تأملات سريعة في رحيل خزّاف الصورة

تأملات سريعة في رحيل خزّاف الصورة

الماجري وبعض أعماله (ألترا صوت)

ماذا يعني أن يغادر شوقي الماجري فضاء كاميرا الحياة، ناثرًا كل هذا الدمع في وجه الرحيل؟ ماذا يعني أن يعبئ روحه بكل هذا الحب والمناديل، وماذا يعني أن يلبس معطف الموت ويمضي باتجاهه حاملًا كل هذا البأس؟ ثم ماذا يعني أن يساهم في وضع نقطة النهاية لمشروع فني يتعلّمُ ويُعَلِّمْ؟

من يعرف شوقي الماجري يدرك أنه لم يركن إلى جذر، كان طافحًا بالرحيل والأمكنة

ربما في ذلك حكمة القناص، حين يختار لحظة ليس في وسع المدى استبعادَها. أو ربما أراد أن يخالف هدوء حياته، فقرر لمرة واحدة أن يكون حارًا، على عكس عناقاته الباردة في المطارات.

اقرأ/ي أيضًا: رحيل المخرج شوقي الماجري.. صاحب شاشة الأسئلة

إذًا.. تمرد قلب الماجري كما تمرد قلب الكثيرين من قبله، لكنه هنا، أعطاه وقتًا كافيًا لتسليم جسده للمشفى، وسكت.

في ذلك اليوم، بيوت كثيرة لم يزرها النوم رغم مطرقة التعب بعد الخبر، وكان يُسمع فيها أنين أشرطة مسلسلاته: لقد رحل الصانع الماهر.

كل خيال ارتدى مطلقه وغاص في استرسال محموم: مرة الشبان مربوطين إلى حبل في الاجتياح، وعشرات الكرابيج تقضم لحم أجسادهم الغض في حلاوة روح. ومرة أقدام أخذت مكان الرأس في دقيقة صمت، لسهولة دقها بسوط مجدول بالتجربة. كل سواد العالم تشكّل في غيمة أمطرت بؤسًا في تلك الليلة.

حتى صديقي السكير الذي يمثل دور غير المبالي بمهارة، جلس في مكتبه وبكى. تذكّر حديث الماجري عن تنامي تاريخ الخضوع، وكيف الأيام تقضم بتراكمها حماستك فتنقص، إرادةً إرادةً، وفعلًا فعلًا، إلى أن تصغر أكثر من عمرك بعمر كامل. تفرِّغك الأيامُ من القدرة على الرغبة، ويبدأ جسدك بالارتفاع وداخلك بالهبوط، حتى تتشابه، وتصبحَ سلعةً جاهزةً للسوق.

لقد كان في أيامه الأخيرة مكلوم الروح متعب الطموح، لقد كان حقًا ينادي الموت من السأم.

من يعرف شوقي يدرك أنه لم يركن إلى جذر، كان طافحًا بالرحيل والأمكنة، مرة تونس، ومرة وارسو، وصولًا إلى القاهرة وبيروت، لكنَّ الذي يعرف تأملاته متفحصًا ما بين سطورها، سيتأكد أن أصدق العواصم في التعامل مع سمرته كانت دمشق. الودودة حد فتح ذارعيها لشاب يتقن لهجة تونسية مربكة لأهل بلاد الشام.

لكنها تفاهمت معه، جادلته وأقنعها، نادمته فباح لها، ثم تصادقا وكان العناق طويلًا.

لم يعر أدنى أهمية للّقب الذي أطلقته عليه، بل كان يستمتع حين يسمع جملة: صباحَ الخير يا أبا التعب.

حين يصبح شوقي وحيدًا، تتوضح علاقته بالمكان جيدًا. يشعر أن شرعية الفوضى لا تنتمي إليه، ولا يمكن لعالمه الداخلي احتمالُها، لذلك يجتنب السكون غير المنظم بإحداث انقلاب فيه. هناك سكون مدروس يقود إلى السكينة، وآخر يقود إلى الضجر في قاموسه، ومن الأفضل الانحياز إلى الترتيب.

 ينهض بهمة عالية، ويبدأ تسوية الأغطية فوق الأسرَّة أو لمَّ أشياء الطاولة. وحين يصبح المكان أنيقًا حسب إمكانيات تأسيسه، ترتاح ملامحُه، ويغادره السأم.

الغريب أن ما يصرفه من طاقة في تهذيب المكان، ليس أقل من درس الرياضة الذي لا يحب، يبدو أن الاندفاعة بين القسري والاختياري لديه، تشكل فارقًا يستحق.

عندما اتصلوا بولده الوحيد، طالبين حضوره إلى القاهرة على وجه السرعة. عرف أن والده قد توفي دون أن يخبروه، فقد شاهد كثيرًا من المناديل على جانبي الطريق.

كان آخر من ودعه. استعار علبة الماكياج من عمته، وطلب أن يبقى مع جسد الفنان دون تشويش من أحد، تأمل وجهه كثيرًا قبل أن يبدأ بتزينه.

هي المرة الأولى التي يرى فيها مسحوق التجميل على وجه والده. ربما انتظر الأخيرُ يدًا تزفه إلى الجمال دون خجل، ودون دمعة واحدة. قبَّل عيني والده المغمضتين، وغادر إلى بكائه.

 أصدق العواصم في التعامل مع سمرة شوقي الماجري كانت دمشق. الودودة حد فتح ذارعيها لشاب يتقن لهجة تونسية مربكة لأهل بلاد الشام

ما يجعلني سعيدًا وأنا أتذكره، أن شوقي يحضر إلى قلبي بالصورة التي تركه ولده فيها آخر مرة، بكامل ألوانه وبراءته. لذلك سأرسم على قبره لوحة جميلة، ليغدوَ مختلفًا عن باقي القبور.

اقرأ/ي أيضًا: "دقيقة صمت".. ثورة في الدراما السورية بعد الثورة

أرغب أن يعرف أيُّ داخل إلى المقبرة مكان سكن شوقي الماجري في استراحته الأبدية. إنه هنا، في هذا القبر الملون بالذات، تحت النجمة السابعة، بالقرب من غيم كثير يطير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسلسل "دقيقة صمت".. الصراع مع السلطة داخل العمل و خارجه

فيلم سوري بدون مخرج