تجريب التطبيع ومتلازمة الكلب الضال

تجريب التطبيع ومتلازمة الكلب الضال

جنود إسرائيليون من وحدة جولاني في قرية الغجر (Getty)

بعد أكثر من 7 عقود على الإعلان الرسمي لاستعمار فلسطين من الحركة الصهيونية، وما تلاه من توسع للمشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري بالضرورة على أرض عربية محيطة بفلسطين، أو ما ألحقه هذا المشروع بركبه من عواصم عربية عديدة مجاورة لفلسطين جغرافيًا وغير مجاورة، لم يعد يتوفر، منذ سنوات طويلة، مساحة للتنكر أو تجاهل سؤال أساسي يتعلق بالصراع القائم في فلسطين وقبول الوضع القائم بشأنه إلا من بوابة القبول والترويج الصريح والعلني لكل ما تمثله إسرائيل، إن لم يكن دعمها والتحالف معها أساسًا أو في مرحلة لاحقة.

تعاني إسرائيل من إشكالية حقيقية متعلقة بالكلاب الضالة في أرض الواقع حرفيًا. كما تظهر متلازمة الكلاب الضالة في ميدان الممارسة الاستخبارية الإسرائيلية يوميًا بشكل متراكم ومستمر

أعاد لقاء عبد الفتاح البرهان، نيابة عن عسكر الخرطوم الباحثين عن مقعد في بازار التسلح والاستخبارات والتمويل الدولي، مع بنيامين نتنياهو في أوغندا حديث التطبيع إلى الواجهة، علمًا أن مثل هذا الحديث لم يغب نسبيًا مؤخرًا. أما الحضور شبه المستمر لحديث التطبيع، بل وتصاعده بعد أن راكم محطات لا يستهان بخطورتها في مرمى الفلسطينيين وحقوقهم، فيعزى لمبرراته المباشرة دون أدنى مساحة للتأويل. إذ لا يعد رفض الصلح مع إسرائيل وتطبيع كل ما تمثله وتفعله وسواسًا قهريًا يسكن الوعي الجمعي عربيًا، هذا شعبيًا بالتأكيد على الرغم من أن مثل هذا الرفض يشكل حالة يظللها المنطق العام. لكن رسميًا يمكن القول بمثل هذا العيار من الوسوسة القهرية في عقل السلطة عربيًا، لناحية القبول، بل ورفض الرفض، خاصة في مخاض اغتصاب السلطة وإعادة إنتاجها وبناء شرعية ما حولها ولها على اختلاف السياقات وتقاطعها.

اقرأ/ي أيضًا: عشقي في تل أبيب.. تعقيب بشأن التطبيع

يبدو أن ما جعل حديث التطبيع والحديث عن التطبيع أحد العناوين الأولى والمستمرة في السنوات الأخيرة يتعدى ما يمكن اعتباره من الخطوط الحمراء الشعبية في المنطقة العربية، كما في عدد من أمكنة الكوكب، وصولًا إلى إمكانية اعتباره عش دبابير يتنعم بالنبش المستمر. إذ تدأب أكثر من نصف دزينة من المجموعات الحاكمة والسلطويات في البلدان العربية على تصعيد وتيرة فرض التطبيع مع منظومة يعتبرها الشارع العربي، رفقة القانون الدولي والفطرة السليمة  وإسنادات أخلاقية متوالدة، تعبيرًا وتصويرًا إجراميًا لأعتى آلات القتل والنهب وعصابات العصر الحديث المنظمة. من الواضح أن الحديث يختص بإسرائيل ونادي "أصدقاء" إسرائيل.

لماذا تدأب المنظومة الحاكمة في أكثر من بلد عربي، بشكل مباشر وغير مباشر، وبتصاعد مستمر في السنوات الأخيرة على ترتيب كامل أوراقها ضمن العباءة الإسرائيلية؟ ربما يمكن لمثل هذا المدخل أن يشكل أرضية أولية لتفكيك حالة الهرولة والسعي الأكبر إلى تل أبيب، حتى عبر واشنطن، التي يفترض أن عقودًا انقضت والاعتقاد السائد يقول أن السعي الفعلي هو إلى واشنطن عبر تل أبيب! أي إلى المركز الإمبراطوري عبر "الحربة المتقدمة"، لكن جبلًا عملاقًا حجب أفق هذه الرؤية البائدة، للتصدر واشنطن عبر آخر مراحل تراكمها الإمبريالي للاحتراب حول حدود عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي، دون تدخل الأخير أو تعني تل أبيب لعب أي دور قريب من الحربة. ما مفاده بموجز شديد أن إسرائيل مشروع قائم، أي ليست مسألة رأي وجدل تجريدي، والأوضح أن هذا المشروع يسعى للديمومة والمراكمة المستقبلية، هذا سواء عبر واشنطن وموسكو وبكين أو فوق ظهور كثير من الأمم، التي تذهب مذهب العبيد الأغيار حتى في مغنيات التوراة ومرتلاتها. 

يمكن للنبش على الجذور أن يتمم الصورة الكاملة في كثير من الأحيان، أي مبتدأ تبعية المجموعات الحاكمة في أكثر من بلد عربي لواشنطن وتل أبيب وموسكو وغيرها الكثير. لكن متغيرًا أساسيًا يبقى على الطاولة في مقعد المخاتلة يتعلق بالتخمين المعقول بأن لب هذه العصابات انتهى فيما انتهى إليه أن بقاء الوضع القائم الذي يضمن بقاء سلطته وديمومة إعادة إنتاجها هو أولوية برنامج عمله. مستفيدًا بذلك من بعض الخلاصات التي وصلت إليها إسرائيل نفسها. 

وعليه يمكن الاعتقاد بأن استمرارية الهيمنة هي التعاقد الضمني والمعلن في هذه الحالة، التي ليست للغرابة شاملة لأطراف يمكن زجها في تعريفات جلية وواضحة لا تخرج عن تبادلية الاستعمار والاستبداد إلا إلى سراديب استكمال الجريمة المنظمة بأشكال أكثر تنظيمًا، وربما وضوحًا. لكن من يعيش في البلاد يمكن له الانتقال إلى تلمس أثر إهمال إسرائيل الشاسع للكلاب الضالة، ما ينسحب ربما على شكل الحظيرة التي توفرها إسرائيل لـ"جماعتها"، أسوة بالمكرهة الصحية على يسار شارع الجبل صعودًا في كرمل حيفا عبر زقاق بن يهودا العامر بشرفات كثيرة آخر عزاء الكلاب الضالة عليها شارات الوحدات العسكرية والاستخبارية التي رصوا صفوفها في جنوب لبنان وغزة وسيناء ومختلف مناطق فعالية جيش الاحتلال، أو عمارة سكنات عملاء الشاباك والشرطة الفارين من الضفة الغربية في حي الطالبية المقدسي. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف يساهم "مناهضو التطبيع" في تفتيت الإجماع ضده؟

كيف نفهم التطبيع اليوم من خلال أفكار عزمي بشارة؟

عزمي بشارة: من يريد حكم السودان بغطاء إسرائيلي لا يمكن أن يكون ديمقراطيًا