تحذيرات من انعدام القدرة الشرائية بسبب فوضى أسواق الصرف في لبنان

تحذيرات من انعدام القدرة الشرائية بسبب فوضى أسواق الصرف في لبنان

القدرة الشرائية للبنانيين مهددة بفعل الأزمة الاقتصادية (رويترز)

ألترا صوت – فريق التحرير

بدأت أسوأ أزمة اقتصادية يشهدها لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية بالخروج عن نطاق السيطرة، بعدما فقدت الليرة اللبنانية قرابة 60 بالمائة من سعر صرفها مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازية/السوداء الشهر الماضي، وارتفاع هيستيري للسلع الغذائية، دفع بالجيش اللبناني لسحب مادة اللحم من مخصصات الطعام لأفراده، الأمر الذي ينذر بانهيار شامل للبلاد في حال لم تتمكن من الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي لإنقاذ الاقتصاد المتهالك.

 إن فقدان الليرة اللبنانية لقرابة 60 بالمائة من قيمتها في السوق الموازية في حزيران/يونيو الماضي، يهدد بدفع الاقتصاد اللبناني لدوامة من التضخم، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية لدرجة كبيرة

تقول وكالة بلومبيرغ الأمريكية في تقرير يرصد الأوضاع الاقتصادية في لبنان، إن فقدان الليرة اللبنانية لقرابة 60 بالمائة من قيمتها في السوق الموازية في حزيران/يونيو الماضي، يهدد بدفع الاقتصاد اللبناني لدوامة من التضخم، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية لدرجة كبيرة وصل بالأمر لإعلان الجيش اللبناني سحب مادة اللحم من قوائم الطعام الأسبوع الماضي، وارتفاع سعر ربطة الخبز إلى الثلث، وهي واحدة من المكونات الغذائية الرئيسية للأسر اللبنانية.

اقرأ/ي أيضًا: الأزمة الاقتصادية مستمرة في لبنان.. مآلات مجهولة

وأدى نفاذ الوقود في الأسواق إلى انقطاع التيار الكهربائي، بينما بدأ تجار التجزئة بإغلاق محالهم حتى يستقر سعر صرف الليرة، مما أدى لتفاقم البطالة، بينما تشير التوقعات لارتفاع معدلات الفقر بين اللبنانيين إلى 50 بالمائة خلال العام الجاري، بعدما تزايد الانهيار الاقتصادي للبلاد بوتيرة عالية منذ اندلاع الاحتجاجات في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ضد الفساد والنخب السياسية التي أفرغت خزينة الدولة، مما جعل لبنان يتخلف عن سداد ديونه الخارجية لأول مرة في تاريخه في آذار/مارس الماضي.

وتعثرت المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي بسبب الخلاف بين السياسيين والمصرفيين على حجم الخسائر أولًا، ومن عليه تحملها ثانيًا، على الرغم من أن الحكومة اللبنانية طلبت من صندوق النقد المساعدة في إصلاح الأوضاع المالية لاستعادة الثقة، إلا أن العملية تعثرت، فيما قدم اثنان من مفاوضي وزارة المالية استقالتهم من الوفد اللبناني بسبب الخلاف بين الوفد نفسه على آلية التفاوض.

تشير الوكالة الأمريكية في تقريرها إلى أنه مع اعتماد الاقتصاد اللبناني على استيراد جميع المواد المتوفرة في الأسواق من أكياس البن إلى السيارات، فإن الفوضى التي سببها سعر صرف الليرة سيكون له تأثير كارثي على القوة الشرائية للبنانيين، فقد ارتفعت بما يزيد على 56 بالمائة في أيار/مايو الماضي مع المقارنة بالعام 2019، فيما سجل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تقدر بـ190 بالمائة بحسب الأرقام الرسمية.

وتتوقع الوكالة أن يسجل ارتفاع أعلى بكثير في أسعار المواد الغذائية مقارنة بحزيران/يونيو الماضي، بعدما وصل سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق الموازية إلى 9.500 ليرة، فيما كانت قبل شهر تتراوح قيمتها عند 4.000 ليرة، غير أن سعر الصرف انهار مرةً أخرى خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، متأثرًا بحالة التقلبات والارتباك التي يعيشها الاقتصاد اللبناني.

وحتى الآن لا يزال سعر الصرف الرسمي لليرة في مقابل الدولار وفق ما حدده مصرف لبنان المركزي بقيمة 1.507.5 ليرة، والذي يستخدم بشكل فعال لاستيراد القمح والوقود والأدوية، فيما يجري دعم المواد الغذائية الأساسية بسعر صرف يقف عند 3.900 ليرة، وعدم السماح لمن يملكون ودائع نقدية بالدولار في البنوك اللبنانية من تحويلها إلى الخارج، والحد من سحب العملة الأجنبية من البنوك.

كما توضح الوكالة الأمريكية أنه وفقًا للبيانات الرسمية فإن الحد الأدنى للأجور مسجل بـ675.000 ليرة، ما يعادل 450 دولار في سعر الصرف الرسمي، إلا أنه عند تحويل المبلغ للسوق الموازي يتبيّن أن قيمته تبلغ نحو 70 دولار، ويستخدم سعر الصرف في السوق الموازي لتسعير المواد الاستهلالكية، بما فيها الملابس ومستحضرات التجميل ومواد التنظيف، فيما قامت بعض العائلات عبر مجموعات على منصة فيسبوك للتواصل الاجتماعي بعرض ممتلكاتها، مثل الأحذية والأواني الزجاجية لمقايضتها بالحفاضات وحليب الأطفال.

تقول بلومبيرغ إن ربط الاقتصاد اللبناني لسعر صرف العملة المحلية بالدولار لمدة 23 عامًا سمح بتقديم الدعم لجميع الواردات الاقتصادية، مما جعل اللبنانيين يتمتعون بأنماط مختلفة من الحياة تتجاوز إمكانياتهم الاقتصادية، فقد اجتذبت معدلات الفائدة المرتفعة المدفوعة للمودعين تحويلات المغتربين اللبنانيين، الذين يعتبرون مصدرًا هامًا لواردات الدولار، لكنها في مقابل ذلك أحبطت المشاريع حيث يمكن للبنانيين كسب المزيد من الأموال المودعة في البنك.

اقرأ/ي أيضًا: موجة انتحار جديدة في لبنان.. يأس من الواقع واحتجاج عليه

وشهد العام الماضي شحًا بتحويلات المغتربين المالية إلى لبنان، مما دفع بالمقرضين للحد من سحب الدولار قبل التوقف عن صرفه بالكامل، فيما اتجهت الشركات إلى السوق السوداء للحصول على الدولار من أجل الدفع للموردين، مع وجود طلب على الدولار بين اللبنانيين أيضًا، الذين لديهم دفعات مستحقة على قروض المنازل والسيارات والجامعات، ويشترط صندوق النقد على الحكومة اللبنانية مكافحة الفساد وإعادة هيكلة الاقتصاد حتى يقدم المساعدة لها.

مع اعتماد الاقتصاد اللبناني على استيراد جميع المواد المتوفرة في الأسواق من أكياس البن إلى السيارات، فإن الفوضى التي سببها سعر صرف الليرة سيكون له تأثير كارثي 

وتختم بلومبيرغ تقريرها بالقول إن الحكومة اللبنانية تراهن في الوقت الحالي على عودة المغتربين المحملين بالدولارات إلى منازلهم بعد إعادة فتح مطار رفيق الحريري الدولي الذي أغلق بسبب فيروس كورونا الجديد، غير أن العديد من هؤلاء المغتربين فقدوا بالأساس مدخراتهم التي احتفظوا بها في البنوك اللبنانية، وبدلًا من ذلك، فإن اللبنانيين ممن لا يزالون داخل لبنان بدأوا يتطلعون بشكل متزايد للسفر إلى الخارج.