تاريخ الآلة الكاتبة في الصين.. كيف طبع الصينيون رموزهم قبل تطوير الحاسوب؟

تاريخ الآلة الكاتبة في الصين.. كيف طبع الصينيون رموزهم قبل تطوير الحاسوب؟

(Getty Images)

تفرّخ البيروقراطيات أحجامًا لا نهاية لها من الوثائق والمستندات، وجمهورية ماو تسي دونغ، مترامية الأطراف في الصين، لم تكن استثناء بالتأكيد. وللقيام بكل الأعمال الورقية التي تلزم النظام الجديد وإدارة شؤون المواطنين وضبطها الشمولي، كان لا بد من استعمال آلة كاتبة خاصة تتماشى مع النظام الكتابي الصيني الذي لا يعتمد على النظام الهجائي، ما يعني أنها لا بدّ أن تكون آلة على غير النظام الغربي وتقنياته. 

ينسب اختراع أول آلة كاتبة صينية حديثة لتشي شوان (祁暄)، وتم منحها في وقت لاحق لوزارة الزراعة والتجارة، وقد حصل ذلك خلال العقد الأول من القرن العشرين

هذا التحدّي الوطني الخاصّ للجمهورية الشيوعية الناشئة، دفع نحو تشكيل تعاون لا غنى عنه بين المهندسين واللغويين في الصين، كي يجدوا حلًا لأحجية بدت مستعصية، وهي صنع آلة كاتبة بحجم طبيعي وكفاءة عملية عالية، للغة لا تعتمد الحروف الهجائية، بل الآلاف المؤلفة من الرموز المختلفة.

ينسب اختراع أول آلة كاتبة صينية حديثة لتشي شوان (祁暄)، وتم منحها في وقت لاحق لوزارة الزراعة والتجارة، وقد حصل ذلك خلال العقد الأول من القرن العشرين.

ثم اخترع الباحث الجامعي لين يوتانج (林语堂) بعد ذلك آلة كاتبة سريعة وبسيطة أطلق عليها اسم الآلة الكاتبة الصينية المشرقة (明快中文打字机). كانت بحجم أصغر بكثير من الآلات الكاتبة القديمة لكن بتكلفة أعلى، لذا استمر استخدام الآلات القديمة -كالسابق ذكرها- بشكل أكبر.

في تلك الفترة، لم يكتب للآلات الكاتبة الصينية الشيوع، وذلك بسبب ارتفاع أسعارها بشكل عام؛ إذ بلغ سعر الآلة 20 ضعف الراتب الشهري للعمال العاديين في ذلك الوقت. وبعد قيام الجمهورية الصينية بقيادة الحزب الشيوعي، ولاسيما في خلال وفي أعقاب الثورة الثقافية عام 1966؛ صارت الآلات الكاتبة الصينية أكثر ندرة بسبب تعرض عدد كبير منها للدمار، ومنع الأفراد من شرائها أو حتى استخدامها، إذ تم حصر تداولها واستخدامها داخل المؤسسات المملوكة من الدولة، بل وكان يجب أن تسجل لدى أقسام الأمن العام بعد إصدار تصاريح خاصة، وذلك لضمان عدم توظيفها من قبل أطراف سياسية أو فكرية مناهضة للحزب الشيوعي الحاكم. لقد تعاملت الدولة مع الآلات الكاتبة معاملة الأسلحة، للتحكم في نشر المعلومات، في وضع غير بعيد عن أشكال التحكّم التي تفرضها الدولة اليوم عبر الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

 تقول جانغ هايان (张海燕) والتي كانت تعمل لدى مؤسسة حكومية تابعة للحزب الشيوعي الصيني أنها لا تزال تتذكر ذلك في الثمانينات عندما أراد مصنع تابع لمؤسستها استعارة آلة كاتبة صينية من المقر الرئيسي في بكين، كان عليها أن تمر عبر عدد لا حصر له من الطلبات والطوابع، حتى أنها تحتاج أيضا لموافقة السلطات الحكومية. وأشارت إلى أن الآلات الكاتبة الصينية كانت أدوات نادرة في ذلك الوقت، وعادة ما كانت تغلق في مكتب ولم يمتلك المفاتيح سوى اثنين من كبار المديرين. قالت: كل شيء في تلك الغرفة غامض، لذلك كنت دائما أشعر بالفضول، وحاولت إلقاء نظرة خاطفة أثناء فتح القفل.

حصلت الآلة الأشهر على اسم شوانج جا باي (双鸽牌)، وهي ليست نسخة مقلدة من آلة ريمنجتون (Remington) الغربية -التي لم يكن من آلة كاتبة تختلف عنها في جميع أنحاء العالم آنذاك- فهي لم تتكون من لوحة مفاتيح؛ بل اعتمدت على لوح مستطيل احتوى على 2450 سبيكة معدنية، كل واحدة منها ضمت رمزا مختلفا من أهم الرموز الصينية وأكثرها استخداما.

كان على المستخدمين تحريك ذراع يدوية إلى أعلى كل سبيكة يريدون استخدامها ثم الضغط على مقبض الكتابة. يؤدي القيام بذلك إلى رفع السبيكة إلى حجرة الكتابة، مما يجعلها تتأرجح بسرعة وتضرب الرمز أخيرا بالورقة، ومن ثم ترجع للخلف وتعيد السبيكة إلى مكانها.

في البداية، حتى المستخدمون الأكثر مهارة استطاعوا طباعة ما يقارب العشرين رمزًا فقط في الدقيقة (مقارنة بسرعات تصل إلى المئة كلمة في الدقيقة باستخدام الآلات الكاتبة الغربية). وتطلب من المتدربين لتحقيق مثل هذه السرعة في الآلة الصينية دراسة وحفظ مواقع جميع الرموز فيها. ركزت دروس الكتابة على التدريب المتكرر لعضلة الذاكرة، بدءا من الكلمات الصينية الشائعة المكونة من رمزين.

مرت آلة شوانج جا باي (双鸽牌) خلال فترة حياتها بالعديد من التطورات- حدث أكثرها أهمية في الخمسينات حينما بدأ المستخدمون من جميع أنحاء الصين بتجربة طرائق جديدة لترتيب الرموز في الألواح الخاصة بهم. بدلا من اتباع ترتيب القاموس، أعادوا ترتيب الرموز لتجمع معا أكثر المصطلحات والعبارات شيوعا. مثلا، في الآلة الأصلية كان الرمز ماو () بعيدًا في مسافته عن تسي () ودونغ ()، مما جعله من غير السلس كتابة أكثر الأسماء تكرارا، ألا وهو اسم زعيم الصين (ماو تسي دونغ). 

أطلق المستخدمون وصف ليان شيانغ (联想)، أو "الفكرة المترابطة" على الترتيب الجديد لرموز الآلة، وهو ما يسمى بـ"النص التنبؤي" في هذه الأيام. بفضل هذا العمل الرائد تمكن أمهر المستخدمين من التوصل إلى سرعة ثمانين رمزًا في الدقيقة بحلول الخمسينات من القرن الماضي.

توقف إنتاج الآلة الكاتبة الصينية بشكلها النهائي بحلول العام 1991، حيث جرى استبدالها بتقنيات جديدة، مثل برامج الطباعة ومعالجة النصوص في أجهزة الحاسوب. وبالرغم من ذلك، استمرت التحديات التي دفعت نحو المزيد من الابتكارات. وأصبحت تقنيات النص التنبؤي الأساس في أنظمة الحوسبة الصينية في وقت مبكر من سبعينيات القرن الماضي، وبفضل هذه الريادة المبكّرة، صارت شركة ليان شيانغ (联想) ثاني أكبر شركة مصنعة لأجهزة الحاسوب الشخصية في العالم، وهي الشركة التي يعرفها الجميع اليوم باسم Lenovo.  

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مدخل أساسي.. ما يلزمك معرفته عن الرموز في اللغة الصينية

إيلون ماسك يغرّد بمقطع شعري بالصينية.. فماذا ردّ الصينيون؟

مسودة قانون التربية الأسرية في الصين تجيز معاقبة الآباء وتكافح إدمان الإنترنت