تاريخ التسحيج.. من سحيجة علي بن أبي طالب إلى اليوم

تاريخ التسحيج.. من سحيجة علي بن أبي طالب إلى اليوم

ياسر أبو حامد/ سوريا

لعل أنسب ما أبدأ به هذا المقال هو تفسير عنوانه، فكلمة "تَسْحيج" هي مصدر الفعل سَحَّجَ، يُسَحِّجُ فهو مُسحِّج، أو سَحِّيج حسب صيغة المبالغة، وهي لفظة فلسطينية باللهجة الدارجة تعني التصفيق بالأيدي، والمقصود هنا تحديدًا نوع التصفيق الذي يُمارسه الناس في حفلات الأعراس عادة، حينما يتحلّقون في دائرة عظيمة في ساحة الاحتفال، ويمارسون تصفيقًا ذكوريًا عنيفًا يميل بأجسامهم نحو الأرض، ويستنزف كميات كبيرة من طاقاتهم الجسدية وعرقهم المتصبب من أجسامهم المنتشية بنغمات شعبية تراثية معروفة. 

المشترك بين كل السحّيجة أنهم يمارسون التسحيج وهم يحنون رؤوسهم نحو الأرض

ويتفاوت هنا إتقان المسحجين للسحجة حسب خبراتهم الاحتفالية في أعراس سابقة أو غاياتهم من المشاركة في السحجة، فيبدو بعض أجزاء حلقة التسحيج نشيطًا حد الاشتعال، وهو الجزء الذي يكون مشغولًا عادة ببعض الشباب المقرّبين من صاحب الحفل، أو بعضهم الآخر ممن يجدون في المكان والزمان فرصة مواتية جدًا للفت انتباه بنات الجيران اللاتي يراقبن ساحة الاحتفال من أعالي أسطح البيوت القريبة. في حين تبدو أجزاء أخرى من حلقة التسحيج، وهي عادة الموجودة على الأطراف، أقل نشاطًا واحترافية، وقد يُعزى ذلك لكون حلقة التسحيج مفتوحة للجميع ولا يتطلب الانضمام إليها شيئًا ذا بال، مما يجعل التسحيج أقل تناغمًا وحرارة. مع كل ذلك، يبقى المشترك بين كل السحّيجة أنهم يمارسون التسحيج وهم يحنون رؤوسهم نحو الأرض، كما يعتمدون في تسحيجهم على التقليد والمحاكاة أكثر من أي شيء آخر، مما يجعل كثيرًا منهم لا يعرفون فيمَ يُسحّجون ولمن يُسحّجون وعلى أي نغمة يُسحّجون!

اقرأ/ي أيضًا: لجان السيسي الإلكترونية.. هيا إلى الكذب!

كان هذا هو المعنى اللغوي للكلمة، أما المعنى الاصطلاحي للتسحيج اليوم فهو في أقل مستوياته يعني ممارسة الهُتاف والتصفيق والتهليل والتطبيل الأعمى لشخص أو مجموعة أو قبيلة أو حزب أو نظام ما، وبشكل مُغاير للسياق اللغوي والاجتماعي الذكوري لمفردة التسحيج، فإن السحيج اصطلاحًا يمكن أن يكون ذكرًا أو انثى، أو حتى في منزلة بين المنزلتين. وفي حالة كان المُسحَّج له فردًا، فإنه يكون عادة من أصحاب النفوذ في مجال ما، وهذا يعني أن التسحيج ليس مقتصرًا على المجال السياسي وهو المجال الذي يكثر فيه استعمال هذا المصطلح، بل هو موجود في مجالات أخرى كثيرة كما سيتبين في السطور اللاحقة. 

عودة للعنوان وبالحديث عن الطرف الآخر فيه، أي الإتيان على ذكر عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-، تروي كتب التاريخ والحديث كالبخاري وسواه، أن زمن خلافة علي بن أبي طالب شهد حادثة فارقة، وهي أن بعض من غلوا في حبّه جاؤوه يعلنون إليه استسلامهم له كرب وإله، مما جعله ينهاهم عن غيّهم ويستتيبهم منه، فلمّا لم ينتهوا عن ذلك أشعل ناراً عظيمة ليجعلهم عبرة لكل من تسول له بذرة الوثنية فيه الوصول إلى هذا المستوى من التسحيج، فلما همّ بإلقاء بعضهم في النار أظهروا مستوى قياسيًا من التسحيج فقالوا أن إحراق عليٍّ لهم بالنار هو زيادة دلالة على أنه الإله المتجسد، بما أنه لا يُعذب بالنار إلا رب النار! وكل ذلك حسب الروايات المشوبة بالكثير من الأخذ والرد والجدل الذي لا يخدم الخوض فيه أغراض هذا المقال.

يبدو السحيجة بارعين جدًا في ابتكار تسحيجات فضفاضة قادرة على استيعاب أكبر الموبقات

من هنا تتضح فكرة أن التسحيج، بما يتضمنه غالبًا من جهل وتساوق مع غرائز قطيعية دفينة في البشر، هو في حقيقة الأمر فرع من شجرة الوثنية التي تنبت في قلوب كثير منهم، إذا ما غفلوا عن تعاهد عقولهم وقلوبهم وتنظيفها أولًا بأول من بذور التصنيم التي تملأ الأجواء في كل مكان وُجد فيه الناس. ولعل اختياري لهذه الحادثة جاء لكونها الأكثر تأهيلًا لأن تكون الأولى في تاريخ الإسلام، الوعاء الحضاري الذي يضم العرب اليوم ويشكل بداية ظهوره بالنسبة للكثير منهم مبتدأ حضارتهم وتاريخهم، وﻷبين أن التسحيج يبدو أقرب لثقافة عربية أصيلة بجذور تاريخية عميقة! كما يبدو واضحًا أنني لست بصدد تقديم تأريخ حقيقي لظاهرة التسحيج، التي لا يمكن الإحاطة بتاريخها على أية حال كونها مرتبطة ببداية الوجود البشري من الأساس.

اقرأ/ي أيضًا: إخوان الأردن.. شمع أحمر على المقر العام

والمسحّجون أنواع ومستويات، كما يتفاوت حجم الضرر الحاصل بوجودهم في مجال ما تبعًا لمدى تأثيره على حياة الناس، ومن هنا يتضح أن أكثرهم ضررًا وأشدهم انحطاطًا وأكثرهم خسة هم المسحّجون في السياسة، فالصورة الكلاسيكية للسحّيج السياسي تظهره كمُنتفع مادي رخيص، لا يكف عن التطبيل والتزمير للزعيم أو الفصيل أو الحزب الذي يدور في فلكه. وعادة يبرز دور السحيجة في هذا المجال أكثر في حال تورط زعيمهم أو حزبهم في خطيئة سياسية ما، فيملأون في زمن وسائل التواصل الاجتماعي الفضاء الإلكتروني بالدعاية التبريرية لزعيمهم أو فصيلهم، بمنطق متهافت، إن صحّ اعتبار سردية السحيجة المثيرة للغثيان خاضعة لأي منطق، إذ يبدو السحيجة -رغم غبائهم الفطري- بارعين جدًا في ابتكار تسحيجات فضفاضة قادرة على استيعاب أكبر الموبقات، ما دام مقترفوها من أسيادهم أو حلفائهم، وكاختصار للأمر، يمكن القول أن التسحيج يجري بمنطق "إيه اللي ودّاها هناك؟!"، وهي العبارة التي نطق بها سحّيجة جماعة سياسية معروفة لتبرير سحل قوات الأمن المصري لفتاة مصرية وتعريتها أمام الكاميرات، إبّان فترة "شهر العسل" بين قيادة تلك الجماعة وقيادة الجيش المصري قبيل الانقلاب.

وﻷن الشيء بقرينه يُذكر، فتجدر الإشارة إلى أن وجود السحّيجة في السياسة لا يقتصر فقط على الأحزاب والفصائل الخالية من المضمون الإيديولوجي، والتي لا تمثل في حقيقة الأمر سوى شبكات من المنتفعين واللصوص غير المتورعين عن خيانة كل شيء من أجل مصالحهم الشخصية، بل يمتد وجودهم إلى الأحزاب الإيديولوجية الكلاسيكية سواء المتدثرة برداء "العقلانية" في اليسار، أو المستندة إلى الإسلام في بنائها الفكري. فمثلًا، لا تجد بعض أحزاب اليسار العربية أي غضاضة في التسحيج لقاتل مستبد مثل بشار الأسد تحت عناوين متهالكة وساقطة أخلاقيًا ومُصادمة للعقل قبل كل شيء كالممانعة، في حين لا تخلو صفوف الحركات الإسلامية من سحّيجة، كالمطبّلين لإيران وأذرعها في المنطقة بتأثير من التمويل المشبوه، أو الواثقين وثوق الحمقى بقيادات وكتائب المقاومة الفلسطينية مثلًا، خالطين بين أمرين منفصلين، وهو تأييد المقاومة كمبدأ وبين ضرورة خضوع تلك المقاومة وامتداداتها السياسية لمنطق المحاسبة الشعبية حال وقوعها في الخطايا السياسية والاجتماعية، والتي وقعت من قبل بكل تأكيد.

أظهرت وصلات المديح التي أغدقها كثير من العرب على أنجيلا ميركل أن كثيرًا منهم مفطورون على التسحيج

وقد أظهرت وصلات المديح التي أغدقها كثير من العرب على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عندما فتحت أبواب بلادها -وفق مقتضيات المصلحة الألمانية- للاجئين السوريين أن كثيرًا منهم مفطورون على التسحيج، وأن ثقافتهم مغموسة بزيت تبجيل المسؤولين، كيف لا وهم يقرؤون في تراثهم، دون أن يرف لهم جفن، أن الشاعر الفلاني دخل على "الخليفة" الفلاني فأنشده بعض أبيات الشعر التسحيجية فأغدق عليه من أموال الناس مكافأة تقديرية!

اقرأ/ي أيضًا: أهلًا وسهلًا بنهاية العالم

كما أن كثيرًا من أحداث الربيع العربي العاصفة في السنوات القليلة الماضية، أظهرت أمرًا خطيرًا جدًا، وهي خفة بعض الناس وتساهلهم في أمر التسحيج المجاني، حتى إن المرء ليقف مشدوهًا لدى مُطالعته لانعدام جدوى تسحيج بعض المسحجين، ممن لا يُرجى لهم أن يتلقوا جراء تسحيجهم لبعض الظلمة والطغاة أي منفعة، اللهم إلا وزر دماء وأعراض حرام وجد المسحجون أنفسهم يخوضون فيها وهم في بيوتهم إثر تسحيجهم! وبالتالي يمكن القول أن ضرر السحيجة من الفئة المجانية أو شبه المجانية كبير، كأولئك الذين يعملون بنظام بطاقة شحن الهاتف أو من المتطوعين بسبب العمى الإيديولوجي والجهل المركب، كونه يصعب على أصحاب النفوذ عادة تفريخ أعداد كبيرة من السحيجة ذوي حجم الانتفاع المتوسط، بما أن ذلك يعني نفقات تشغيلية أكبر قد تكون على حساب سرقاتهم من أموال الناس!

وكما أن للأحياء سحّيجة، فإن الثقافة العربية لم تغفل عن نصيب الأموات من التسحيج، ولا داعي لكثير كلام هنا اللهم إلا الاكتفاء بإيراد مثال واحد من الكيان الصهيوني لتبيين الفارق العميق بين الثقافتين الفلسطينية العربية والصهيونية في هذا الخصوص، وهو أن ثمّة تحقيقات تجري حاليًا تنبش في ماضي رحبعام زئيفي وهو رجل سياسي ووزير إسرائيلي سابق اغتاله فلسطينيون قبل سنوات، مما يجعله في مصافي "القادة الرموز والشهداء" بالمنظور الإسرائيلي ووفق المنطق الفلسطيني، تدور هذه التحقيقات حول اتهامات بالتحرش الجنسي ببعض النساء اللاتي عملن تحت إمرته، مما دعا بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي إلى المطالبة بوقف نفقات تخليد ذكرى القائد الشهيد زئيفي، دون ظهور أي دعوات تسحيجية على ما يبدو تدعو للامتناع عن الخوض في عِرضه ميتًا، على طريقة الأسطورة العربية: "اذكروا محاسن موتاكم"!

دعا بعض أعضاء الكنيست إلى المطالبة بوقف نفقات تخليد ذكرى زئيفي بسبب اتهامات بالتحرش الجنسي

وﻷن التسحيج "لا يفنى أو يُستحدث بل ينتقل من شكل إلى آخر"، تظهر بعض مظاهره في مجالات أخرى عدا السياسة في مقولات مثل: "لحوم العلماء مسمومة"، وهي عبارة تسحيجية شهيرة في قطاع أتباع ومريدي المشايخ والدعاة، فمن السهل في هذا القطاع التعثر بسحيجة الشيخ الفلاني أو الداعية العلاني يبررون له فتواه المفصلة على مقاس ولي نعمته من السلطان، أو لتبرير تخاذله ومداهنته لطاغية هنا أو هناك. في قطاع الثقافة والمثقفين، يحرص كثير من المثقفين على رعاية قطيع من السحّيجة يوفرون عليهم مجابهة الكثير من النقد بالحجة والبرهان في حساباتهم الإلكترونية العديدة في الفيسبوك وتويتر، ويستمتعون خفية في العادة بمراقبة استهجان سحيجتهم لمعارضة بعض نقادهم لآرائهم أحيانًا أو عدم اعترافهم بجودة أذواقهم الأدبية أحيانًا أخرى. 

اقرأ/ي أيضًا: جوليو ريجيني.. المجتمع المناهض لهدر الإنسان

كما استطاع كثير من المغنيين والمغنيات أن يبنوا لهم قاعدة عريضة من السحّيجة، وهو ما ظهر في مثال فيروز حين انبرى كثيرٌ من سحّيجتها للدفاع عنها عند اتهامها المبني على قرائن عديدة بالانحياز لمحور الممانعة الذي يذبح الشعب السوري منذ سنوات، انطلاقًا من محبتهم لأغنياتها، متجاهلين تمامًا لحقيقة أن جودة أو جمال أغانيها لا تعني بالضرورة طُهر مواقفها الأخلاقية في الحياة! وكمثال أخير على قطاع تسحيجي آخر، فإن السنوات الأخيرة رسخت ظاهرة سحيجة ريال مدريد وبرشلونة أو كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، ويظهر سُخف تسحيج هؤلاء من العرب في توظيفهم لقضاياهم الكبرى والمصيرية، كقضية فلسطين وسواها، في خدمة الصراعات الكروية في لعبة ترفيهية!

السنوات الأخيرة رسخت ظاهرة سحيجة ريال مدريد وبرشلونة أو كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي

بقي أن نقول إنه من غير الواقعي الطمع في فناء الظاهرة التسحيجية تمامًا، كونها في أجزاء غير قليلة منها معزوة إلى الطبيعة البشرية القابلة للتسحيج كقابليتها للعبودية، فهناك أعداد كبيرة من المسلمين يتبعون منذ مئات السنين مذهبًا يقوم على التسحيج لعلي بن أبي طالب ونسله، فضلًا عن أن مليارات من البشر يدينون بدين مبني أساسًا على تسحيج من العيار الثقيل لنبي من الأنبياء، ولكن كل هذا لا يمنع تمني أن تتقلص الظاهرة وأضرارها إلى الحجم الذي لا يؤدي إلى كل هذا الطغيان والدمار والاستبداد الذي يجتاح بلاد العرب. 

وأما من كان بلا تسحيجة، فليحمد ربه، ولْيعلم أنه على أمر مَظِنّته اعتناق الحرية كما أراده خالق البشر، الحرية الحقيقية التي لا تحتمل التسحيج أو العبودية لغير الله، ولا تحتمل إجلالًا وانقيادًا غير متردد سوى لمستحق كل ذاك، وهو لحسن حظنا، واحد أحد لا مثيل له ولا خشية من نقص في ملكه أو سلطانه تستدعي التسحيج لأيٍّ من مخلوقاته!

اقرأ/ي أيضًا: 

الجزائر- فرنسا.. عواطف مفخخة

متى ننتقل إلى لعب التانجو؟