تأسيس مملكة محمد بن سلمان

تأسيس مملكة محمد بن سلمان "المتهوّرة".. الحكاية من أولها

وضع محمد بن سلمان أسس المملكة المتهورة بتوجيهٍ من بن زايد (فايز نورالدين/أ.ف.ب)

لا تختلف بداية مسيرة محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود كثيرًا عن مسيرة المئات من أبناء عمومته. تخرّج الأمير المولود سنة 1985 من كليّة الحقوق حائزًا على المرتبة الثانية في دفعته، وفور تخرّجه في سن 22 عمل مستشارًا متفرغًا بهيئة الخبراء، وهو جهاز إداري ذو صلاحيات استشارية يتبع مجلس الوزراء. 

في السنة التالية تزوّج بابنة عمّه وفق الأعراف المتوارثة في الأسرة الحاكمة، وبعد سنة أصبح مستشارًا لوالده سلمان بن عبدالعزيز، وكان آنذاك أميرًا للرياض. حتى الآن لا شيء يثير الانتباه في مسيرة ابن سلمان، فغالبًا ما يصبح الابن مستشارًا لوالده الأمير، بيد أن هذا الصعود التقليدي أخذ منحى متفرّدًا منذ أن حلّ ملك الموت منذ 2011 ليخطف ثلاثة أعمام في مدة زمنية قصيرة، وهما وليّا العهد الراحلان سلطان ونايف، ثم حان الدور على الملك عبدالله الذي وافته المنية في كانون الثاني/يناير 2015، وفي كل مراحل الوفاة تلك كان والده يتصعد اقترابًا من العرش، ومن خلفه الأمير الصغير، حتى أصبح الوالد ملكًا، وأخيرًا أصبح الابن وليًا للعهد.

بدأت مسيرة محمد بن سلمان تقليدية، قبل أن يحالفه الحظ بالتدريج السريع وصولًا للحكم في خلف الستار

في طريقه لمنصبه الأخير الذي حازه قبل أسابيع قليلة، مرّ محمد بن سلمان بخمس محطات هامة، ليست فقط على مستوى مسيرته "الملكية" الخاصة، وإنما أيضًا على مستوى مسيرة مملكته "العجوز" وربما المنطقة والعالم.

1. في 2011.. 26 عامًا ومستشار لوزير الدفاع

بعد وفاة وليّ العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، عيّن الملك الراحل عبد الله أخاه سلمان وزيرًا للدّفاع. وبالتتابع بعد أن كان مستشارًا لوالده أمير الرياض، بات محمد بن سلمان إلى جانب والده في وزارة الدّفاع، وهي إحدى الوزرات الثلاثة المسلّحة إضافة لوزارتي الداخلية والحرس. كانت هذه البداية لرحلة صاروخية جعلت من ابن سلمان البالغ من العمر آنذاك 26 عامًا، أميرًا حاكمًا من خلف الستار، رويدًا رويدًا. 

اقرأ/ي أيضًا: حزمة أوامر العاهل السعودي.. خطة محمد بن سلمان للسيطرة على كل شيء

2. في 2012.. مستشارًا لولي العهد ورئيسًا لديوانه

لم تمرّ سبعة أشهر على وفاة ولي العهد الأمير سلطان، حتى لحقه وليّ العهد اللاحق عليه الأمير نايف، ليقع تعيين الأمير سلمان وليًا للعهد في 18 حزيران/يونيو 2012، إثر ذلك، شغل ابن سلمان، الذي لم يكمل وقتها بعد 27 عامًا، منصب مستشار خاصّ ومشرف على المكتب والشؤون الخاصّة لوالده ولي العهد، وبعد بضعة أشهر، زادت حظوته لدى والده ليعيّنه في آذار/مارس 2013 رئيسًا لديوانه، ثم عيّنه في تموز/يوليو من نفس السنة مشرفًا عامًا على مكتبه بوزارة الدفاع. وبعد أقل من سنة، في نيسان/أبريل 2014، دخل ابن سلمان مجلس الوزراء كوزير دولة.

ترقيات متتالية نالها ابن سلمان في حضن والده بصفتيه وليًا للعهد ووزيرًا للدفاع، فلم يكن محمد مجرّد مستشار خلف والده، بل ظهر من وقتها كرجل ظلّ نافذ إلى جانبه.

واستطاع محمد بن سلمان وقتها الإطاحة بابن عمّه خالد بن سلطان من منصبه كنائب وزير الدفاع في نيسان/أبريل 2013، وبالتالي سحب البساط من ذريّة عمّه من وزارتهم التاريخية، إذ وقعت إقالة بن سلطان بطلب من وزير الدفاع وفق نصّ الأمر الملكي وليس بطلب منه كما جرت العادة. وظهر حينها ابن سلمان كأمير محارب يبحث عن بسط نفوذه عبر والده على حساب أبناء عمومته.

3. كانون الثاني/يناير 2015.. أصغر وزير دفاع في العالم

ما لم تعهده السعودية إلا في سنين تأسيسها الأولى، تكرر مع ابن سلمان الطامح الطامع للسلطة، فقد كان الطريق مفروشًا بالورود لـ"الأمير الطائش" كما كانت تصفه الصحافة الأجنبية، فبعد وفاة عمه الملك عبدالله في 23 كانون الثاني/يناير 2015، أصبح والده ملكًا للبلاد، ليعينه في اليوم التالي على وزارة الدفاع، وبهذا أصبح محمد بن سلمان حينها أصغر وزيرٍ للدفاع في العالم، ولم يكن قد أكمل 30 عامًا من عمره بعد، كما أصبح أوّل حفيد في العائلة الحاكمة السعودية يتولى هذه الوزارة.

وفي نفس اليوم صدر أمرٌ ملكي بتعيينه رئيسًا للديوان الملكي، ومستشارًا خاصًا لوالده الملك الجديد آنذاك، لتكون المرة الأولى في عهد المملكة التي يُجمع فيها بين منصبي وزارة الدفاع ورئاسة الديوان الملكي.

في 2015 أصبح محمد بن سلمان أصغر وزير للدفاع في العالم، ولم يكن قد أكمل 30 عامًا من عمره (أوليفييه دوليري/ Getty)
في 2015 أصبح ابن سلمان أصغر وزير دفاع في العالم ولم يكن قد أكمل 30 عامًا من عمره (أوليفييه دوليري/ Getty)

وبعد أسبوع واحد، وتحديدًا في 29 كانون الثاني/يناير 2015، أصدر الملك سلمان أول حزمة أوامر ملكية تجاوزت 30 أمرًا تضمنت تغييرات في مناصب وزارية ومناطقية وأمنية وإدارية، كما تضمنت حذف هياكل وإنشاء أخرى. وبدا واضحًا أن هذه الأوامر لم تكن إلا لتصفية إرث الملك الراحل عبدالله، فقط تضمّنت إنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية والذي أوكلت رئاسته لابن سلمان، وهو ما كشف وقتها عن أن طموحات الأمير الصغير لا تكفيها وزارة الدفاع، إذ انطلق عبر هذا المجلس في رسم مشروعه "رؤية 2030"، وهي عنوان التغيير الذي جنّد كل موارد الدولة للترويج له.

4. نيسان/أبريل 2015.. كل هذا لا يكفي

حينما استحدث الملك الراحل عبد الله منصب وليّ وليّ العهد لأول مرّة في تاريخ السعودية، وعيّن مقرن بن عبدالعزيز، الأمير محدود التأثير، في هذا المنصب في آذار/مارس 2014، لم يكن هدفه إلا تمهيد الطريق لابنه وزير الحرس متعب، غير أن الوفاة باغتته وأفشلت هذا المشروع.

لاحقًا، لم يبحث الملك سلمان كثيرًا عن حيلة لتأمين الطريق لابنه محمد مستغلّا هذا المنصب المبتدع، ففي 29 نيسان/أبريل 2015، أي بعد ثلاثة أشهر من صعوده للعرش، أعفى وليّ العهد مقرن من منصبه، مقدّما وليّ وليّ العهد محمد بن نايف، وليعيّن ابنه محمد رجلًا ثالثًا في الدولة.

وهو تعيين لم يدع مجالًا للشكّ وقتها في أن الملك سلمان بصدد تمهيد السجّاد لابنه نحو قصر اليمامة، وما تصعيد ابن نايف إلا مرحلة انتقالية، ففي نفس يوم تعيينه وليًا للعهد تم إلغاء ديوانه وإلحاقه بالديوان الملكي، ومن وقتها انطلقت رحلة ابن سلمان لتقزيم  نفوذ ابن عمه ابن نايف، وذلك طيلة مدة سنتين وشهرين حتى تاريخ الإطاحة به.

5. 2017.. "السيد كل شيء" في المملكة

أصبح محمد بن سلمان "السيد كل شيء" كما وصفته وكالة بلومبيرغ، فعليًا، بعد الإطاحة بمحمد بن نايف من ولاية العهد وتصعيد ابن سلمان، فجر 22 حزيران/يونيو 2017. ولم يكن ذلك مفاجئًا، فكافة المؤشرات طيلة زهاء سنتين تنطق بذلك، فلم ينتظر الجميع إلا ساعة الصفر فقط، إذ عمل ابن سلمان متسلحًا بالأوامر الملكية الصادرة عن والده، على محاصرة ابن نايف بين الحين والآخر، بتجريده من صلاحياته، وتقليص نفوذه في الدولة، بالتوازي مع تعزيز الأمير الصغير لنفوذه، تحديدًا في المجال الأمني.

لم تكن الإطاحة بابن نايف مفاجئةً، فعلى مدار سنتين عمل ابن سلمان على محاصرته وتقليص نفوذه في الدولة، متسلحًا بقرارات والده الملكية

بتاريخ 22 نيسان/ابريل 2017 أي قبل شهرين، أصدر الملك سلمان زهاء 40 أمرًا ملكيًا شملت في جزء أساسي منها تقليص نفوذ ولي العهد ووزير الداخلية ابن نايف بخصوص المناصب والمؤسسات الأمنية، إذ استُحدث مركزٌ للأمن الوطني ألحق مباشرة بالديوان الملكي، كما عُيّن رئيس هذا الجهاز الجديد المستحدث أمينًا لمجلس الشؤون السياسية والأمنية الذي يرأسه ابن نايف، كما عُيّن اللواء أحمد العسيري مستشار ابن سلمان، نائبًا لجهاز الاستخبارات العامة. فإضافة للجيش، أراد ابن سلمان مسك عصب الأمن الداخلي بيده عبر تسمية رجاله مزاحمة لابن عمه.

اقرأ/ي أيضًا: أبرز 5 قرارات ليلية للعاهل السعودي.. هنا الرياض بتوقيت واشنطن

وتواصلت حملة محاصرة ابن نايف حتى الأسبوع الأخير قبل الإطاحة به، ففي 17 حزيران/يونيو أُعفي مدير الأمن العام، وغُيّر مسمى هيئة التحقيق والادعاء العام إلى "النيابة العامة"، واُلحقت مباشرة بالديوان الملكي الذي يرأسه ابن سلمان. هكذا أصبح ابن سلمان يملك زمام أمور كل شيء تقريبًا في السعودية. 

حبكة صعود الأمير الصغير

هذا الصعود الصاروخي للأمير الصغير الذي تجاوز المراتب المتقدّمة في سلّم الدولة بشكل لم يسبقه إليه أي أمير في تاريخ السعودية؛ كان لزامًا أن يترافق مع "حدّوتة" تفسّر هذا التبجيل الاستثنائي لأمير ثلاثيني طموحاته تتجاوز المئات من أبناء عمومته، وهو ما وجده في فكرة "التغيير" كأمير "إصلاحي"، حامل لحزمة إصلاحات في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، عنوانها البسيط: مجتمع أكثر تحرّرا واقتصاد أكثر تنوّعًا.

يقود ابن سلمان منذ بداية سطوع نجمه، مشروعًا غير معلن لمزيد تحرّر المجتمع ذي الأغلبية الشبابية، من قيود سطوة رجال الدين المحافظين، ولعلّ تقليص صلاحيات "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، هي المثال الأبرز لهذا التوجّه.

لا يحاول الأمير فك الرباط الوجودي بين آل سعود وآل الشيخ، لأن أي محاولة في هذا الاتجاه تعني إنهاء شرعية سلطة الأسرة الحاكمة، وضرب تركيبة تشكّل الدولة بذاتها، غير أنه يريد ببساطة، تخفيض سقف تدخّل الشيوخ المحافظين في تنظيم الحياة المجتمعية، فلا زال يمثّل إجراء عدم السماح للنساء بقيادة السيارات مصدر إحراج للسعوديين في الخارج، كما لم تعد مقنعة حجّة تكريم المرأة السعودية في الداخل.

تعتقد المرأة السعودية، أنّه حين السفر لعطلة في بلد خليجي مجاور أو في أوروبا، ستمارس الحدّ الأدنى من حريّتها والتي لا تجدها في بلادها. ويعي عموم الشباب، الذين يمثلون 70% من عدد سكان السعودية، أن قوانين البلاد تجاوزها الزّمن ببساطة، إذ يمكن أن يعتدي رجل ملتحٍ يعمل في "هيئة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر" بالضرب على مجموعة شباب، ثم يقودهم لمخفر الشرطة، بتهم التسكع والانحلال.

تواجه المرأة السعودية تحدّي العيش في بلاد تمنع عنها أقل الحقوق (باتريك باز/ أ.ف.ب)
تواجه المرأة السعودية تحدّي العيش في بلاد تمنع عنها أقل الحقوق (باتريك باز/ أ.ف.ب)

أيضًا يعتقد الشباب، والذي لا يتردد العديد منهم على تعريف أنفسهم كليبراليين، بأن المسألة لا تتعلّق فقط برؤية دينية تقليدية ومتشدّدة، ولكنّها تتعلّق كذلك بتباين رؤى الأجيال، إذ ثمّة هوّة واسعة بين الملوك المتتالين والشيوخ الحاكمين من جهة، والشباب من جهة أخرى. في هذا الجانب، صُوّر ابن سلمان ورُوّج له كصوت لملايين الشباب في السعودية التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث نسبة السكان دون 29 سنة بعد أفغانستان واليمن. وكانت قد سارعت أجهزة البروباغندا بعد تنصيبه وليا للعهد لتوصيفه بـ"أمير الشباب"، لولا قطعًا الفروقات بين حظوظه وحظوظ إجمالي الشباب السعوديين الذين يواجهون بطالة تجاوزت نسبتها في البلاد 12%!

وعلى سبيل المثال، تتضمن "رؤية 2030"، والتي هي عنوان مشروع ابن سلمان، مدينة ترفيهية ضخمة في الرياض بمساحة 334 كيلومتر مربع، انطلاقا من سنة 2018، وذلك بهدف تشجيع الترفيه بدل الانغلاق، وليس لتشجيع السياحة الداخلية فقط، بل كذلك لتصبح السعودية مركزًا إقليميًا للسياحة الترفيهية، كما هي مركز عالمي للسياحة الدينية.

كما أصدر الملك سلمان في أبريل/نيسان 2016، تنظيمًا جديدًا لـ"هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" حدّ من صلاحياتها التنفيذية بشكل واسع وبات دورها يقتصرعلى تقديم مذكرات للجهات الأمنية، دون سلطات الضبط والتحقيق والاستجواب كما كان سابقا. في الواقع، مهّد الملك عبد الله لهذه الإصلاحات، فقد قام سنة 2012 بتعيين شخصية إصلاحية على رأس الهيئة وهو ما أثار وقتها تحفظ التيار الأصولي المتشدّد.

وعمومًا، يعمل ابن سلمان على كسب الشباب في السعودية، ولكن بحذر، خشية التصادم التام مع المحافظين الذين لا زالوا يتمتعون بنفوذ واسع، وخشية أن يوصف بأنه "تغريبي". يريد أن يظهر بصورة الشاب المتديّن المعاصر، وربما يستلهم كثيرًا من التجربة الإماراتية في هذا الجانب، إلا أنّه على الأرجح لا يرغب في أن تصبح بلاده في النهاية كالإمارات، أي إحدى أهم مراكز الدعارة العالمية، فدائمًا ما يؤكد على أهمية الحفاظ على القيم والتقاليد.

في النهاية لا يسعى ابن سلمان إلا لتنفيذ بعض الإصلاحات التي لا طالما ناقشها السعوديون كثيرًا طيلة سنوات، من جهة لاكتساب شرعية في الشارع السعودي الذي شهد تغيّرات جمّة في هيكل الحكم لم يعهدها، ومن جهة للترويج لنفسه ومشروعه كممثل لـ"الاعتدال"، وهو أمرٌ رائج هذه الأيّام. لكن ذلك لن يحدث بكثير صدام على الأغلب، فهي معركة حدود وليست وجود، مع المحافظين المتشددين، في بلد نشأت على زواج الدين الوهابي بالسلطان السعودي.

يسعى ابن سلمان لإجراء بعض الإصلاحات كسبًا للشرعية في الشارع السعودي وترويجًا لنفسه عالميًا كممثل لـ"الاعتدال" 

بيد أن هذا التوجه المجتمعي الإصلاحي لا يتوجه فقط للجبهة الداخلية، بل كذلك للخارج الذي يمثل خطابه في الدعوة للانفتاح والإصلاح الاجتماعي خطابًا تقليديًا تجاه المملكة طيلة عقود. وهو خطاب يرتبط عضويًا بملف مكافحة التطرف والإرهاب، إذ لا يتردّد أصحاب القرار في الدول الغربية في التأكيد دائمًا على أن البيئة المجتمعية السعودية عامل مساعد لانتشار الأفكار المتطرّفة.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب وسلمان والميكافيلية في أوج صورها!

وفي هذا الجانب، يمثل المركز العالمي لمكافحة التطرف والإرهاب، الذي افتتحه الملك سلمان يدًا بيد مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثالًا على سعي المملكة للترويج عن انخراطها الجدّي في مكافحة الإرهاب الذي باتت تختلف تعريفاته بحسب الأهواء والمصالح، بعيدًا عن المعايير الأممية.

وإن كانت خطة تحرّر المجتمع غير معلنة بشكل صريح، فخطّة التحرّر من النفط، أو كما تسمّى خطّة اقتصاد ما بعد النفط، تمثل عنوانًا صريحًا لمشروع ابن سلمان، تتسارع أبواق الدعاية في السعودية للترويج له في إطار "رؤية 2030". صندوق سيادي بقيمة 2.5 تريليون دولار، وترفيع حصة الصادرات غير النفطية للنصف، والمزيد من الخصخصة؛ هي العناوين الأساسية للخطة الطموحة التي يقع الترويج لها كمشروع "نهضوي وطني".

وبغض النظر عن جدوى هذا المشروع والقدرة على تطبيقه، استطاع ابن سلمان أن يبيع حلمًا كبيرًا للسعوديين الذين يتساءلون كثيرًا حول مدى صمود اقتصاد يقوم على الريع النفطي. كان كل ملك يصعد للعرش ولا يحمل تحت إبطيه إلا جزءًا من عباءته، إلا أنّ ابن سلمان الذي يتقدم نحو كرسي العرش، بدا أنه يقدم عربونًا للسعوديين، خاصة وأن خطته الاقتصادية ضبطها مجلس الشؤون الاقتصادية الذي يرأسه.

لكن الإصلاحات الجارية والموعودة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وإن كانت موّجهة للشعب السعودي أو للخارج على حدّ السواء، لا تكفي لتمهيد السجاد للأمير الصغير، فهو بحاجة لإسناد من الأسرة الحاكمة، فلا يكفي أن يكون والده هو الملك، ففي النهاية تتعلق المسألة بموازين نفوذ الأعمام وذريتهم وبتعقيدات علاقات التصاهر والحسابات القبلية وغيرها.

وقد وجد ابن سلمان في تشكيل تيّار شبابي من الجيل الثالث، أي أبناء عمومته، ركيزة لصعوده، مقابل تصعيد هؤلاء الشباب لمناصب في الصف الأول، بعد أن كانت تقتصر طموحات أغلبهم قبل بضع سنوات على ربح المال في شركاتهم الخاصّة، أو محاولة استغلال منصب تنفيذي أو استشاري محدود التأثير، للترويج لأسمائهم داخل الأسرة.

وترافقت جميع حزمة الأوامر الملكية للملك سلمان، على تعيينات لأمراء شباب في مناصب حكومية ودبلوماسية، وتحديدًا في خطط نواب أمراء المحافظات. إذ يقود ابن سلمان ثورة أمراء الجيل الثالث الذين ليسوا بحاجة ليتوفى والدهم أو أحد أعمامهم كي يتقدموا درجة للأمام، للحصول على منصب نافذ، وذلك في فترة الكهولة لاحقًا.

وإن كان باديًا أنّ ابن سلمان يقود عملية التصعيد لشباب الأسرة الحاكمة، إلا أنّه أيضًا يأخذ في الاعتبار التوازنات والتكافؤ بين ذرية أعمامه قدر الممكن. ومع هذا كله تبقى الحظوة لذرية سلمان، الذين يتولون أهم المناصب، فهناك سفير الرياض في واشنطن خالد بن سلمان، وكذا نائب وزير النفط، وهي وزارة سيادية في بلد الريع النفطي، ونائب أمير المنطقة الشرقية. وكما اعتدنا في السعودية، فإنّ النيابة، سواءً للثاني أو الثالث، ليست إلا تمهيدًا للانقضاض على رأس المنصب.

عين خالد بن سلمان (29 عامًا) سفيرًا للسعودية في واشنطن ضمن حزمة الأوامر الملكية الصادرة في نيسان/أبريل الماضي
عين خالد بن سلمان (29 عامًا) سفيرًا للسعودية في واشنطن ضمن حزمة الأوامر الملكية الصادرة في نيسان/أبريل الماضي

وحين دفع محمد بن سلمان نحو إعفاء منافسه محمد بن نايف من ولاية العهد ومن وزارة الداخلية، أبقى هذه الوزارة لذرية عمه نايف في النهاية بتعيين حفيده عبد العزيز بن سعود بن نايف، لتنتقل الوزارة من الجد للابن للحفيد في ظرف ست سنوات، ما قد يُؤكد استراتيجية بن سلمان بكسب صف شباب العائلة المالكة، لكن في نفس الوقت مع الحفاظ على الأعراف المتوارثة لتجنيب الصدام، فوزارة الداخلية لذرية نايف كما أن وزارة الحرس لذرية الملك الراحل عبدالله.

ويساعد هذا التصعيد التاريخي والمتزامن للأمراء الشباب في مناصب قيادية، للترويج لفكرة "الدولة الفتية"، بيد أنه يظلّ السؤال حول مدى كفاءتهم وقدرتهم على أداء مهامهم. فهل أعطى ابن سلمان الأولوية لهدف تشبيك العلاقات وتعزيز النفوذ داخل الأسرة حين القيام بالتعيينات، أم أعطى الأولوية لمعيار الكفاءة؟ صحيح أن عديد أمراء الجيل الثاني من أصحاب الخبرة، لا زالوا يحتفظون بمناصب قيادية، ولكن يخشى الكثير من السعوديين ألا يكون الأمراء الشباب الجدد على القدر المطلوب من المسؤولية. "هل أصبحت المملكة بيد شباب متهوّر؟"، هكذا يتساءلون.

وتزداد هذه الخشية مع ما تتناقله الكواليس عن أداء ولي العهد نفسه في وزارة الدفاع، فصفة التهوّر والطيش كثيرًا ما ربطتها الصحف الغربية به، ويذكر في ذلك مثال سفره لجزر المالديف لقضاء عطلة الصيف قبل سنتين، وذلك بعد انطلاق الحرب في اليمن، إذ بقي المسؤولون الأمريكيون يبحثون عنه زمنًا لترتيب لقاء معه. وثمّة مثال آخر وهو شراؤه ليخت بقيمة 550 مليون دولار بالتزامن مع وضع خطة اقتصادية تقشفية في البلاد.

إذن، يروّج الأمير الصغير لنفسه بأنه يقود سفينة التغيير نحو "مملكة فتية وقوية، لكن لا توجد بعد ضمانات على أنه لا يقود البلاد لمغامرة غير محسوبة العواقب، خاصة على مستوى السياسة الخارجية.

تغيير نظام الحكم.. ضمانة أوليّة للأسرة

حاز أمر تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد على القدر الأكبر من تسليط الضوء، إلا أن هناك أمرًا ملكيًا آخر لم يحظ بالقدر الوافر من الاهتمام، والذي ينص على ألا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس، ملكًا ووليًا للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس. وهو التعديل الأكثر جوهرية في تنظيم انتقال السلطة في تاريخ المملكة.

وكان نظام الحكم، الذي هو بمثابة دستور البلاد، ينص على أن يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس وأبناء الأبناء. ومنذ تأسيس المملكة تناقل الحكم بين الإخوة وصولًا للملك سلمان، إلا أن العرش من بعده لن يكون لأخ، بل لابن أي لحفيد للملك المؤسس وذلك لأول مرّة. وتضمنت الإضافة الجديدة إلزامًا بأن الملك القادم أي محمد بن سلمان لا يحقّ له اختيار وليّ عهد من ذريّة والده، بمعنى لا يحقّ له تعيين ولي للعهد من إخوته أو أبناء إخوته أو أبنائه.

لم يعين سلمان وليًا لولي العهد، ليسمح لنجله بالتقدم للعرش دون مطامع من أبناء عمومته بشغلهم بالتنافس على المنصب

وأنهت هذه الإضافة مخاوف بقية أبناء الملك المؤسس وأحفاده، بحيث لن تنحصر السلطة بيد ذرية الملك سلمان، لتكون هذه الإضافة الجوهرية عربون حسن نوايا، أو ضمانًا من الملك وابنه تجاه بقية أفراد الأسرة، بأن الباب لم يُغلق في وجوههم. وفي الواقع، سيستفيد ابن سلمان كثيرًا فور صعوده للعرش بهذا الإجراء، إذ سيسعى أبناء عمومته من أجل كسب ثقته والفوز برضاه في معركة تعيين أحدهم وليًا للعهد.

اقرأ/ي أيضًا: هيئة البيعة السعودية.. أداة الصراع الملكي 3/3

في هذا الجانب، لم يُعيّن الملك سلمان وليًا لولي العهد حيث بات هذا المنصب شاغرا، فهو يريد أن يترك مساحة للتنافس بين ذرية إخوته وكي يسمح لابنه بالتقدم نحو قصر اليمامة دون وجود ابن عمّ طامع من خلفه. فمنصب ولي ولي العهد هو منصب اختياري يخضع لتقدير الملك، وحاليا انتهت الحاجة إليه.

ماذا عن هيئة البيعة، ذلك الهيكل الهزيل الذي أحدثه الملك عبد الله قبل نحو عشر سنوات؟ ورد أن تنصيب ابن سلمان وليًا للعهد حاز على موافقة 31 من أصل 34 عضوًا في هذه الهيئة التي تم تجاوز أحكامها في عديد المناسبات، والتي تظهر دائما كتجميل شرعي للأوامر الملكية، فبدل أن يسارع الملك سلمان لتعيين رئيس لهذه الهيئة بعد وفاة رئيسها الأمير مشعل قبل أسابيع، خيّر تمرير قراره لتصعيد ابنه لولاية العهد، بما يكشف عن هامشيتها وصوريتها.

في النهاية، بات من الثابت أن محمد بن سلمان هو الملك القادم، ويوجد اعتقاد بأن سلمان قد يتنازل قريبًا عن العرش لابنه كما فعل أمير قطر حمد بن خليفة لابنه تميم قبل أربع سنوات، وذلك لتأمين الطريق له نحو قصر اليمامة تحت حمايته.

ربّما يكون ابن سلمان الأمير الأكثر حظًا في العالم، إذ تحوّل من مجرّد مستشار لوالده على غرار المئات من أبناء عمومته قبل ست سنوات إلى وليٍّ للعهد، وبات حاكمًا فعليًا لبلاد في عمق المجال العربي والإسلامي. يصعد الأمير مع حملة دعائية ضخمة تروج له كحامل للواء التغيير، إلا أن العرض العام الذي نشاهده الآن لا يُبشر بالكثير.

هل تصبح السعودية دولة متهورّة؟

صعد الملوك وأولياء العهد طيلة العقود الماضية في أجواء متشابهة داخل الأسرة الحاكمة، عدا حالة الملك سعود الذي اُجبر على التخلّي عن الحكم، بيد أن صعود ابن سلمان يكتسي بخصوصية فارقة من حيث مدى فاعلية العنصر الخارجي، وذلك بالإضافة لحالة الانفجار في المنطقة، إذ يتزامن صعوده مع حربٍ تخوضها البلاد على حدودها الجنوبية في اليمن، وتطبق الحصار على دولة خليجية جارة هي قطر، وفي زمن زاد فيه النفوذ الإيراني حتى بات الطريق بين بيروت وطهران شبه مُكتمل. إنه إذن صعود في زمن الانفجار.

لم يكن أي ولي عهد سابق بحاجة إلا لتعيين من الملك ومبايعة من أفراد الأسرة، لكن ابن سلمان احتاج قبلهما لأن يضع يده بيد ولي عهد الإمارات محمد بن زايد، الذي يلعب دور الكشّاف والعراب لعديد المشاهد الدموية في المنطقة. ومن المهمّ أن نستذكر بأن دخول الإمارات على خطّ ترتيبات السلطة في السعودية انطلق منذ سنوات، حينما تحالف ابن زايد مع متعب بن عبد الله ومدير الديوان الملكي السابق خالد التويجري، بهدف إضعاف ابن نايف الذي يميل نحو سياسة محافظة. لكن بعد الملك عبد الله، وجد ابن زايد في الأمير الطموح طريدًا جديدًا أخذ بيده، فظهر كأنه يُعلّمه أصول الوصول للسلطة بمباركة الولايات المتحدة، وعلى الأرجح فقد أقنعه بسرعة، بضرورة فتح قنوات اتصال مباشرة مع الإسرائيليين.

لعب محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، دورًا محوريًا لتمهيد الطريق أمام بن سلمان (فايز نورالدين/ أ.ف.ب)
لعب محمد بن زايد دورًا محوريًا لتمهيد الطريق أمام محمد بن سلمان (فايز نورالدين/ أ.ف.ب)

واستطاع بن زايد أن يثبّت السعودية في معسكره الدموي في المنطقة، فمثلًا رغم البرود بين السعودية ومصر فور صعود سلمان، والحديث عن رفع يدها عن النظام العسكري هناك؛ نجح ابن زايد في إقناع السعوديين بأن يواصلوا دعمهم للسيسي، كما أقنعهم بأن تحمل بواخرهم شحنات أسلحة لخليفة حفتر في شرق ليبيا، كما كشف تقرير أممي مؤخرًا. وفي اليمن يزداد نفوذ الإماراتيين على حساب السعودية التي يسعى ابن زايد لجرّها لمواقف أكثر حسمًا من الإسلاميين.

اقرأ/ي أيضًا: وجه الإمارات المفضوح في اليمن.. حرب على الشرعية وحقوق الإنسان

وبدأت تظهر مؤشرات التهوّر السعودي مع حديث محمد بن سلمان عن أن المعركة مع إيران ستنطلق في أراضيها، فيما يظهر اتجاه نحو المواجهة المباشرة مع الإيرانيين الذين لازالوا يحققون مكاسب كبيرة في العراق وسوريا ولبنان، غير أنه بحساب الميزان العسكري، فإن أي حرب قادمة ليست في صالح السعودية.

ويُشار إلى أنّه قبل أيام، وجّهت طهران صواريخ باليستية نحو دير الزور في سوريا، فيما بدا أنّها رسالة سياسية أكثر منها مجرّد كونها ضربة عسكرية.

والآن، وقد بلغ ابن سلمان مبتغاه، هل يمكن أن يفكّ ارتباطه بأبوظبي ولو قليلًا؟ إذ لا يتردّد كثيرٌ من السعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي، في التعبير عن رفضهم لحصار قطر والانجرار وراء الإمارات، ولا يخفون متاعب وكلفة هذه المغامرات حينما تجنح المملكة أكثر نحو سياسات عدائية جعلتها مكروهة في الشارع العربي على خلاف العقود السابقة، وخسرت معها ثقلها التاريخي والرمزي في المجال العربي.

ظهرت مؤشرات التهور السعودي مع تهديد بن سلمان بانطلاق الحرب مع إيران من داخل أراضيها، رغم أن ميزان القوى ليس في صالح السعودية

يتعلّق الجواب بمدى قناعة ابن سلمان بتبنّيه للسياسات الإماراتية في المنطقة، وتحديدًا رؤيتها للصراع العربي الإسرائيلي وموقفها الراديكالي من الإسلاميين والثورات العربية. وضع ابن سلمان نفسه حاليًا في الوعاء الاماراتي، لكن ربما عليه أن يُدرك أنه من يدير السعودية في النهاية، فلا يبدو من المنطقي قبوله بدور حامل عباءة ابن زايد، خصوصًا مع تاريخ حافل بالخلافات بين السعودية وأبوظبي، بدءًا من النفوذ والحدود، وليس أخيرًا في اليمن. لكن المخاوف تتركز في أن ينسحب انبهار ابن سلمان بالنموذج الإماراتي على سياسات أبوظبي المتقاطعة بل المتطابقة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولعله ثمّة أمير سعودي عاقل يحاول نصح ابن سلمان بأن يعيد للسعودية موقعها التاريخي في الوجدان العربي، وذلك عبر سياسات متمسكة بالحدّ الأدنى من الثوابت، ومنها ببساطة عدم التطبيع مع إسرائيل، وعدم محاربة حركات المقاومة، وعدم اعتبار عموم حركات الإسلام السياسي "إرهابية". 

وفي المجال الخليجي، لعلّه ينصحه أحدهم بأنه من الواجب أخلاقيًا ومصلحيًا بأن تسحب السعودية نفسها من محاولات التوريط الإماراتي، وأن تلعب دور الحكم في حلبة الاستهداف الإماراتي لقطر والمنطقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما الذي تكشفه لغة الجسد في مبايعة ابن نايف لابن سلمان؟

كيف روجت أبوظبي وواشنطن لمشروع محمد بن سلمان؟