تتهدّدهن "مركبات الموت" في المغرب.. معاناة العاملات الزراعيات مع تنقلهن اليومي
18 يونيو 2025
تتكرر حوادث السير المأساوية التي يذهب ضحيتها عاملات زراعيات بالضيعات الكبرى في عدد من مناطق المغرب، ما يعيد النقاش حول الظروف المزرية التي تحيط بهذه الفئة الحيوية اللواتي يعانين الأمرين في سبيل جني قوت يومهن.
وفي ظل تزايد الحوادث المميتة، التي تودي بحياة عمال القطاع الفلاحي، تتصدر قضية النقل غير الآمن قائمة المشاكل التي تواجه هذه العاملات.
وفي آخر الحوادث المماثلة، توفيت 4 نساء تشتغلن في إحدى الضيعات الفلاحية على مستوى جماعة سبت الكردان ضواحي أكادير (وسط)، نهاية شهر أيار/مايو الماضي، إثر انفجار إحدى عجلات سيارة لنقل السلع تقل على متنها 14 امرأة يشتغلن في المجال الزراعي.
ويرى مراقبون أن تكرار الحوادث بعدد من مناطق المغرب، يكشف عن اختلالات بنيوية تستوجب معالجة شاملة، ترتكز على تعزيز السلامة أثناء التنقل، وضمان شروط عمل إنسانية، وتأطير قانوني يحمي هذه الفئة من الشغيلة الفلاحية.
تتكرر حوادث السير التي تطال العاملات الزراعيات في المغرب، كاشفة عن هشاشة ظروف نقلهن وغياب السلامة
ثمن لقمة العيش
ترى منسقة مجموعة شابات من أجل الديمقراطية، مريم هواد، أن "حوادث السير التي تتعرض لها العاملات الزراعيات ليست فقط أرقامًا أو وقائع مؤلمة تتكرر، بل هي قصص نساء يخرجن في ساعات الفجر الأولى من بيوتهن بحثًا عن لقمة عيش ، فلا يدرين إن كنّ سيعدن في المساء سالمات أم لا".
وقالت هواد لـ"الترا صوت"، إن "ما يُؤلم أكثر هو أن هذه الحوادث لم تعد مفاجئة أو نادرة بل باتت مألوفة، وكأن الموت في الطريق صار جزءًا من ثمن العمل. ومع كل فاجعة، تزهق أرواح، وتيتم أسر، وتُطوى الملفات بسرعة مؤلمة، دون مساءلة حقيقية أو إجراءات رادعة تضمن عدم تكرار المأساة".
وأشارت الناشطة التي اشتغلت ميدانيًا على ملف العاملات الزراعيات، أنه "في منطقة سوس (وسط)، حيث تنتشر الضيعات الفلاحية الكبرى، ويُشكل العمل الزراعي مصدر دخل أساسي لآلاف النساء، تتحول الطريق إلى مكان للخطر اليومي، لا لسبب إلا لأن وسائل النقل المستعملة تفتقر لأبسط شروط السلامة والكرامة، إذ يتم تكديس النساء في عربات من نوع بيك اب، بلا حزام أمان، وبلا تأمين، في ظروف لا تراعي لا إنسانيتهم ولا حقوقهم كعاملات".
جشع أرباب العمل
يؤكد الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، بدر عريش، أنه فعلًا "ووسائل النقل غير الآمنة التي لا تستجيب لشروط الصحة والسلامة، تتسبب سنويا في وفيات عديدة وعشرات من الجرحى والمعطوبين في صفوف العمال الزراعيين الذين يفوق عددهم مليون شخص".
وشدد عريش في حديثه لـ"الترا صوت"، أن "مسؤولية هذا الوضع الصعب مشتركة بين مجموعة من الفاعلين، وعلى رأسهم وزارة الفلاحة باعتبارها الوصي على القطاع، ولكون هذه الوزارة تقدم دعمًا ماليًا مهمًا لكبار الفلاحين وأرباب الشركات الزراعية، إلى جانب عدد مهم من الإعفاءات والتسهيلات".
"في المقابل، لا تقوم هذه الشركات الفلاحية بتوفير نقل جماعي للعاملات في ظروف السلامة والصحة، إذ يُنقلن عادة في شاحنات صغيرة بشكل يتجاوز طاقتها الاستيعابية بدون شروط الصحة والسلامة"، يردف الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي.
وأضاف الفاعل النقابي، أن "جانبًا من المسؤولية تتحمله عن الجماعات والسلطات، خصوصًا في القرى التي تتواجد بها الضيعات، على مستوى تهيئة مسالك وطرق معبدة صالحة للتنقل، إضافة إلى غياب المراقبة من طرف السلطات المكلفة بمراقبة المركبات التي تقل العاملات الزراعيات واللواتي".
ترى مريم هواد أن حوادث السير ليست أرقامًا، بل مآسٍ لنساء يخرجن فجراً للعمل ولا يعلمن إن كنّ سيعدن سالمات
تدخل الحكومة ضروري
وأمام تكرار هذه المآسي التي أصبحت تشكل إحدى السمات الرئيسية المرتبطة بمهنة العاملة الزراعية، دعت فعاليات حقوقية القطاعات الحكومية الوصية إلى الحد من الأوضاع المزرية التي تعيشها النساء العاملات في مجال الفلاحية والزراعة.
ولفتت مديرة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، بشرى عبدو، انتباه إلى "ضرورة التعجيل بوضع إطار قانوني ينظم نقل العاملات الزراعيات، ويمنع استخدام وسائل نقل غير المعينة على وجه الخصوص لذلك، مع تشديد السلطات الرقابة ومنع مرور وسائل النقل غير الآمنة بالنسبة للعاملات الزراعيات".
وطالبت مديرة جمعية التحدي، في تصريح لـ"الترا صوت"، "وزارة النقل واللوجستيك باعتماد دفتر تحملات، موجه لأرباب الضيعات الفلاحية، يحفظ سلامة وكرامة النساء العاملات، وأيضًا وزارة الإدماج الاقتصادي بإدماج هذه الفئة ضمن برنامج الحماية الاجتماعية والتشغيل اللائق".