بيورنستيرن بيورنسون: الأب

بيورنستيرن بيورنسون: الأب

الكاتب النرويجي بيورنستيرن بيورنسون

ننقل القصة القصيرة الآتية، للكاتب النرويجي بيورنستيرن بيورنسون الحائز جائزة نوبل في الأدب عام 1903، عن ترجمتها الإنجليزية التي قام بها ر.ب. أندرسون.


كان الرجل الذي سنسرد قصته هنا أغنى الرجال وأكثرهم نفوذًا في أبرشيته (*)، كان اسمه ثُورد أوفِراس. طويلَ القامة وجادًّا ظهر ذات يوم في مكتب القِسِّيس.

قال: "رُزِقْتُ صبيًّا وأودُّ أن أحضره للتعميد".

"ماذا سيكون اسمه؟".

"فِن، تيمُّنًا باسم أبي".

"ومن كُفلاؤه؟".

ذُكِروا، وثبُت أنهم أفضل أقارب ثورد من رجال الأبرشية ونسائها.

"أَهناك شيء آخر؟" سأل القِسِّيس ورفع ناظريه. تردَّد القروي قليلًا.

قال أخيرًا: "أودُّ كثيرًا أن يقوم بتعميد نفسه".

"هل نقول في يوم من أيام الأسبوع؟".

"السبت المقبل، في تمام الثانية عشرة ظهرًا".

سأل القِسِّيس: "أَهناك شيء آخر؟".

"لا شيء آخر"، وأدار القروي قبعته وكأنَّه يَهُمُّ بالانصراف.

ثم نهض القِسِّيس. "ولكن هناك هذا"، قال وسار نحو ثورد، وأمسك بيده ونظر إلى عينيه بوقار. "عسى أن يجعل الرَّبُّ الصبي نعمةً لك!".

ذات يوم بعد ستة عشر عامًا وقف ثورد مرَّةً أخرى في مكتب القِسِّيس.

"صِدْقًا، إنك تبدو فتيًّا على نحوٍ مدهش يا ثورد." قال القِسِّيس، ذلك أنه لم يرَ تبدُّلًا في الرجل أيًّا كان.

أجاب ثورد: "ذلك لأنني بلا هموم".

لم يعلِّق القِسِّيس على ذلك، بيْد أنه سأل بعد حين: "ما طلبك هذا المساء؟".

"لقد جئت هذا المساء بشأن ابني الذي سيحظى بتثبيت العِماد في الغد".

"إنه فتى ذكي".

"لم أشأ أن أدفع للقسيس حتى أعرف في أيِّ رقم سيكون ترتيب الصبي حين يأتي إلى الكنيسة غدًا".

"سيكون رقمه واحدًا".

"هذا ما سمعت، وهذه عشرة دولارات للقسيس".

"هل من شيء آخر أستطيع فعله لك؟" سأل القِسِّيس مثبِّتًا عينيه في ثورد.

"لا شيء آخر".

خرج ثورد.

انصرمت أعوام ثمانية أخرى، وذات يوم سُمِعت جَلَبَة خارج مكتب القِسِّيس، فقد كان هناك رجال عديدون يقتربون. وكان في مقدمتهم ثورد الذي دخل أوَّلًا.

رفع القِسِّيس ناظريه وعرفه.

قال: "لقد جئتَ مصحوبًا بجمع غفير هذا المساء يا ثورد".

"أنا هنا لأطلب نشر إعلان زواج ابني، إنه على وشك الاقتران بكارن ستورليدن، ابنة غُدْمُنْد الذي يقف إلى جواري".

"عجبًا، تلك أغنى فتاة في الأبرشية".

"هكذا يقولون." أجاب القروي وهو يمسِّد شعره إلى الخلف بيد واحدة.

جلس القِسِّيس حينًا وكأنه غارق في التفكير، ثم سجَّل الاسمين في دفتره دون أن يضع أيَّ تعليق، ووضع الرجال تواقيعهم تحتهما. وضع ثورد ثلاثة دولارات على المنضدة.

قال القِسِّيس: "دولار واحد هو كل ما سآخذ".

"أعلم ذلك جيدًا، ولكنه ابني الوحيد وأودُّ أن أقوم بذلك بسخاء".

أخذ القِسِّيس النقود.

"هذه الآن هي المرة الثالثة التي تأتي فيها من أجل ابنك يا ثورد".

"ولكنني الآن قد انتهيت منه." قال ثورد وطوى حافظة نقوده وقال وداعًا وانصرف.

لحق به الرجال ببطء.

بعد أسبوعين كان الأب والابن يجذِّفان في البحيرة ذات يوم هادئ ساكن إلى منزل ستورليدن للتحضير للزواج.

"هذا المقعد ليس آمِنًا." قال الابن ووقف ليُسوِّي المقعد الذي كان يجلس عليه.

في اللحظة ذاتها انزلق اللوح الذي كان يقف عليه، ألقى بذراعيه، أطلق صياحًا، ووقع في البحيرة.

"تمسَّكْ بالمجذاف!" صاح الأب وقد انتصب واقفًا ليناوله المجذاف.

بيْد أنَّ الابن بعد أن قام بجهود عدَّة تخشَّب.

"انتظر لحظة!" صاح الأب وبدأ يجذِّف نحو ابنه. ثم انقلب الابن على ظهره، نظر إلى أبيه نظرة طويلة، وغاص.

لم يكد ثورد يصدِّق الأمر، أوقف القارب، وحدَّق إلى البقعة حيث غاص ابنه نحو الأسفل وكأنه حتمًا سيبرز على السطح ثانيةً. هناك ظهرت بضع فقاعات، ثم المزيد منها، وفي النهاية ظهرت واحدة كبيرة وانفجرت، واستلقت البحيرة ثانيةً هناك ملساءَ وبرَّاقةً كمرآة.

ثلاثةَ أيام وثلاثَ ليال رأى الناس الأب يجذِّف ويجذِّف حول البقعة دون أن يأكل أو ينام، كان يلقي الشبكة في البحيرة بحثًا عن جسد ابنه. وفي صباح اليوم الثالث عثر عليه، وحمله بين ذراعيه فوق التلال إلى مزرعته.

لعلَّه مضى ما يناهز العام منذ ذلك اليوم حينما سمع القِسِّيس في وقت متأخِّر ذات مساء خريفي أحدَهم في الرواق خارج الباب وهو يحاول إيجاد المزلاج. فتح القِسِّيس الباب، ودخل رجل نحيل طويل القامة بهيئة منحنية وشعر أبيض. نظر القِسِّيس طويلًا إليه قبل أن يعرفه. كان ذلك ثورد.

"هل خرجت للمشي في وقت متأخِّر؟" قال القِسِّيس ووقف ساكنًا أمامه.

"آه أجل! الوقت متأخِّر." قال وجلس.

جلس القِسِّيس أيضًا وكأنه ينتظر. أعقب ذلك صمت طويل طويل. قال ثورد أخيرًا: "لديَّ شيء جلبته معي أودُّ أن أقدِّمه إلى الفقراء. أودُّ أن يُستثمَر كإرث باسم ابني".

نهض، وضع بعض المال على المنضدة، وجلس مرَّةً أخرى.

عدَّ القِسِّيس النقود.

قال: "إنه مبلغ كبير من المال".

"إنه نصف ثمن مزرعتي. لقد بعتها اليوم".

مكث القِسِّيس صامتًا حينًا طويلًا. سأل أخيرًا ولكن بلطف: "ما الذي ترتئي فعله الآن يا ثورد؟"

"شيئًا أفضل".

جلسا هناك حينًا، ثورد مُسبَل العينين، والقِسِّيس مثبَّت العينين فيه. في تلك اللحظة قال القِسِّيس ببطء وهدوء:

"أخال أنَّ ابنك منحك أخيرًا نعمةً حقيقيَّة".

"أجل، هذا ما أخاله أنا نفسي." قال ثورد رافعًا ناظريه، في حين انسابت دمعتان كبيرتان ببطء على وجنتيه.

 

هامش:

الأبرشية: منطقة من البلاد تخضع لسُلطة أسقف. (المعجم الوسيط)

 

اقرأ/ي أيضًا:

هاروكي موراكامي.. كهف الريح

كيْت تشوبان: حسرة