم الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إيران بالوقوف وراء الهجوم، واصفًا إياه بأنه "عمل إرهابي" و"قبيح وجبان ومخزٍ"، فيما نفت طهران إطلاق المسيّرات.
وفي 6 آذار/مارس، أعلن جهاز أمن الدولة الأذربيجاني إحباط مخطط للحرس الثوري لاستهداف بنى تحتية حيوية، إضافة إلى أهداف إسرائيلية ويهودية. وبعد أسابيع، أقرت إسرائيل علنًا بأن العملية كانت مشتركة بين الموساد والجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك".
وتوفر باكو لإسرائيل جزءًا كبيرًا من احتياجاتها النفطية، بينما تبيع إسرائيل لأذربيجان أسلحة متطورة استُخدم بعضها في نزاعي ناغورنو–كاراباخ عامي 2016 و2020 ضد أرمينيا. كما كانت أذربيجان أول دولة أجنبية تشتري منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية عام 2016.
وكتب غيرشون كوغان، المتخصص في الشأن الإيراني في مركز "بيغن–السادات" للدراسات الاستراتيجية، قبل اندلاع الحرب مع إيران، أن "الاستراتيجية الإسرائيلية في أذربيجان تبقى منخفضة الظهور عمدًا، وتعتمد على نقل الأسلحة والتعاون الاستخباراتي والترابط التكنولوجي طويل الأمد في القطاع الأمني."
تقرؤون المزيد في: قاعدة إسرائيلية في الصحراء العراقية.. ما لم تكشفه تل أبيب عن حربها على إيران