تحسن مؤشر حرية الصحافة في سوريا: انفتاح مُدار أم إعادة إنتاج الضبط الإعلامي؟
3 مايو 2026
يُمثل التحرك الأخير لسوريا في مؤشر حرية الصحافة العالمي، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، أحد أبرز التحولات الإحصائية في المشهد الإعلامي العالمي خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أنه بين عامي 2024 و2026، ارتقى ترتيب سوريا من مراكز متدنية عالميًا إلى مركز أكثر تقدمًا نسبيًا، حيث انتقلت من المرتبة 179 إلى المرتبة 141 من أصل 180 دولة؛ بعد عقود من تذيّلها الترتيب ضمن آخر عشر دول على المؤشر.
على المستوى السطحي، يبدو هذا التحول كأنه يعكس انتقالًا جوهريًا في البيئة الإعلامية السورية، غير أن القراءة المتأنية لمنهجية المؤشر والظروف الهيكلية الحاكمة للصحافة السورية والعمل الإعلامي في البلاد؛ تكشف أن هذا التحسن لا يعبر عن تحرير كامل بقدر ما يعكس إعادة هيكلة مؤسسية جزئية داخل نظام لا يزال مقيدًا إلى حد ما.
يرتكز هذا التقييم على منهجية منظمة مراسلون بلا حدود متعددة الأبعاد، والتي تقيس حرية الصحافة عبر تقييم البيئة السياسية، والإطار القانوني للعمل الصحفي، والظروف الاقتصادية للعمل الإعلامي من تمويل ودعم وخصخصة أو تأميم وما شابه، والضغوط والقيود الاجتماعية والثقافية، وسلامة الصحفيين.
صُممت هذه المنهجية لتتجاوز مجرد قياس الرقابة المباشرة، وإجراء تقييمات آنية، نحو تقييم شامل للبيئة التي تعمل ضمنها الصحافة؛ لا سيما وأنه في الحالة السورية، تركزت أبرز التغيرات المسجلة بين 2024 و2026 في البعدين القانوني والأمني، حيث ساهم انخفاض العنف المباشر ضد الصحفيين، إلى جانب بعض التعديلات التدريجية في الأطر التنظيمية، في تحسين النتيجة الإجمالية للبلاد، في حين بقي البعدان السياسي والاقتصادي مقيدين هيكليًا بشكل عميق، ما حدّ من عمق التحول.
بين عامي 2024 و2025، كان التحسن في ترتيب سوريا محدودًا للغاية، إذ انتقلت من المرتبة 179 إلى 177، وهو تحسن طفيف يعكس في جزء كبير منه تغيرات نسبية في أداء دول أخرى أكثر من كونه انعكاسًا لإصلاحات داخلية فعلية. خلال هذه المرحلة، اتسمت البيئة الإعلامية بحالة من التشتت، وباستمرار التأثير السياسي المباشر على التوجهات التحريرية، إضافة إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالتغطية المستقلة؛ وبغياب تلفزيون رسمي جامع، وبانهيار نموذج الصحافة المكتوبة إلى حين استعادت وزارة الإعلام التحكم بهذا المسار.
لاحقًا، حافظت الدولة على سيطرة على مؤسسات البث والنشر الرئيسية، بينما عملت المبادرات الإعلامية الخاصة والمحلية ضمن مساحات ضيقة وغير رسمية في كثير من الأحيان، ضمن نمط صحافة الشارع والإعلام الفردي ونموذج الصحفي المواطن. وفي هذه المرحلة، لم تكن الصحافة مجالًا قائمًا على الاستقلالية المهنية بقدر ما كانت مساحة تفاوضية تتشكل بين شروط البقاء والضبط المؤسسي.
يبرز التحول الأهم في مؤشر عام 2026، حيث ارتفع ترتيب سوريا بشكل ملحوظ إلى المرتبة 141، مسجلًا واحدة من أكبر القفزات العالمية في دورة المؤشر لذلك العام متفوقة بهذا التطور على تحركات العديد من الدول العربية والإقليمية والعالمية؛ فالصين وكوريا الشمالية وإريتريا بقيت في المراتب الأخيرة، وتراجعت أميركا إلى المرتبة 64، خصوصًا بعد موجة الخوف التي اعترت الصحفيين جراء تهكّم دونالد ترامب بالصحفيين والسخرية والتنمر عليهم في العديد من اللقاءات الصحفية، وصعود نجم الخطاب العدائي ضد الاعلام خلال هذه المدة.
تعزو منظمة مراسلون بلا حدود هذا التحسن على تصنيف سوريا إلى مزيج من انخفاض التهديدات الجسدية ضد الصحفيين، وإصلاحات في البيئة التنظيمية، وإعادة فتح جزئية لمساحات الإنتاج الإعلامي، واستحضار نماذج برامج حوارية فيها آراء عديدة (رغم تصاعد حدة الحوار). غير أن الأهمية التحليلية لهذا التحول تكمن في كونه يعكس انحسار أشكال القمع العنيفة والمباشرة التي كانت تهيمن على المشهد الإعلامي خلال ذروة الصراع؛ وليس في كونه مؤشرًا على حرية الصحافة بالمعنى الليبرالي الكامل.
حققت سوريا قفزة نوعية في مؤشر عام 2026، حيث ارتفع ترتيبها إلى المرتبة 141، مسجلةً أحد أكبر التحولات العالمية في ذلك العام ومتفوقةً على العديد من الدول العربية والإقليمية
في هذا السياق، يُعدّ الدور المتطور لمؤسسات الدولة، خاصة وزارة الإعلام، عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل البنية الرسمية لإدارة الإعلام؛ خصوصًا بعد الظهور المكثّف لمكاتب العلاقات العامة والمتحدثين الإعلاميين بأسماء المؤسسات الحكومية، إذ ركز الخطاب الرسمي على تحديث الإنتاج الإعلامي ورفع مستوى احترافيته وتنويعه، وتقديم صيغة إخبارية دقيقة قدر الإمكان وبعيدة عن التحريف والتضليل ونشر الاخبار الكاذبة والتحقق من الاخبار قبل إذاعتها؛ بما في ذلك إدخال صيغ تحريرية جديدة وتوسيع نطاق الموضوعات في وسائل الإعلام التابعة للدولة، إلى جانب تصاعد الخطاب حول تعددية الآراء وتطوير الإعلام المهني عبر الورش التدريبية، وهو ما يشير إلى محاولة لإعادة تموضع الإعلام الرسمي ضمن إطار أكثر حداثة.
غير أن هذه التحولات تبقى محكومة ببنية مؤسسية صارمة، حيث لا يعني توسيع الموضوعات أو الصيغ بالضرورة وجود استقلالية تحريرية، بل غالبًا ما يعكس نمطًا من التعددية المُدارة تحت رقابة وزارة الإعلام والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وإدارات تحرير الصحف الرسمية، حيث يُسمح بتنوع المحتوى ضمن حدود واضحة لا تطاول الأديان والطوائف والأعراق والأنساب أو المجتمعات. وبالمثل، فإن الانفتاح النسبي على الإعلام الجديد والمشاركة في المنصات الدولية يعكس مستوى من التفاعل الخارجي، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى حرية إعلام محلية، وإنما يشير إلى محاولة للتكيف مع المعايير العالمية مع الحفاظ على السيطرة على إنتاج السرديات للعموم.
الآن من منظور الاقتصاد السياسي للإعلام، يُعد البعد الاقتصادي أحد أهم عناصر تفسير نتائج هذا الارتفاع على المؤشر، إذ لا تزال استدامة وسائل الإعلام في سوريا تعتمد على التمويل الحكومي وجزء من المنح الخارجية لا سيما عبر تقديم تسهيلات ودورات مجانية من قبل معاهد إعلامية تابعة لمؤسسات عربية وإقليمية بهدف الارتقاء بالمشهد الإعلامي السوري والحفاظ على مسار تصاعدي للإعلام السوري. ربما يؤثر هذا الاعتماد مباشرة على الاستقلالية التحريرية، حيث تصبح المؤسسات الإعلامية ذات مصادر الدخل المحدودة أكثر عرضة للضغوط السياسية، وضغوط التمويل والاستقطاب، وحتى في ظل وجود إصلاحات قانونية أو إجرائية، تبقى القيود الاقتصادية عائقًا أمام نشوء صحافة حرة ومستقلة حقيقية.
يضيف البعد الاجتماعي والثقافي طبقة إضافية من التعقيد، إذ تعمل الصحافة في سياق ما بعد النزاع ضمن فضاء مشبع بالانقسامات المتعلقة بالشرعية والهوية وإعادة إعمار البنية الإعلامية والرقمية وإعادة بناء ثقة الجمهور بالأداء الإعلامي وتقديم رواية تناسب المجتمع المحلي بمختلف مكوناته، وتقديم محتوى إعلامي قريب منه. وبالتالي، لا تعمل الصحافة في بيئة محايدة، بل ضمن شبكة من الخطابات المتنافسة حول السلطة والسردية وبناء الدولة، ما يجعل الشفافية عملية تفاوض اجتماعي بقدر ما هي ممارسة مهنية، تتشكل عبر الثقة العامة والذاكرة التاريخية والسلطة المؤسسية ورقابة مؤسساتية.
عند تحليل المسار الكلي لسوريا بين 2024 و2026، يظهر أن المرحلة الأولى (2024-2025) اتسمت بالركود في بيئة شديدة التقييد، بينما عكست قفزة 2026 تحسنًا في الأمن والأداء المؤسسي.
ومع ذلك، يبقى الهيكل الأساسي للرقابة قائمًا، ما يجعل هذا التحسن أقرب إلى تغيير في شدة الرقابة وليس في طبيعة النظام نفسه؛ خصوصًا بعد إشهار مدونة السلوك التي شارك فيها بحسب وزارة الإعلام السورية حوالي 1000 صحفي وخبير إعلامي سوري؛ والتي تعد إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط الممارسة الإعلامية وتعزيز معايير المهنية داخل المؤسسات الصحفية.
تركز المدونة على الالتزام بالدقة، واحترام المصادر، وتنظيم المحتوى ضمن ضوابط قانونية وأخلاقية، مع التأكيد على مسؤولية الإعلام في تجنب التضليل وخطاب التحريض. وتُقدَّم بوصفها جزءًا من جهود تحديث العمل الإعلامي ورفع كفاءته، مع توسيع نطاق التنظيم المهني للخطاب الإعلامي وتطوير أدواته. وعلى مستوى أوسع، تعكس الحالة السورية نمطًا متكررًا في تحولات حرية الصحافة عالميًا، حيث غالبًا ما تشهد الدول الخارجة من النزاعات تحسنًا إحصائيًا قبل حدوث تحول بنيوي فعلي، ويكون هذا التحسن مدفوعًا بانخفاض العنف والاستقرار الجزئي والانفتاح الدولي أكثر من كونه نتيجة إصلاحات عميقة في بنية الإعلام.
مفارقة التحسن الرقمي مقابل الواقع الميداني
يعكس تطور حرية الصحافة في سوريا واقعًا مزدوجًا؛ فمن جهة هناك تحسن في المؤشرات الأمنية والمؤسسية، ومن جهة أخرى لا تزال البنية العميقة للسيطرة السياسية والاقتصادية والرقابية تحدد حدود الممارسة الإعلامية، ما ينتج عنه مشهد إعلامي ليس مغلقًا بالكامل، لكنه أيضًا غير منفتح فعليًا، بل يقع ضمن فضاء انتقالي مُدار تتسع فيه الرؤية أكثر من الحرية.
يبقى التقييم النوعي للمنظمة واضحًا، إذ لا تزال سوريا مصنفة ضمن فئة "الوضع الخطير للغاية" فيما يتعلق بحرية الصحافة، وهو تصنيف يكشف الفجوة بين التحسن النسبي والتحول البنيوي الحقيقي. فحتى في ظل هذا التقدم الإحصائي، تبقى الاستقلالية التحريرية مقيدة، ويظل البقاء الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية هشًا، كما يستمر النفوذ السياسي في رسم حدود الخطاب المسموح به.
وبالتالي، لا يمكن قراءة هذا التحسن باعتباره انتقالًا نحو الانفتاح بقدر ما هو تجديد الضبط داخل نظام ما زال مقيدًا هيكليًا.
رغم التحسن النسبي الذي تعكسه المؤشرات الدولية لحرية الصحافة مثل تصنيفات مراسلون بلا حدود وفريدوم هاوس أيضًا، يكشف الواقع الميداني في سوريا عن بنية أكثر تعقيدًا للمشهد الإعلامي، تمتد عبر مختلف مناطق السيطرة (وهنا نقصد الوجود الفعلي والسيطرة الميدانية)، بما في ذلك مناطق الحكومة السورية، ومناطق قوات سوريا الديمقراطية، وبعض البيئات المحلية الأخرى مثل السويداء ضمن ترتيباتها الأمنية والإدارية الخاصة. ويظهر هذا الواقع أن ممارسة العمل الصحفي ما تزال محكومة بتداخلات أمنية ومؤسسية واسعة، تؤثر بشكل مباشر على شروط الإنتاج الإعلامي وحدود الوصول إلى المعلومات.
في هذا السياق، تتجلى مجموعة من المؤشرات التي تعكس طبيعة البيئة المهنية، من أبرزها استمرار حالات الاحتجاز والاعتقال التي تطال الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، خاصة في الملفات ذات الطابع السياسي والأمني. وتنعكس هذه الوقائع على آليات العمل الصحفي من خلال ترسيخ نمط من الرقابة الذاتية، حيث تُعاد صياغة حدود التغطية الإعلامية وفق اعتبارات أمنية وإجرائية تؤثر في طبيعة المحتوى المنشور واتجاهاته.
كما يخضع العمل الإعلامي المرئي، بما يشمله من تصوير فوتوغرافي وتوثيق ميداني، لمنظومة تنظيمية تتضمن تصاريح مسبقة وإجراءات موافقة رسمية وغير رسمية، الأمر الذي ينعكس على قدرة الصحفيين في توثيق الحياة اليومية وإنتاج مواد بصرية مستقلة، ويجعل جزءًا من إنتاج الصورة الإعلامية مرتبطًا بالبنية المؤسسية المنظمة له. في هذا المسار، أثار قرار وزارة الإعلام بمنع منصات "جسور نيوز" و"هاشتاغ" و"الدليل" من العمل داخل سوريا جدلًا واسعًا حول العلاقة بين تنظيم المهنة وحدود حرية الصحافة في المرحلة الانتقالية، خاصة باعتباره أول إجراء من هذا النوع منذ تسلم السلطات الجديدة مهامها أواخر عام 2024.
وقد استند القرار إلى مسألة غياب التراخيص القانونية واتهامات تتعلق بالتضليل الإعلامي ونشر الأخبار غير الدقيقة، ما فتح نقاشًا أوسع حول المعايير المهنية والأخلاقية التي تحكم العمل الإعلامي، وحدود استخدام الترخيص كأداة تنظيمية أو كآلية لإعادة هندسة المجال الإعلامي.
وتزايد الجدل مع ارتباط بعض هذه المنصات بخطاب نقدي تجاه السلطة الجديدة، أو بتاريخ مهني تشكّل في سياق العلاقة مع النظام السابق أو مع فضاءات المعارضة على حد سواء، ما جعل القرار يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة فرز الفاعلين الإعلاميين وإعادة تعريف الشرعية المهنية داخل الحقل الإعلامي السوري. وقد اكتسب هذا الجدل بعدًا إضافيًا مع عودة بعض المنصات إلى العمل لاحقًا بعد استكمال الإجراءات، كما في حالة "جسور نيوز" التي تديرها الصحفية هديل عويس، وهو ما عكس تأثير الضغط المهني والرأي العام في تعديل المسار التنفيذي للقرار، ورسّخ النقاش حول الحاجة إلى إطار قانوني واضح وشفاف ينظم الإعلام ويضمن في الوقت نفسه التعددية المهنية وحماية المؤسسات الصحفية من القرارات الإدارية المفتوحة على التأويل.
في موازاة ذلك، يشهد المجال الإعلامي تحولًا ملحوظًا مع توسع حضور المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي، ما أدى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإعلام المهني والإعلام غير التقليدي؛ لكن بطريقة فجّة حيث تغوّل هؤلاء بدون توصيف واضح، وبدون التزام واضح بمدوّنة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، رغم أنها بيّنت المسميات وأوضحت المهام والأخلاقيات المطلوبة في العمل الإعلامي والتي تشمل عدم التحريض وعدم إثارة النعرات الطائفية وازدراء الجماعات العرقية والأيديولوجيات على أي من أماكن عملهم ونشاطهم.
وثّق المركز السوري للحريات الصحفية 11 انتهاكًا في سوريا خلال الربع الأول من العام، شملت إصابة 5 إعلاميين واعتقال واحتجاز 4 آخرين، كان آخرهم الصحفي أحمد جمعة في ريف حلب
وقد أسهم هذا التحول في إعادة توزيع أدوار إنتاج المحتوى، حيث أصبح الانتشار الرقمي عاملًا مؤثرًا في تشكيل الأولويات الإعلامية، إلى جانب تحولات في معايير التحقق والدقة وأساليب الضبط المهني، ما أعاد تعريف الحدود بين الخبر والرأي في الفضاء الإعلامي.
كما يستمر غياب نظام إعلامي (بالمعنى التقليدي كالقنوات والصحف والجرائد) مستقل بالكامل في تشكيل عنصر بنيوي في المشهد، حيث تبقى المؤسسات الصحفية المستقلة محدودة الحضور نتيجة قيود التمويل والترخيص والبنية التنظيمية، إذ لا يوجد صحافة مكتوبة خاصة، ما يساهم في تركّز النشاط الإعلامي بيد الصحف الرسمية وضمن الفضاءات الرقمية وغير الرسمية بدلًا من تطور مؤسسات مهنية مستقرة قادرة على إنتاج صحافة استقصائية طويلة الأمد.
وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن التحسن الذي تعكسه المؤشرات الدولية يعبر في جزء منه عن تطورات إجرائية أو أمنية محدودة، أكثر من كونه تحولًا شاملًا في البنية الإعلامية، حيث تتعايش مستويات مختلفة من التنظيم والإصلاح مع استمرار القيود الهيكلية التي تعيد إنتاج حدود الممارسة الإعلامية داخل النظام القائم.
على الرغم من التحسن النسبي في التصنيفات الدولية، تقدم بيانات رابطة الصحفيين السوريين صورة ميدانية أكثر تعقيدًا خلال عام 2026، حيث وثّق المركز السوري للحريات الصحفية 11 انتهاكًا خلال الربع الأول من العام، في عموم سوريا، شملت إصابة خمسة إعلاميين أثناء تأدية عملهم، واعتقال اثنين، واحتجاز اثنين آخرين، إلى جانب استمرار المخاطر المرتبطة بالعمل الميداني؛ وآخر حادثة كانت اعتقال الصحفي أحمد جمعة المعروف باسم رعد المصطفى، في ريف حلب.
وفي سياق أكثر حساسية، سُجلت حالة اختفاء الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان، ما أضفى بعدًا دوليًا على ملف الانتهاكات الإعلامية، وربط القضية بفضاءات أوسع تتجاوز الإطار المحلي؛ كما أظهرت البيانات أن قوات سوريا الديمقراطية سجلت أعلى عدد من الانتهاكات بـ5 حالات، إلى جانب جهات أخرى ومخلفات الحرب والألغام، ما يعكس تعدد مصادر المخاطر وتداخلها بدل انحصارها في جهة واحدة.
ومن الناحية الجغرافية، تركزت الانتهاكات في مناطق محددة، حيث سجلت محافظة الرقة 4 حالات، تلتها حلب بـ3 حالات، وهو ما يرتبط بطبيعة التداخلات الأمنية والعسكرية وإعادة تشكل البنى الإدارية في هذه المناطق.
وفي هذا الإطار، تؤكد التقارير الحقوقية أن التحولات السياسية والمؤسسية لم تنعكس بعد بصورة متكاملة على بيئة العمل الصحفي، حيث يستمر التباين بين إعادة ترتيب المجال السياسي من جهة، وإعادة بناء منظومة إعلامية مستقرة من جهة أخرى. كما تستمر الدعوات الحقوقية للكشف عن مصير المختفين، وإطلاق سراح المحتجزين، وتفعيل آليات المساءلة، في ظل تحديات تتعلق بفعالية الإطار القانوني الحامي للعاملين في الإعلام.
عمومًا، تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى تراجع فرضية التحسن التراكمي الخطي، لصالح قراءة أكثر تركيبًا تشير إلى أن التحسن في المؤشرات الدولية يرتبط بعوامل جزئية، تشمل انخفاضًا نسبيًا في بعض أنماط العنف أو تحسينات إجرائية محدودة، دون أن يمتد ذلك بالضرورة إلى تحول بنيوي شامل في شروط الممارسة الصحفية.
وبذلك، يظهر المشهد الإعلامي السوري ضمن توازن معقد بين تحسن كمي في المؤشرات الدولية من جهة، واستمرار قيود نوعية تمس جوهر الممارسة المهنية من جهة أخرى، ما يجعل الفجوة بين التصنيفات والواقع الميداني فجوة تحليلية مركزية في فهم طبيعة حرية الصحافة في البيئات الانتقالية والهجينة.