معتوق بوراوي/ ليبيا

يُغلق النافذة المطلة على ضوضاء المدينة الغريبة، ثم يجلس على الأريكة السوداء في غرفة المعيشة. يريدها جلسة منفردة وهادئة مع زوجته ليصارحها في كلِ شيء.

يستلُّ لفافة تبغ بإصبعيه المرتجفتين، كعادته يستخدم الإبهام والسبابة ويشعلها بصمت مُحكم. ينفثها مرة ليسعل فجأة. يشكك في جودة التبغ الذي اشتراه البارحة سعيًا منه لتوفير القليل من المال. لكنه لا يبالي بتلك السعلة. يرتشف قهوته ثم يتأمل عيني زوجته الغانية ذات الوجه النضر، ويقول: لعنة الله على تلك اللحظة التي قررنا فيها القدوم إلى أوروبا.

إن تلك اللعنات تولَدُ من رحم الندم عشرات المرات في يومه، لكن استهلال كل واحدة منها ترتطم بجدران الحاضر الشاهقة وتندثر، فالحاضر المتربع على عرشه المتهالك هو المتفرد، والماضي ليس إلا جثة تتآكل في مقبرة الزمن.

يسحب بعضًا من الدخان بعد تلك اللعنة، ينفث قليلًا في الفراغ  دون سعالٍ، لتبقى ألسنة منه تجول في أعماق رئتيه. يحاول إيصال مزيج أحاسيسه المنزوية في جهازه الحوفي إلى زوجته، لكنّ تلك تظل تضحك وكأنه يروي لها بعض النكات.

يتساءل في حنايا صدره: "ترى أي امرأة تلك التي تضحك بينما الترح يساور حبيبها والأسى يضنيه ليلًا ونهارًا؟ أليس الحب هو تبادل المشاعر والإحساس بالآخر؟ إذن لماذا لا تشعر بي؟". يحاول مرة أخرى أن يحدثها عن ضيق حاله ويشرح لها معنى الحياة الذي لم يعد يتعدى البؤس بالنسبة له، لكن زوجته لا تبالي لكلماته منذ فترة، وتحافظ على تلك الضحكة. 

يشعرُ برعشة تحثه على الصراخ في وجه زوجته المستفزة بضحكتها. يتوقف عن سرد آهاته لثوان معدودات، ثم يصيح في وجهها منفعلًا: "لماذا تصرين على ضحكتك؟"، صيحته الخجولة تلك لم تهزم ضحكتها ولم تضعفها. يرمي جمّ سخطه على لفافته. يضرب رأسها في المنفضة الزجاجية ثم يقف من على الأريكة. يتقدم نحو زوجته. يقترب إليها. تغرورق عيناه بالدمع ويتمتم بصوت خافت: "لكن قبل كل شيء.. أرجوك أجيبي .. لماذا لم نمُت معًا في ذلك البحر؟"

تكاثر الدمع على حافة حجرتي عينيه ليسيل أخيرًا على خديه رثاءً لحاله. أخذ صورة زوجته المحاطة بإطار أسود، وقبّلها مثنى ثم وضعها على الرف من جديد، وردد: "لكن.. تبًا لي.. فأنا الذي أقنعتك في أن نترك الموت خلفنا. ليخطفك في ليل حالك. تبًا لي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

في حضرةِ السماء

لم تبق فراشة إلا وصادقتني