تأميم المصارف في لبنان: بين النظرية والتطبيق

تأميم المصارف في لبنان: بين النظرية والتطبيق

أظهرت الانتفاضة اللبنانية سخطًا واسعًا على المصارف (Getty)

التأميم هو نقل ملكية المصارف الخاصة للقطاع العام، لتصبح البنوك ملكًا عامًا، ومن دون تقديم تعويضات لأصحابها. وقد برز المفهوم على الساحة اللبنانية بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، خاصة بعد تحميل حاكمية مصرف لبنان والمصارف التجارية مسؤولية الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية التي تفاقمت في لبنان. فماذا يمكن أن يعني تأميم المصارف؟ وهل يمكن نقل النظرية إلى حيز التطبيق؟

 برز مفهوم تأميم المصارف على الساحة اللبنانية بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، خاصة بعد تحميل حاكمية مصرف لبنان والمصارف التجارية مسؤولية الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية التي تفاقمت في البلاد

سياسات الإفقار؟

تحقق المصارف اللبنانية سنويًا أكثر من ملياري دولار أرباح، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 128 ألف أسرة مدينة للمصارف بشراء مساكنها، وأكثر من 11 ألف أسرة مدينة لقروض التعليم، وأكثر من 73 ألف شخص مدين لقروض شراء السيارات، وأكثر من 521 ألف قرض شخصي استهلاكي، وتبلغ قيمة هذه الديون أكثر من 20 مليار دولار، بحسب ما نشره المحلل الاقتصادي محمد زبيب.

اقرأ/ي أيضًا: المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

من جهة أخرى، ترزح الدولة اللبنانية تحت وطأة الديون التي أقرضتها لها المصارف بفوائد عالية وتراكمية، فيما أصبح من الصعوبة على الدولة اللبنانية تسديد هذه الديون. وأصبحت تشكل خدمة الدين العام ما يفوق 40 في المئة سنويًا من الموازنة العامة للدولة، أي لخدمة المصارف ورجال المال والأعمال في السلطة الذين سخروا للمصارف كل الإمكانيات والتسهيلات.

الناشط المدني نزار نجَار عضو في مجموعة "تأميم المصارف" التي انبثقت بعد الانتفاضة، يقول في حديث لـ"ألترا صوت"، إن "طرح تأميم المصارف جاء تصحيحًا لخلل أنتجته السلطة الحالية وانتصارًا للاقتصاد المنتج في وجه اقتصاد الديون"، وأشار نجار إلى أن ما حصل في لبنان هو من أكبر عمليات السرقة وجمع الثروات عبر الفساد الإداري بتمويل من القطاع المصرفي. في حين تنعدم إنتاجية هذا القطاع في الاقتصاد المحلي. وبينما الاقتصاد الحقيقي، أي اقتصاد الإنتاج واقتصاد الناس، مختنق بالمصارف.

ويذكر نجار أن المصارف مسؤولة عن الأزمة التي آلت إليها البلاد وبالتالي يجب عليها المساهمة بحل المشكلة، فيما تتنصل من تحمل تبعات الأزمة عبر تحميل الأعباء للطبقات الشعبية. وبرأيه أن مسؤولية المصارف تتجلى عبر تشجيعها تمويل الاستهلاك بالدين بدلًا من إيجاد سياسات تتعلق بالأجور والمداخيل وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل وتشجيع الاستثمار.

ويرى أن "التأميم لا يسترد فقط أموال الناس، بل ضروري لعقاب كل من اغتنى على حساب فقر شعبه ودولته، ويجب استعادة الأموال المنهوبة وتأميم القطاع المصرفي، وشطب الدين العام وديون الناس، وكشف كل التاريخ المالي بالبلد".

يوتوبيا؟

وبحسب المجموعة فإن التأميم اجراء قامت به العديد من الدول لإنقاذ القطاعات الفاشلة أو لمنعها من تهديد الأمن الاقتصادي والاجتماعي. مثلًا نتيجة أزمة الثمانينات المالية في الولايات المتحدة، أسست الدولة الأمريكية شركة "رزيلوشن تراست" لتضع اليد بين سنوات 1989 و1996 على عدد كبير من المؤسسات المالية.

بالنسبة لهم، ليس "التأميم إجراء غريبًا أو خياليًا، بل هو من الإجراءات التقليدية التى تتبعها الدول في حالات الطوارئ". فحالة الاقتصاد اللبناني أكثر من كارثية، وقد سبقنا بأشواط العلامات الاقتصادية التي تجبر الدول عادة على تبني إجراءات الطوارئ. والحل الوحيد الذي لا يحمل الطبقات الأضعف صليب خطيئة المصارف والسلطة هو تأميم تلك المصارف واعادة السلطة للشعب.

أليات التنفيذ؟

وترى مجموعة "تأميم المصارف" أن هذا الطرح ليس بمشروع كامل ومفصل، وليس مطلوبًا من السلطة الحالية، بل هو سقف عالٍ للسلطة الانتقالية أو البديلة، كيف ما كان شكلها. وكذلك من دون الاتكال على تمويلات "سيدر"، أي مزيد من التبعية والارتهان لبلدان تمول السلطة بالدين الخارجي وشركاتها مستفيدة من الخصخصة.

وتؤكد أنه حل جذري لمشكلة الفساد طيلة 30 سنة، وسينقذ الاقتصاد من الانهيار؛ اقتصاد الناس ممن لا يملكون الملايين والمليارات، وأي بديل آخر سيسمح بتكبيل أي سلطة حالية، انتقالية، أو مستقبلية بالدين. ويشير القائمون على المجموعة إلى أن فرض ضرائب تصاعدية على المصارف واستثنائية على الودائع، ضرورية، ولكنها لا تقوم باسترداد مباشر وسريع للأموال المنهوبة، ولا تعاقب أصحاب المال والسلطة على 30 سنة فساد.

ويشير نجًار إلى أن "سلطة مرحلة التغيير تقوم بسوغ الأطر القانونية للتأميم وتسخر مؤسساتها للقيام به. وتقرر، بحسب المصلحة العامة، كيف تتصرف بالقطاع المصرفي"، ويضيف: "ممكن أن تدمجه كشركات أو مؤسسات عامة مركزة على خدمات وقطاعات معينة، أو تبيعه، أو تصفيه".

ويرى أن التأميم يأتي بعد أن يسترد الشعب صوته ويعي أين تقع مصالحه وكيف يستعيد سلطته على إنتاجه. فأحزاب السلطة الحالية ومؤسساتها لها مصلحة وجودية في الحفاظ على دور القطاع المصرفي الحالي وحمايته. ومن دون تغيير في السلطة واستبدال السياسات المالية والاقتصادية التي أدت الى رهننا للمصارف، لا إمكانية في استعادة حقيقية للحقوق الاقتصادية لعوامل الإنتاج، وتقبل حلول كالتأميم بحسب نجار.

فأكتر من 90% من الحسابات هي تحت المئة ألف دولار ولن تتأثر. حسابات المئة ألف دولار للمليون دولار تدفع ضريبة صغيرة، وحسابات فوق المليون دولار، أي أقل من 1% من الحسابات، تدفع ضريبة تصاعدية تصل لـ90% حين يصبح الرقم بالمليارات. هذا ضروري لتخفيف العبئ الضريبي على أصحاب المداخيل والرساميل المحدودة، أي معظم الشعب اللبناني.

فتأميم المصارف لا يستهدف غير مالكي المصارف. لأن دور القطاع المصرفي في لبنان مختلف تمامًا عن الدور الذي يقوم به في الأنظمة الليبرالية التقليدية، حيث إن القطاع المصرفي في لبنان لا يستثمر عمليًا في الاقتصاد الفعلي الى حد كبير، أي لا يساهم في نمو الاقتصاد الداخلي. بل يضخ ودائع اللبنانيين كدين للدولة وقروض للمواطن للاستفادة من وترقيع فشل الدولة ومؤسساتها.

ويشدد على أن شطب الدين العام نتيجته الحتمية انهيار المصارف، وأي حل سقفه أدنى من التأميم ممكن أن يعالج جزء من المشكلة، لكنه لن يعالج المشكلة بكاملها.

حائط مسدود؟

يرى الكاتب والأستاذ الجامعي وسام سعادة، في حديثه لـ"ألترا صوت"، بأنه "من المنظار الذي أعتمده، أرى أننا وصلنا، في وقت واحد، إلى لحظة ما عاد ما فيها ممكنًا للنظام السياسي اللبناني، وفي المحور منه نموذج الدولة المركزية والطائفية في آن، والنظام الاقتصادي اللبناني، وفي المحور منه طبقة كبار الأغنياء من أصحاب المصارف وكبار المقاولين، الاستمرار كما في السابق".

ويضيف أنه "اقتصاديًا وماليًا، هناك فاتورة باهظة، إما أن تتحملها الطبقات الشعبية بالدرجة الأولى، وإما أن يتحملها كبار الأغنياء بدرجة كبيرة". ويرى أنه حتى الآن، تتكبد الطبقات الشعبية بالدرجة الأولى هذه الفاتورة، ولكن توفر الديناميات الاحتجاجية مهد لإمكانية معاكسة الآية، وهو ما لن يحصل إلا بالنضال، بكافة أشكاله".

تأميم الدولة؟

ويشرح سعادة رؤيته بالقول أنه لم يرفع شعار تأميم المصارف بصورة مركزة. بل يحدد "أرفع شعار تأميم الدولة، التي تعتبر بحكم المصادرة من المصارف، ويجب تأميم المصرف المركزي نفسه، وإعادة تشكيله وتحديد وظائفه وفقًا لما تنص عليه مقدمة الدستور من عدالة اجتماعية".

فمقدمة الدستور اللبناني تنص على الاقتصاد الحر والملكية الخاصة والعدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن والمساواة في الحقوق والواجبات، ولا يمكن اختزالها في منطلق واحد. وبرأيه، فإن العدالة الاجتماعية غائبة تمامًا عن تاريخ المصرف المركزي، وبشكل مستفحل مع الهندسات المالية في السنوات الأخيرة.

ويرى أن ضخامة المصارف، وضخامة ملكياتها العقارية، وتضخم سمتها المرابية، وارتباطها بحلقة الاستدانة من أجل خدمة المديونية، تمثل نموذجًا يحتضر. ويشير إلى ضرورة إعادة بناء لبنان على أسس ديمقراطية واجتماعية ولامركزية تستدعي التفكير في نوع آخر من القطاع المصرفي. فبعض المصارف يجب دمجها بالمصرف المركزي ما دامت تحولت إلى نوع من مصرف مركزي موازٍ، لضخامتها!

لكن وفق رؤية سعادة، ينبغي البحث عن شروط الانتقال من هذا النموذج المتداعي للقطاع المصرفي إلى نموذج آخر. حيث تخلق أو تنوجد مصارف صغيرة، محلية، مناطقية، بعدد محدود من الفروع، تتعاطى بالدرجة الأولى التسليفات الإنتاجية، وحيث هناك مشاركة فعلية لكل فئات المودعين في صناعة القرار داخلها.

وهو ما يرتبط أيضًا بلامركزة المصرف المركزي نفسه، فتكون لفروعه في المناطق فعالية أكبر، ومن الارتباط بمشاريع إنتاجية وتنموية مبنية على اقتصاد مستدام، منتج وبيئوي في نفس الوقت، ويزدهر فيه العمل والإبداع والاعتماد على الذات كما الابتكار في المجال العلمي التقني.

دور الحركة الاحتجاجية؟

منذ بداية انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر توجه الزخم باتجاه حاكمية مصرف لبنان والمصارف التجارية في لبنان، خاصة بعد حجز المصارف لأموال المودعين عبر تقييد السحوبات بالدولار، فقامت مجموعات عدة من المنتفضين بالضغط عبر الاعتصام داخل المصارف إلى حين تسليمهم أموالهم بالدولار، وحصلت إشكالات عدة بين المنتفضين وموظفي المصارف ومدرائهم وكذلك صدامات مع القوى الأمنية التي انتشرت أمام كل فروع المصارف في لبنان بأمر من وزارة الداخلية.

اقرأ/ي أيضًا: #أنا_ممول_الثورة.. اللبنانيون يعلنون عن ممولي الانتفاضة!

ووفقًا لسعادة، فما يستشف من المظاهر الاحتجاجية أن نواة تشكيل وتنظيم قوى من الطبقات الفقيرة والوسطى (صغار المودعين) تتحضر في كل مرة لخوض معارك أمام المصارف ومؤازرة بعضها البعض. وكذلك خروج أصوات من داخل الانتفاضة تدعو للتوقف عن تسديد القروض السكنية والشخصية والتعليمية وربطها بالإفراج عن الودائع والحسابات، أو إعادة جدولتها من جديد وتخفيض الفوائد والغرامات والجزاءات وفق معايير تراعي مصلحة صغار المودعين.

تحقق المصارف اللبنانية سنويًا أكثر من ملياري دولار أرباح، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 128 ألف أسرة مدينة للمصارف بشراء مساكنها، وأكثر من 11 ألف أسرة مدينة لقروض التعليم

فالحركة الاحتجاجية الحالية، بنظر سعادة، تتوجه إلى الصلف الذي تمارسه المصارف، مدعومة من الانحياز الرسمي لها، ضد المواطنين المودعين، وبخاصة المودعين العاديين، وهي حركة لا يمكن تأطيرها أو اختزالها في شكل واحد. فيها أشكال تعبيرية وساخطة وأشكال اعتصامية ضاغطة وأشكال قانونية. وينهي سعادة كلامه: "لست مع التراخي والميوعة طبعًا، بل مع تواصل واشتداد وتوسع الاحتجاجات والعمل الميداني الضاغط يجب أن يتواصل".