تجارة الأعضاء في مصر.. "بيزنس" السماسرة وفخ الفقراء
5 أغسطس 2025
تشهد منصات التواصل الاجتماعي في مصر هذه الأيام حلقة جديدة من مسلسل الجدل دائم العرض، تتعلق هذه المرة باتهامات وٌجهت لبعض الفنانات والشخصيات العامة بالإتجار في البشر والمتاجرة بأعضاء المصريين، الأمر الذي أحدث انقسامًا لدى الشارع المصري بين مؤيد ومعارض.
وأعاد هذا السجال المحتدم، الذي يطفو على السطح بين الحين والأخر، طرح ملف تجارة الأعضاء البشرية على طاولة النقاش مرة أخرى بعد غياب ليس بالقصير، وهو الملف الذي ظل لعقود حاضرًا بشكل كبير وفي مرتبة متقدمة في قائمة أولويات واهتمامات المصريين، نخبة وإعلامًا وجماهير.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لتلجيم هذه الظاهرة منذ تدشين "قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية" الصادر في عام 2010 والذي يٌجرم تجارة الأعضاء البشرية، ويغلظ من العقوبات الواردة بحق المتورطين فيها، غرامة وسجنًا، إلا أنه لم ينجح في درء هذه التجارة السوداء، والتي وجدت في مصر سوقًا رائجًا يحقق أرباحًا سريعة وباهظة.
كشفت منظمة الصحة العالمية من خلال دراسة صادرة عنها مؤخرًا أن مصر تعد مركزًا إقليميًا للإتجار بالأعضاء البشرية، وصنفت ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في تصدير الأعضاء البشرية
مصر الأولى عربيًا
في 27 آب/أغسطس 2016 نشرت المجلة البريطانية لعلم الإجرام "British Journal of Criminology"تقريرًا مٌفصلًا عن تجارة الأعضاء البشرية في مصر، استعرض فيه بعض الأرقام والإحصائيات الكارثية عن حجم هذه التجارة، التي وضعت القاهرة في مركز متقدم بين الدول المتورطة في هذا النوع من التجارة غير المشروعة، وأنها تعتبر من أكبر الأسواق في تجارة الأعضاء البشرية في العالم.
وفي نفس السياق، كشفت منظمة الصحة العالمية من خلال دراسة صادرة عنها مؤخرًا أن مصر تعد مركزًا إقليميًا للإتجار بالأعضاء البشرية، وصنفت ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في تصدير الأعضاء البشرية مع كل من الصين والفلبين وباكستان وكولومبيا، وتعتبر مصر الأولى على مستوى الشرق الأوسط والمنطقة العربية.
وفي بحث ميداني أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2016 بعنوان "صور الاتجار بالبشر في المجتمع المصري" رصد بيع الأطفال لأعضائهم – من خلال عينة مكونة من 400 طفل – وبالتحديد الكلى فقط، حيث باع طفلان كليتيهما مقابل 15 ألف جنيه لأحدهما، و25 ألف جنيه للآخر، والاثنان من الذكور في الفئة العمرية من 15 إلى 18 عامًا والاثنان من الذين تسربوا من مرحلة التعليم الابتدائي.
من حالات فردية للظاهرة
تحولت تجارة الأعضاء في مصر من حالات فردية إلى ما يشبه الظاهرة، ففي عام واحد فقط (2016) على سبيل المثال شهد العديد من الوقائع التي أصابت المجتمع المصرية بالصدمة:
-كانون الثاني/ يناير: تم ضبط "مافيا" للاتجار بالأعضاء البشرية بمنطقة الخليفة، تتكون من 4 سيدات ورجل، منهم سيدتان قامتا ببيع كليتهما، مقابل 17 و20 ألف جنيه للواحدة، ثم انضموا للتشكيل العصابي من أجل استقطاب آخرين لبيع أعضائهم البشرية نظير مبالغ مالية.
- نيسان/ أبريل: عٌثر على جثث تسعة صوماليين، في إحدى شواطئ مدينة الإسكندرية، وقد سُرقت أعضاؤهم، وكانت هذه الأسرة الصومالية قد جاءت إلى مصر بغية الهجرة إلى أوروبا، إلا أنه تم اختطافهم من قبل مجهولين، وسرقة أعضائهم مثل الكبد والقلب والكلى.
-حزيران /يونيو: تم ضبط تشكيل عصابي، تخصص في تجارة الأعضاء البشرية، حيث ضبطت سمسار لتجارة بيع الأعضاء وبرفقته شخص آخر يساعده في اختيار الشباب، وإقناعهم بإتمام عملية بيع الأعضاء البشرية في موعدها، وإتمام التحاليل اللازمة للعملية، مقابل منحهم 15 ألف جنيه للكلية الواحدة.
-آب/ أغسطس: كشفت الأجهزة الأمنية عن ضبط تشكيلين عصابيين استغلا حاجة الفقراء إلى المال، وقاما بالاتجار في أعضائهم البشرية. واتخذا من منطقة السيدة زينب مقرًا لنشاطهما. وقد أقرّ أفراد العصابتين في اعترافاتهم أمام النيابة بأنهم كانوا يستدرجون الفقراء والمغتربين والمتعسرين ماديًا، ويقنعونهم بالتبرع بأعضائهم مقابل وعود بوظائف برواتب مجزية.
-أيلول /سبتمبر: تم الكشف عن تورط طبيب وممرض وموظفة بمستشفى "أم المصريين" الحكومية بالجيزة، حيث كان يحصل فيها المتبرع على مبلغ مادي في حدود الـ12 ألف جنيه، إضافة إلى ما تم كشفه في منطقة المرج بالقاهرة، بعد أن أبلغ بعض الأهالي الشرطة عن صدور أصوات مشاجرات متكررة في شقة سكنية يقطنها رجال ونساء غرباء عن المنطقة، ووقتها داهم الأمن المنزل واكتشف وجود ثلاجات ممتلئة بأعضاء بشرية.
-كانون الأول/ديسمبر: كشفت هيئة الرقابة الإدارية (إحدى الجهات الرقابية في مصر) عن واحدة من أكبر شبكات الاتجار في الأعضاء البشرية، المتخصصة في سرقة أو شراء بعض أعضاء المرضى أو الفقراء، وبيعها للأثرياء داخل مصر وخارجها بملايين الدولارات، فضلًا عن إجراء عمليات جراحية لنقل الأعضاء أو سرقتها في أماكن غير مؤهلة، مما تسبب في وفاة بعض الحالات.
بحسب بيان الهيئة، فقد أعترف المتهمون بحصولهم على الأعضاء البشرية من المواطنين البسطاء من خلال وسطاء يقومون بالاتفاق معهم ويحصلون منهم على موافقات مكتوبة بنزع أعضائهم البشرية المطلوبة مقابل مبلغ زهيد من الجنيهات أو الدولارات
الهيئة في بيان لها أكدت أن الشبكة تضم 41 متهمًا، منهم 12 طبيبًا و8 ممرضين وعدد من أساتذة الجامعة والوسطاء، الذي تمكنوا من تحقيق ثروات طائلة من خلال تلك العمليات غير المشروعة، مضيفة أن الفريق المكون لهذه الشبكة، يضم أطباء من كليتي الطب بجامعتي القاهرة وعين شمس ومستشفى "أحمد ماهر" التعليمي ومعهد الكلى ومعامل ومعاهد خاصة.
الإنترنت سوق كبير و "الكٌلى" الأكثر بيعًا
وجد أباطرة تجارة الأعضاء من أطباء ورجال أعمال وسماسرة في الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي سوقًا مفتوحًا للإيقاع بالضحايا والزبائن معًا. ففي ظل الرقابة المشددة التي تفرضها الدولة والأجهزة الأمنية على هذا النوع من الأنشطة الإجرامية، والتي ساهمت - ولو جزئيًا - في تضييق الخناق على هذه التجارة، كان اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي الخيار الأنسب لهم.
ويميل تجار الأعضاء إلى استخدام الإنترنت لعدة أسباب، أبرزها غياب الرقابة القانونية والأمنية، ما يتيح لهم ممارسة نشاطهم بعيدًا عن أعين الجهات المعنية. كما توفر المنصات الرقمية ساحة مفتوحة وسريعة الانتشار لعرض حالات بيع الأعضاء، بما يسهل الوصول إلى المشترين وتحقيق أعلى الأرباح.
وتتباين الأعضاء المتاجر بها من شخص لآخر، تبعًا لصحة المتبرع (أو البائع) ودرجة فقره وحاجته. وتتصدر الكلى قائمة الأعضاء الأكثر طلبًا وانتشارًا، وفقًا للتقارير والإحصاءات، حيث يتراوح سعر الكلية الواحدة بين 15.000 و50.000 جنيه (ما يعادل نحو 308 إلى 1.028 دولارًا).
كما تنشط عصابات على الإنترنت تستهدف المستخدمين الذين يبدون استعدادًا لبيع أعضائهم أو يمتلكون معلومات عن أشخاص راغبين في ذلك، حيث يتم استقطابهم وإغراؤهم بالمال حتى الإيقاع بهم. ورغم تناول عشرات الأعمال الفنية، من أفلام ومسلسلات، لهذه الظاهرة، فإنها لم تُسهم في الحد من انتشارها.
يميل تجار الأعضاء إلى استخدام الإنترنت لعدة أسباب، أبرزها غياب الرقابة القانونية والأمنية، ما يتيح لهم ممارسة نشاطهم بعيدًا عن أعين الجهات المعنية. كما توفر المنصات الرقمية ساحة مفتوحة وسريعة الانتشار لعرض حالات بيع الأعضاء
الفقر كلمة السر
يستغل سماسرة الإتجار في الأعضاء البشرية الوضع المعيشي المتدني ومعدلات الفقر المرتفعة في اصطياد ضحاياهم، حيث يٌسيلون لعابهم بالمال، مستثمرين في حالة العوز التي يعانون منها، لإيقاعهم في الفخ، مع الاستعانة ببعض الأطباء المتواطئين في إيهام الضحايا بأن الأمور من الناحية الصحية ليس بها خطورة على حياتهم.
العشرات من شهود العيان أكدوا في حديثهم لـ "الترا صوت" أنهم قابلوا أٌناسًا عرضوا "كليتهم" للبيع نظير مبالغ زهيدة، من أجل الهروب من أزمات كانت تلاحقهم، لافتين أن بعضهم لم تتجاوز مطالبه 5000 جنيهًا (102.8 دولارًا) مقابل بيع كليته، مؤكدين أن هذا الأمر تكرر في 2005 و2010 وكذلك في 2019 بعدما وصلت الأوضاع المعيشية إلى مستويات لم يعد الجميع قادر على تحملها.
وتبذل الأجهزة الرقابية للدولة جهودًا مضنية لتطويق هذه الظاهرة، إلا أن الوضعية المعيشية الحرجة لكثير من المواطنين والرغبة في الثراء السريع لأباطرة هذا النوع من التجارة، جعلا من تلجيمها بشكل كامل مسألة غاية في الصعوبة، لتواصل هذه الجريمة انتشارها وبشكل مقلق.
وبحسب البيانات الرسمية فإن نسبة الفقر في مصر بلغت نحو 29.7% وفق بحث الدخل والإنفاق لعام 2020، أي أن أكثر من 30 مليون مصري تحت خط الفقر، لا يتجاوز دخلهم اليومي دولارًا واحدًا، وسط تقديرات أن الرقم الفعلي أكبر من ذلك بكثير، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية التي شهدتها الدولة مؤخرًا بعد قرار التعويم 2016 وأثقلت كاهل الملايين من متوسطي ومحدودي الدخل.