تجدد العنف في إيرلندا الشمالية.. حوار لفهم الجذور العميقة لما يقع هناك

تجدد العنف في إيرلندا الشمالية.. حوار لفهم الجذور العميقة لما يقع هناك

أزمة لها جذور تاريخية عميقة في إيرلندا الشمالية (Getty)

على طول الأسبوعين الماضيين والمواجهات العنيفة تقضُّ مضجع إيرلندا الشمالية. تراشق بالحجارة، الألعاب النارية والزجاجات الحارقة، ما بين "الوحدويين" أنصار البقاء تحت عرش المملكة المتَّحدة، و"الوطنيين" دعاة توحيد جميع أراضي الجزيرة في جمهورية إيرلندية، قاطعة السلام الهشَّ الذي أتى به "اتفاق الجمعة العظيمة" قبل 23 سنة، وتنذر بعودة "أيام مظلمة" خالت أنها ودَّعتها.  

 ضيفنا من بيلفاست، الكاتب والمحلل الإيرلندي بادريغ أوميتشيل، الذي خصَّ "ألترا صوت" بهذا الحوار الحصري، يوضح الجذور العميقة لحالة العنف الحاصلة بمدينته

كانت شرارة انطلاق العنف ليلة 29 آذار/مارس المنصرم، حينما هاجمت مجموعة مراهقين موالين للندن حاجز شرطة، على "جدار السلام" الفاصلَ بين الأحياء البروتستانتية الوحدويَّة والأحياء الكاثوليكية بمدينة بيلفاست الحدودية. بالنسبة للوحدويين فالمواجهات اندلعت ردًا على رفض الشرطة محاسبة أعضاء حزب شين فين (الجمهوري) لـ "خرقهم الإجراءات الاحترازية الصحيَّة"، في إشارة إلى واقعة تعود إلى تموز/ يونيو الماضي، حينما شيَّع الحزب المذكور أحد الأعضاء السابقين في الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى مثواه الأخير. حيث لحقها ضغط بلغ حدَّ مطالبة نواب منتمين للحزب الديموقراطي الوحدوي، متزعِّم الحكومة الإيرلندية الشمالية، وزراء شين فين بالاستقالة، وهي ضغوط رفض الوزراء من جهتهم الرضوخ لها. هذا وتوالت الليالي مذاك الحين على نفس الشاكلة مخلِّفة، حسب تقارير الشرطة، جرح 74 من عناصرها، ما اضطرَّها إلى إخلاء المنازل المحيطة ببؤر العنف تلك ومنع المركبات من المرور بها.

اقرأ/ي أيضًا: هواجس التفكك.. هل تدفع المملكة المتحدة وحدتها ثمنًا للـ"بريكست"؟

بينما اختلفت القراءات في سياقات الحالة الملتهبة التي يعيشها الجزء الشمالي من الجزيرة، وتوارد إلقاء اللوم فيها على البريكسيت والضغط المتبادل بين لندن وبروكسيل بأداة بروتوكول الحدود الإيرلندية، لكن ما خلف الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك، هذا ما يقوله ضيفنا من بيلفاست، الكاتب والمحلل الإيرلندي بادريغ أوميتشيل، الذي خصَّ "ألترا صوت" بهذا الحوار الحصري، موضحًا  الجذور العميقة لحالة العنف الحاصلة بمدينته.

 

  • سيد بادريغ، أي سياقات سياسيَّة يمكن أن نقرأ من خلالها التطورات الأخيرة التي تعرفها إيرلندا الشمالية؟

أفترض أن السياق الأول الذي يندرج فيه اندلاع الاضطرابات الحاصلة، هو الاجتماعات العامة التي عقدها الحزب الديموقراطي للوحدويين (ذي الأغلبية في البلاد)، خلال الشهرين الأخيرين، مع منظَّمة "مجلس الجماعات المولاية للعرش البريطاني"، والتي تعدُّ مظلَّة لعدد من المنظمَّات شبه العسكرية، وما يعرف بـ "فيالق الموت" التي تولَّدت عن هذا الصراع. هذه الاجتماعات دارت بشكل رئيسي حول معارضة "اتفاقيَّة البحر الإيرلندي" التي تعدًّ جزءًا من اتفاق البريكسيت. وها نحن، بعد أسابيع منها، نعيش تبعاتها من العنف الذي أطلق في الشوارع، والهجومات المتوالية على المنازل والعائلات الكاثوليكية. وكذلك مع الأسف، ردَّ الوطنيين والكثوليك عل طول مناطق التماس الشعبية تلك.

هناك سياق تاريخي آخر، لا يقلُّ أهمية عن سابقه، هو  طبيعة المناطق التي عرفت الاشتباكات الأخيرة،  كونها الأخطر والأصعب في الإخماد. فهي على طول ما سمي بـ "جدار السلام" – الذي لا يحمل من اسمه أي صفة، لكن لا أظن أن أحدًا كان ليخرج باسمٍ أفضل -  هذا الجدار الذي يمتدُّ وسط بيلفاست على طول 13 ميلًا من التحصينات العسكريَّة، أشبه بجدار الفصل العنصري في فلسطين أو جدار  الأبرتهايد في جنوب أفريقيا، كي يفصل بين الأحياء البروتيستانتية والأحياء الكاثوليكية. الأخطر في ما وقع، هو أن مجموعات "الموالين" هاجمت جزءًا من الجدار كان تاريخيًا نقطة توتر  بين هذين المجتمعين، حيث طردت منه عائلات كاثوليكية سنة 1969 لاستغلال تلك المنازل في التحصينات العسكريَّة.

إذًا، هذا السياق التاريخي مهم جدًا. فلقد كان هناك قرار اتخذ للهجوم، لا نعلم من اتخذه، لكنه حتمًا لم يغفل رمزية المكان وأهميَّته في وجدان الساكنة الكاثوليكية، كما لم يغفل طبيعة التوتر فيه وراهن أنه إذا ما اشتعل فيه العنف فمن الصعب إيقافه.

  • عدا السياقات السياسية، هل يوجد هناك سياقات أخرى اقتصادية للعنف الحاصل؟

السياق الاقتصادي الأهم في نظري، هو أن الطبقة المتوسطة الغنيَّة لا تشارك في أعمال العنف هذه، والتي هي مقتصرة للأسف على الطبقة العاملة. ورجوعًا إلى اجتماعات الحزب الديموقراطي للوحدويين، فالحزب يقدم نفسه كممثل للطبقة العاملة البروتيستانتية، لكن نخبه تكون عادة من هذه الطبقة المتوسِّطة، وكل ما قام به تاريخيًا هو رفع التوتر السياسي إلى نقطة يعود العنف فيها واقعًا لا مفرَّ منه، ثم يدفع بهذه الطبقة العاملة لتتحمَّل عبئ ذلك العنف، بالمقابل تحصد نخبته المكاسب منكرة تورُّطها في الدم الذي أهرق.  إذًا هنالك طابع طبقي للصراع الحالي.

من جانب آخر، إن أكثر من تضرر من أعمال العنف التي دارت رحاها في إيرلندا كانت الطبقة العاملة الكاثوليكية والبروتيستانتية على حد سواء، بل وتمَّ إهمالهم بشكل كامل خلال مسار السلام. فمثلًا إذا عدنا للإحصائيات الحكومية سنجد تسجيل نسب فقر  زادت عما تم تسجيله سنة 1998، السنة التي وقع فيها اتفاق "الجمعة العظيمة"، وأن الناس الذين يعانون من هذا الفقر هم نفسهم الذين عانوه خلال الثمانينات، إذا لم يكن هنالك سلام اجتماعي واقتصادي لهذد الشريحة من الساكنة.

  • إلى أي مدى يبقى دقيقًا اقتصار إلقاء اللوم على البريكسيت وحده في ما يقع من عنف؟

هذا اللوم هو ما أراد الحزب الديموقراطي للوحدويين الوصول إليه. فإلى حدود الشهرين الأخيرين كان الوحدويون يحتفون بالانفصال عن أوروبا، ويلحون على أنها "خطوة إيجابية" تخدم مصالحهم. وصولًا إلى اللحظة التي أظهرت فيها استطلاعات الرأي العكس تمامًا؛ بأنه إذا ما أقيمت الانتخابات في الغد فإن الجزء الكبير من كتلته الناخبة ستذهب أصواتها إلى اليمين المتطرِّف، وما تبقى سيذهب إلى الوسط اللبيرالي. الشيء الذي أصاب قيادات الحزب بالهلع، ودفعهم - بين عشيَّة وضحاها-  إلى تغيير موقفهم؛ من الإشادة باتفاقية البريكسيت وبروتوكول إيرلندا، إلى اعتبارها خطوة قاتلة لإيرلندا الشمالية وأن لا اتفاقية وحدوية مع الغرب يمكن لها أن تدعم ذلك. إذًا، لا يمكن إنكار أن كل ما يقع هو نتيجة لمسار الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، لكن في ارتباطه بتاكتيكات الحزب الديموقراطي الوحدوي، وسؤال حفاظه على مركزه  كأكبر أحزب الشمال.

  • لننتقل إلى سياق آخر، فمنذ شهور ونحن نتابع جهود الحكومة الاسكتلنديَّة فرضَ استفتاء استقلال ثاني على لندن، التي ترفض الأمر بشكل نهائي، والآن اندلاع اضطرابات واسعة في إيرلندا الشمالية. في نظركم، هل هناك رابط بين هذين الحدثين؟ وعلى أي مستوى يتم هذا الترابط؟

نعم، هناك ارتباط. لكن بمعنى أنه إذا ما تم استقلال اسكتلندا، إذا ما حاز الاسكتلنديون على استفتاء جديد وصوتوا لصالح الاستقلال، فإن وجود إيرلندا الشمالية في مجمله سيغدو أكثر عبثية وغرابة مما هو عليه الآن. حيث ستنتهي في الأخير لأن تكون فرعًا من إنجلترا، وهذا مناقض لفكرة المملكة المتَّحدة، وبالتالي فالأمر مقلق بالنسبة للوحدويين.

كما أن هذا الوضع يخلق متاعبًا كبيرة للوطنيين الإيرلنديين. فالحكومة الإنجليزيَّة تعطي الانطباع بأنها فقدت أي اهتمام بإيرلندا الشمالية، ومستعدة من الغد لتسليمها. بالمقابل تتشبَّثُ باستماتة باسكلندا، لأسباب عاطفية ربما أو نفسيَّة، أو حتى اقتصادية كالاحتياطي النفطي المهم ببحر الشمال. ولهذا لا يمكن لهم منح إيرلندا الشمالية حق تنظيم استفتاء انضمامها للجمهورية الإرلندية، لأنهم إن فعلوا ذلك سيكون لزامًا عليهم منح نفس الحق للاسكتلنديين. وبالتالي هذا يحبط كل رغبات الوطنيين في الحصول على استفتاء على المدى القريب.

  • مع اتساع رقعة العنف، وعدى الدعوات الشفوية للتهدئة، نجد أن بوريس جونسون بقي مكتوف الأيدي وبم يقم بأي إجراء عملي في هذا الصدد، بل وأكثر من ذلك، رفض مشاركة حكومته في قمة دعت إليها جمهورية إيرلندا لتباحث سبل إحلال السلام من جديد في الجزء الشمالي من الجزيرة. بماذا تفسرون هذا التجاهل الكبير للحكومة البريطانيَّة لما يقع في إيرلندا الشمالية؟

ببساطة هم لا يهتمون، وبوريس جونسون تحديدًا لا يهتمُّ لأي شيء خارج مجاله البصري القريب. وبالتالي أن يعير اهتمامًا لما يحدث في بيلفاست، فكرة تبدو لي في غاية العبثيَّة. ما سيحدث لاحقًا هو تكاثر التعليقات المقارنة بين موقف جونسن وموقف توني بلير الذي انخرط وقتها في مسار السلام على الجزيرة. متجاهلين أن توني بلير كان مجرم حرب، وأنه قام بتمزيق دولتين كاملتين، في نفس اللحظة التي كان يزعم فيها أنه يعمل لإحلال السلام بإيرلندا الشمالية. وبوريس جونسون، في نهاية الأمر، ليس شخصيَّة جادة، ومن الأفضل أنه ليس كذلك، ولولاه لكان انخرط هو الآخر  في تمثيل دور المسيح المخلِّص على شاكلة بلير؛ يختار بلدًا على الخريطة ويحتلَّها، سافكًا دم الأبرياء من مواطنيها.

إذًا هناك جوانب إيجابيَّة في شخصيَّة بوريس جونسون وأخرى سيِّئة. لكن، على العموم، لا آخذ أيًا مما تقوم به الحكومة البريطانيَّة على محمل الجدِّ، وحتى إن اشتغلت منفردة على إجراءات عملية للتهدئة، ماذا سيكون نتاجها في الأخير؟ ربما اتفاقًا على هيئة نمر من ورق. 

 

  • على ذكر توني بلير، هل يمكننا الحديث الآن عن "موت اتفاق الجمعة العظيمة"؟ وإذا ما صح ذلك، ماهو البديل في نظرك عن هذا الاتفاق؟

إذا كان اتفاق الجمعة العظيمة قد مات، فحتمًا قلَّة هم من انتبهوا لذلك. في نظري حتى اسم "الجمعة العظيمة"، اصطلاح جميل ورنان، لا يليق إلا لإعادة شحن الأزمة الحاصلة عبر كرِّ خطاب: يجب علينا حماية اتفاق الجمعة العظيمة.. وما إلى ذلك من ترهات. عودة لما تحدثنا عنه سابقًا، فاتفاق الجمعة العظيمة قد خذل الناس الذين خرجوا في أعمال العنف الأسبوع الماضي، ولا أقول الآن بوجود طابع تقدمي لذلك العنف، العكس تمام، نجد عائلات كاثوليكيَّة تدفع الثمن للمرة الثانية، إذ تم تهجيرها من بيوتها مع تجدد عنف ليس فيه من شيء إيجابي، سوى أنه أظهر فشل الاتفاق في معالجة الأسباب البنيوية العميقة لأزمة إيرلندا الشمالية، وفي منحه الناس مساحة حرية للشعب؛ حيث لن نصبح مضطرين لتقديم آلاف المعتقلين ومئات القتلى كل سنة،حيث لن يكون أي جيش احتلال على أراضينا.

  • أي دور يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي لحلِّ هذه الأزمة؟

لن تلعب أوروبا أي دور، أقصد أن الاتحاد الأوروبي قد حصلَ على ما يريده من إيرلندا، استغلها كورقة مساومة في اتفاقية البريكسيت، انتهت الاتفاقيَّة فانتهت بذلك حاجتهم في الجزيرة. الأمر أشبه بما أوضحته بخصوص توني بلير، فالبعض ينتظرون من الاتحاد الأوروبي، كما ينتظرون من الحكومة البريطانية أو الأمريكية، أن يلعب دورًا متعاطفًا وتقدميًا في السياق الإيرلندي. متجاهلين تمامًا أن الاتحاد نفسه من صلب شعبًا كالشَّعب اليوناني على صليب سياسات التقشُّف، أن الاتحاد الأوروبي نفسه من حوَّل البحر الأبيض المتوسِّط إلى مقبرة جماعية من جثث الهاربين من ويلات حروب أفريقيا والشرق الأوسط.. إذًا ففكرة أنه يمكن له أن يلعب دورًا لصالح الشرائح الفقيرة في بيلفاست تبدو لي في غاية الغرابة، وعلينا أن نتحلى بقليل من احترام الذات وأن نكف على بناء أمال كبيرة على تحرُّكاتهم.

  • هل هناك إمكانية لأن تنشأ حركة، لنسميها نقابيَّة أو سياسية، عابرة للمجتمعين البروتيستانتي والكاثوليكي، للدفاع عن حقوق هذه الشريحة في السلم والأمان والعيش الكريم، ضدًا على رهانات النخب من الجانبين؟

كجواب مقتضب: لا. بهذه البساطة، وهذا لا يعني استحالة وجودها، بل ولنكون أكثر صراحة مع أنفسنا، يوجد تعدد كبير للآراء والمواقف وتضارب فيما بينها، ما يجعل إمكانية التوافق صعبة.

 الاتحاد الأوروبي قد حصلَ على ما يريده من إيرلندا، استغلها كورقة مساومة في اتفاقية البريكسيت، انتهت الاتفاقيَّة فانتهت بذلك حاجتهم في الجزيرة

  • هلَّا وضحت لنا أكثر مكامن هذه الصعوبة؟

 في نظري أن هذا لا يمكن له أن يحصل في وضعية كولونيالية أو نيو كولونيالية كالتي نعيش تحتها، لأن كل جزء من هذه الطبقة العاملة مستقطب بشكل مختلف حول المسألة الوطنية والمجتمع، كما أن هنالك إحساس لا زال سائدًا بين الوحدويين في إيرلندا الشمالية، بأن وجودهم رهين بالتمسك بهذا الجزء من البلاد بقبضة الدولة البوليسيَّة، وبالتالي هناك إحساس بالتعالي الطائفي عن  السكان الأصليين للبلاد. المشكل في هذا الإحساس هو أنهم هنا لمئات السنين، وأنهم إيرلنديون بنفس الدرجة التي أنا بها. فالأمر أشبه بالساكنة البيضاء في أمريكا الشمالية، لا زالوا يحافظون على العقليَّة الكولونيالية في علاقتهم لا فقط مع السكان الأصليين بل كل من يختلف عرقيًا معهم، أشبه كذلك بما يقع في فلسطين. فعل اختلاف ظروف هذه الحالات، يبقى ما يجمعنا بها هو الجذور التاريخية التي تسمح لتلك العقلية الكولونيالية بالاستمرار.