ultracheck
  1. رياضة

بين ملل "المادة" وشاعرية "الشكل".. هل ماتت كرة القدم التي نعرفها؟

11 فبراير 2026
باتيستوتا
هل انتهى زمن كرة القدم الجميل؟ (جيتي)
رياض بنمبروك رياض بنمبروك

هل نلتقي الليلة؟

لا أستطيع؛ يبدو أنك نسيت أنها ليلة المباراة.

لا، لم أنسَ، ولكني لن أضيع وقتي في متابعة مباراة محسوم أمرها.

حسمتها سريعًا! ما أغرب حكمك على الأمور!

بل أنت، لا تدع العاطفة تغويك، لا تفقد عقلك يا رجل؛ ألم تَرَ كم الأموال التي صرفوها في السوق الأخيرة؟ حتى إن تشكيلتهم باتت مثالية.

ومنذ متى كان ما تدعيه معيار حكمٍ عقليٍّ صائب في كرة القدم؟ ألم نفز عليهم في النهائي وقد كانوا أقوى بكثير وقتها؟ أتذكر تلك الليلة...

كان ذلك قبل عشرين سنة يا صديقي، أما الآن فلم تعد اللعبة كما عرفناها سابقًا.

ماذا تقصد؟ ألن نحظى بتلك اللحظات الشاعرية مجددًا...؟

حسنًا، لا يهمك ما سبق، يبدو أنه حوار بيزنطي جديد حول كرة القدم. يا إلهي كم يجادل هذا الإنسان حتى في أتفه الأمور! لا بل كم هو شاعري.. لا بل كم هو مادي.. لا بل كم هو متناقض! لكن لحظة، هل هذا الصراع مجرد "هراء" فعلًا؟

في الواقع، هذا التمزق هو ذاته ما يحاول سايمون كريتشي فكّه في كتابه "فيمَ نفكر حينما نفكر في كرة القدم"؛ فهو يرى أن صلتنا باللعبة تكمن في انفصال المادة عن الشكل، حيث يقول: "أما الشعرية، فهي تأتي من التمييز بين المادة والشكل. مادة كرة القدم اليوم هي رأس المال بكل قذارته، وهي ملوثة بفساد المنظمات.. لكن شكل اللعبة وخصائصها الجمالية تظل سامية""

بهذا التفريق، يميط كريتشي اللثام عن ثنائية "البهجة والاشمئزاز" في كرة القدم؛ فهو يقصي المادة كعنصر قُبح، ويتقصى أثر "الشكل" كمدخل جمالي وحيد، بوصفه المصدر المتبقي للحُسن والبهجة في عالم ماديّ بامتياز. ولكن، هل فعلًا صمد "الشكل" أمام زحف المادة؟ وهل سنحظى بتلك اللحظات الشاعرية مجددًا؟

مرحلة الكينونة.. الشكل كمساحة

"تكمن الأهمية القصوى في عملية "المسح البصري"؛ فإذا أتقنتَ هذه المهارة، يمكنك أن تتحول من مجرد لاعبٍ عاديٍّ إلى لاعبٍ نخبوي؛ لأن الجودة التقنية والمهارة بالكرة متوفرة لدى الجميع في هذا المستوى، لكن المسح هو ما يصنع الفارق الحقيقي ويمنحك القدرة على اتخاذ القرار بلمسة واحدة بدلًا من ثلاث لمسات.

وبالعودة إلى حديثنا حول عملية "اتخاذ القرار"، فإن مثل هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يبرهن على ذكاء اللاعب وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح؛ لأنه ببساطة يدرك حدود إمكانياته ونقاط ضعفه". التفكير أسرع، القدرة على اتخاذ القرار في ثواني، والأهم القدرة على رؤية "الفراغ" قبل أن يتشكل والتحرك إليه؛ هذه خلاصة تصريحات هذا الشاب في الدراسة الصادرة عن جامعة بورتسموث  في فهم ما يدور في عقول اللاعبين الحاليين، وطرق تدريبهم.

ماذا لو شاهد شابٌّ من الجيل الحالي "هدف القرن" لمارادونا في مرمى شيلتون بكأس العالم 1986؟ ماذا لو كان ساعتها يجلس حذو خاله أو عمه من معاصري ذلك الهدف؟ طيب، ماذا لو كان ذلك الشاب أحد المنتسبين للفئات السنية في نادٍ ما مثل تلك التي شملتهم الدراسة السابقة؟ هل يمكنك أن تتخيل الأمر لدقائق؟

بينما يظل العم صامتًا، غارقًا في تأمله، وعيناه تحملان حسرة ثقيلة، يقف الشاب ساخرًا وهو يقول: "يا الله! هل هذه كرة قدم؟"، ثم يضيف: "إما أن مساحة الملعب كانت شاسعة للغاية، أو أنه كان يجري ببطء شديد؛ فقد كان لديه متسعٌ من الوقت لكي ينظر حوله ويتساءل عما سيحدث تاليًا".

ما سيحدث تاليًا، هو بالضبط ما يُعدّ اليوم "خطيئة تكتيكية" بالمعنى المعاصر للعبة. بطء شديد يملأ الشاشة، ثوانٍ طويلة من التفكير الحي، لا تقطعها توصيات من مدرب، ولا تنقذها حركة مفاجئة من الخصم، وطبعًا مزيد من المتعة لدى العم؛ فبنظره ما يفعله مارادونا هو حالة إنسانية خالصة من الإبداع، ذروة من الإلهام، بل هو قديسٌ محلّقٌ خذلَ الحارس بـ "يد الله"، ثم ساحرٌ ذوّب الملعبَ تحت قدميه؛ ليصهر الكرة في شباك "شيلتون" هدفًا لم تدركه الأبصار إلا وهو يعانق التاريخ.

هل تعلم عزيزي لماذا يبدو هذا المشهد ممتعًا للعم؟ الإجابة ببساطة هي: لأنه إنسان؛ فكما يقول إريك فروم إن متعة الإنسان الأولى تكمن في "كينونته"؛ أن يحس، أن يتحرك، أن يرتجل، ببساطة أن يمارس إنسانيته، أو يملك حرية "البطء" كي يفكر أو يبتكر أو حتى يخطئ، فوفقًا لتعبير كونديرا في روايته "البطء": إن السرعة تقتل الذاكرة واللذة.

التناقض بين لقطة مارادونا وواقع ذلك الشاب اليوم في ناديه، هو تحديدًا ما يفسر سخريته؛ خاصة لو عدنا لتصريحات اللاعب التي أوردناها في البداية، سندرك فورًا لماذا أصبحت حالات إنسانية عادية مثل امتلاك قليل من الوقت للتفكير موازيةً لسخريةٍ من أبناء الواقع الجديد؟ لأن "البطء" أصبح تهمةً جاهزةً في وجه قراراتهم، والمساحة "خطيئة تكتيكية" في وجه إنسانيتهم، وهذا يقودنا لسؤالنا الجوهري: كيف ساهم تطور مفهوم المساحة في الكرة لتغيير شكلها الشاعري؟

"فلسفة إدارة الفراغ"؛ يبدو هذا أفضل اختصارٍ لما تحاول كرة القدم الحديثة أن تقوم به، حيث يدور فلكها كله حول تركيزٍ جوهريٍّ ومكثفٍ على مفهوم "المساحة"؛ فكل الصراعات فوق المستطيل الأخضر تختزلها تساؤلات محورية: مَن يسيطر على أي مساحة؟ وكيف يمكن خلق ثغرة جديدة؟ وما هي المساحات الأكثر أهمية لهوية الفريق؟ وكيف تُهاجم؟ ومَن هم اللاعبون الأنسب لشغلها؟

لم تعد مجرد فراغٍ عابر، بل أضحت فلسفةً تُصاغ من خلالها أدوار اللاعبين وتمركزاتهم بالنسبة للكرة والزملاء ومرمى الخصم، ويعود التصاعد الكبير في أهمية مفهوم المساحة إلى التطور الهائل في التنظيم الدفاعي للفرق؛ فسواءٌ اعتمد الفريق على التكتل الدفاعي المتأخر بأسلوب (4-4-2)، أو اختار الضغط العالي بخط دفاعٍ متقدم، فإن تعقيد هذه المنظومات جعل من عملية التدرج بالكرة تحديًا صعبًا. فبينما تمنح الفرق التي تعتمد على الدفاع المنخفض الأولوية لحماية المساحات المحيطة بمرماها، تسعى فرق الضغط العالي لحرمان الخصم من الاقتراب أصلًا، عبر السيطرة على المساحات في مناطق متقدمة من الملعب. كل أسلوبٍ يفرض معضلةً مكانيةً مختلفةً يتعين على الفريق المستحوذ حلها، عبر استغلال المساحات التي يتركها الخصم "طواعيةً" مقابل إغلاقه لمناطق أخرى.

خلف حدود هذه الثنائيات تبدو "المساحة" اليوم حاضرة في عمق الكرة العصرية وتُرى بعين مختلفة؛ فقد صُدِّرت بها تكتيكات جديدة ولمع تحت ضوئها مدربون جدد، شكلوا من خلال تلك المعضلات المكانية هوية اللاعب الحديث، الذي انتقل من مفهوم استغلال المساحة البديهي إلى شغلها ثم تفسيرها بل توقعها قبل أن توجد. وبهذا تحول شكل الكرة من حالة إنسانية مكثفة تقوم على الصراع بين المهارة والذهن والطاقة البدنية، إلى أرقام روبوتات آلية تملأ المساحة؛ فوفقًا لبيرلو في أطروحته لنيل رخصة التدريب المحترفة: "على اللاعبين امتلاك القدرة على أداء أدوارهم من خلال تفسير المساحة داخل النظام، وتعديل تمركزهم بناءً على معطيات اللعب المتغيرة".

"في كرة القدم الحديثة، بدأ نموذج اللعب يغير وظيفته؛ فمن التوزيع الثابت للاعبين على أرض الملعب، ننتقل الآن إلى الإشغال الديناميكي للمراكز بما يخدم مبادئ نموذج اللعب". فبينما كانت المساحة في كرة القدم فضاءً للتعبير الجسماني الحر والإبداعي، أصبحت الآن فضاءً ضيقًا مراقبًا، أفضل صيغة لاستغلاله هي الهروب منه، ولهذا طرأ مفهوم الإشغال الديناميكي على اللعبة في أكبر تجلٍّ عن صورة كبرى أصبح فيها الفعل الإنساني الحر "خطأ".

كرة القدم لطالما كانت لعبة أخطاء، كما قال يوهان كرويف؛ لكن الأندية العملاقة اليوم أصبحت كبيرة لدرجة تقل معها احتمالات الخطأ؛ إدارة مجهرية لكل التفاصيل، بيانات ضخمة، ساهمت في بناء هذا النمط "الروبوتي" المقيد لدى اللاعب الحديث، وفقًا لنيفل الذي يقول: "هذه الطبيعة الآلية التي تمنع اللاعبين من مغادرة مراكزهم، والإدارة الفنية الدقيقة التي تحصي عليهم أنفاسهم، وحرمانهم من حرية المخاطرة لمحاولة حسم المباريات، تحولت إلى ما يشبه المرض الذي يستشري في جسد اللعبة.. لقد أصبحت داءً حقيقيًا".

رقميًا يتجلى ذلك في إحصائيات "أوبتا" بوضوح؛ كيف ابتلعت منظومة التمرير المكثف مساحات الإبداع الفردي؟ فمع اقتراب معدل التمريرات من 897 تمريرة لكل مباراة، انزوت مهارة المراوغة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات بمعدل لا يتجاوز 34.7 محاولة. هذا التحول لم يُفقد اللاعبين الجرأة على المواجهة المباشرة فحسب، بل أدى لتدني كفاءة التنفيذ إلى 46%؛ مما يؤكد أن اللاعب المعاصر بات مجرد "عنصر" في آلة فنية تمنح الأولوية للحذر والالتزام بالمراكز على حساب الموهبة الفطرية والمخاطرة التي كانت تصنع الفارق. وهنا تصدق المقولة: "كرة القدم الحديثة صادرت المكان بالضغط العالي، وصادرت الزمان بالسرعة القصوى؛ فقتلت الكينونة".

مرحلة التملك.. الشكل كاستهلاك

"لا نريد تكرار تجربة ليستر سيتي كثيرًا".. بهذه العبارة لخص مسؤولٌ بارز في أحد أندية "الستة الكبار" بالدوري الإنجليزي الممتاز المشهد، وهو يتحدث من داخل فندق لندني فاخر، مؤكدًا أمام حشد من رجال الأعمال والإعلاميين أن "تاريخ كرة القدم يثبت انحياز الجماهير لفوز الأندية الكبرى". وأضاف المسؤول بوضوح صادم: "قدرٌ معين من المفاجآت قد يكون جيدًا، لكن تحول الدوري إلى ديمقراطية تامة سيكون ضارًا بالأعمال".

تقف كرة القدم اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن نختار مستقبلًا تظل فيه كل مباراة حدثًا خاصًا ونابضًا بالحياة، أو نرتضي بأن تتحول اللعبة إلى مجرد "ضجيج" باهت في خلفية حياتنا المزدحمة

حسنًا، ما الغريب في الأمر يا عزيزي؟ رجل أعمالٍ رأسماليٍّ يدافع عن مصالحه؛ آه لحظة قد فهمتك، أنت تستغرب من عبارة "قدرٍ معينٍ من المفاجآت"، هل تشعرك تلك الكلمات بأن الأمر كله محكومٌ بسيناريو مسبق؟ لا، لا داعي للقلق، الأمر ليس بتلك "الفظاعة"، ولكنه ليس مختلفًا كثيرًا في الحقيقة. أما إن كان السؤال عن سبب لهجته الحاسمة، وشرعيته أصلًا في تقرير مصير اللعبة، نعم فهذا هو؛ ما الذي يبرر كل ما يقوم به ذلك المسؤول؟

هل تستطيع أن تتخيل معي ماذا لو حافظت كرة القدم على قاعدتها الاجتماعية؟ ماذا لو لم تدخل الرأسمالية للملعب؟ هل كانت ستتآكل قيمتها مع الوقت؟ هل كانت الملاعب ستفرغ من جمهورها؟ هل كانت النجومية ستموت؟

في الحقيقة، هذا التغلغل الرأسمالي لم يأتِ لسد فجوة في السوق أو تقديم خدمة مفتقدة؛ فما هو المبرر الحقيقي لوجوده في كرة القدم؟ هل هي دعوى "الاحترافية المتزايدة"؟ إن الحشود الغفيرة التي كانت تملأ الملاعب قبل عصر الاحتراف الحديث تثبت أن الشغف باللعبة كان في ذروته قبل أن تطغى دوافع الربح، بل إن الدلائل تشير إلى أن الاستمتاع كان أكبر حينها؛ فالمشجعون سيملأون الملاعب، والجمهور سيشاهد المباريات عبر الشاشات، والنجوم سطعوا قبل عصر البث الفضائي كما أثبت التاريخ دائمًا، بوجود هذا العامل المالي أو بدونه.

لمزيدٍ من الفهم؛ تستند الرأسمالية في جوهرها -أو على الأقل في مبررات وجودها- إلى فكرةٍ مفادها أن تعددية الشركات وتنافسها في حل المشكلات البشرية يخلق قيمةً حقيقية، وأن الرأسمالية تتفوق في ذلك على أي نظامٍ آخر. غير أن الواقع الذي نعيشه في كرة القدم، وفي جزءٍ كبيرٍ من الرأسمالية الحديثة، لا يمت لهذه الفلسفة بصلة؛ فقد وصلت الرأسمالية المعاصرة متأخرةً لتفرض منطق التجارة الخاصة على قاعدةٍ اجتماعيةٍ صلبة هي مَن صنعت كرة القدم أصلًا، وبأسلوبٍ "افتراسي" نموذجي، قررت هذه المنظومة أنها ليست بحاجةٍ إلى الطابع الاجتماعي والثقافي والإنساني الأصيل للعبة.

صحيحٌ أنه لا يمكن إغفال أن الحالة المتهالكة التي وصلت إليها كرة القدم في الثمانينيات -والتي انتهت بمآسٍ حقيقية مثل "هيسل" و"هيلزبره"- جعلت اللعبة بحاجة ماسة إلى التحديث وإلى التمويل اللازم لتحقيقه، فضلًا عن إيجاد سبل مبتكرة لجمع ذلك التمويل، لكن حتى هذا لم يكن مبررًا كافيًا لدخول المد الرأسمالي بتلك الطريقة المفرطة؛ أتعرف لماذا؟ لأن دخولها لم يكن لسد حاجة إنسانية بقدر ما كان "استعمارًا" لمساحة اجتماعية جاهزة؛ حيث استطاعت في تلك الفترة 13 ناديًا مختلفًا الإنهاء في المربع الذهبي بإنجلترا، وسمح لأندية مثل أستون فيلا، ستيوا بوخارست، وبي إس في آيندهوفن بالفوز بكأس الكؤوس الأوروبية.

كانت كرة القدم حينها صناعة "أصغر" من أن تحتمل هذا التفاوت الفج، الذي كسر التنافس في اللعبة؛ فكما يقول كارل ماركس: "للرأسمالية ميلٌ داخلي لتدمير قاعدتها الاجتماعية".

ما هو مبررها إذًا؟ الجواب المباشر: هو الجمهور نفسه الذي يحاكم تواجدها الآن، ولفهم ذلك علينا العودة لإريك فروم؛ الذي يوضح في كتابه أن السمَة البارزة لإنسان أواخر القرن العشرين هي انتقاله من التمتع بـ "الكينونة" إلى نمط وجودي جديد وهي مرحلة "التملك"؛ حيث تمت الصلة بشكل فج بين قيمة الإنسان وهويته وممتلكاته، فلم تكن هناك حجة أكثر إقناعًا من صفقات البث الأفضل، والمسابقات البراقة، والقمصان الأجود، ومقاعد الدرجة الأولى في الملاعب؛ كل شيء أصبح "سلعة" قابلة للامتلاك، ولم تعد تلك اللعبة المهترئة في الثمانينيات تغذي شره الجماهير، التي استدعت بنفسها -ضمنيًا- رأس المال عبر تغيير اللوائح للسماح للأندية بالتحول إلى شركات مساهمة.

هذا التملك حوّل الأندية الكبرى ومستثمريها من "سوبر ماركت" محلي إلى كيانات اقتصادية عابرة للقارات، وخلق فجوة هائلة لا يمكن مقاومتها، حتى إن حقوق البث أصبحت تفوق 9 مليارات جنيه إسترليني بعدما كانت 5 ملايين عام 1982، ووفقًا لأرقام "ديلويت" المالية لم تكن أرباح أو أجور أغنى الأندية تتجاوز ثلاثة أضعاف أفقرها بالحد الأقصى، هل تعلم الآن أين وصل الرقم؟ أمر جنوني؛ 17 ضعفًا بين ريال مدريد وأحد أندية الليغا المتوسطة مثلًا، وتضاعفت إيرادات الأندية الكبيرة إلى حاجز قياسي بلغ 12.4 مليار يورو، في أكبر تعبير عن قتل شكل اللعبة أو لحظاتها "الشاعرية" الناتجة عن التنافس السليم، حيث تتركز 90% من ثروات اللعبة في يد 1% من الأندية.

بالعودة إلى ذلك الفندق اللندني الفاخر، يبدو أننا فهمنا الآن سبب الثقة التي يتحدث بها الرجل؛ يمكننا الآن أن نتخيل ملامح الارتياح على وجهه وهو يرتشف قهوته؛ فمخاوفه من "ديمقراطية" كرة القدم لم تكن إلا هواجس عابرة تبددت أمام صلابة المنظومة التي ساهم في بنائها. لقد تمت إعادة هيكلة اللعبة بالكامل لضمان استحالة تكرار "خطيئة" ليستر سيتي؛ فقد أدى تبني كرة القدم لنموذج "الرأسمالية المفرطة" وغير المنضبطة إلى خلق هوةٍ ماليةٍ شاسعة دمرت جوهر اللعبة المتمثل في "عدم القدرة على التنبؤ بالنتائج"، وتُظهر كل المقاييس أن كرة القدم في جميع أنحاء أوروبا أصبحت "أكثر قابليةً للتوقع" مما كانت عليه قبل 30 عامًا.

فبايرن ميونيخ، الذي لم يسبق له الفوز بأكثر من 3 ألقاب متتالية، حقق الآن 11 لقبًا متتاليًا؛ وكذلك باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي، وحتى في كرواتيا فاز دينامو زغرب بـ 13 لقبًا من أصل آخر 14. لقد أصبح 13 دوريًا من أصل 54 في أوروبا تعاني من سيطرة القطب الواحد، ولم يتوقف الأمر عند الفوز، بل امتد إلى "طريقة الفوز"؛ حيث أصبحت الانتصارات الكاسحة (بفارق 3 أهداف أو أكثر) سمة العصر.

في إسبانيا، قفزت نسبة فوز ريال مدريد وبرشلونة بفارق 3 أهداف من 20.5% في التسعينيات إلى 37.8% حاليًا؛ وهنا فإن "الشكل" (اللعبة) صار محكومًا بـ "المادة" (الميزانية)؛ فالفريق الذي يملك ميزانية أكبر يفوز في 85% من الحالات. لقد ماتت "الشاعرية" لأن المفاجأة -التي هي جوهر اللعبة- صارت "خللًا في بيئة الأعمال"، كما قال المسؤول في بداية التصريح.

مرحلة المشهدية.. الشكل كاستعراض

"تحولت اللعبة إلى استعراض، بعددٍ قليلٍ من الأبطال وكثيرٍ من المتفرجين؛ كرة قدم للمشاهدة. وأصبح هذا الاستعراض واحدًا من أكثر الأعمال ربحًا في العالم، منظمًا لا من أجل اللعب، بل لعرقلته. لقد فرضت تكنوقراطية الرياضة الاحترافية كرة قدم السرعة الخاطفة والقوة الغاشمة، كرة قدم تنفي الفرح، وتقتل الخيال، وتجرم الجرأة". هكذا عبّر إدواردو غاليانو عن المنعطف الذي تمر به اللعبة؛ من كونها منتجًا إنسانيًا حرًا، إلى منتجٍ للإنسان المقيد بـ "العرض".

يقول المؤرخ الرياضي ديفيد غولدبلات إن عدم وجود رقابةٍ أو تنظيمٍ منذ البداية جعل عدم المساواة "متجذرًا" في البنية التحتية للعبة؛ فمنذ تغيير اللوائح في الثمانينيات للسماح للأندية بالتحول إلى شركات مساهمة، ومرورًا برؤية سيلفيو برلسكوني الذي أراد تحويل كرة القدم إلى "استعراضٍ تلفزيوني عالمي"، فُتح الباب على مصراعيه لرأس المال ليلتهم روح اللعبة.

"استعراض تلفزيوني عالمي"؛ يحاكي روح العصر ونفسية المستهلك الحديث، الذي -وفق تعبير غي ديبور في كتابه "مجتمع الاستعراض"- قد مرّ من ثنائية "الكينونة" و"التملك"، إلى الاستمتاع بالظهور أو "المشهدية"، التي يحتفي فيها العالم بالظهور لا بالجوهر، ويطغى فيها نمط الاستهلاك السريع على التلقي المتأني. خصائص تقفز معها كرة القدم إلى دوائر الصناعة البصرية إخراجيًا، وملاحقة "الترند" رقميًا؛ ليصبح المنتج هو الهدف وليست اللعبة كحالة إنسانية. هنا تنحسر بهجة اللعب لتغدو قيدًا من واجب يومي، في سباق محموم يقتفي أثر "الترند"، ويخضع لخوارزميات لا تشبع.

ما الحل إذًا؟ هل المزيد من كل هذا؟ نعم؛ حيث خضعت الأجندة الكروية في السنوات الأخيرة إلى تضخم غير مسبوق في "العروض"؛ المزيد من المباريات، المزيد من "الريلز" ومقاطع "التيك توك"، والمزيد من منشورات "إنستغرام". ويبرز هنا التعديل الأخير في نظام دوري أبطال أوربا كأحد أوضح الأمثلة على هذا الانفجار المشهدي؛ حيث قفز عدد المباريات في البطولة من 125إلى 189.

مقابل كل ذلك، تمت التضحية بشكل كلي باللاعب كإنسان؛ فوفقًا لمدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني في مقابلة أجراها مع اتحاد اللاعبين المحترفين، فإن كثرة المباريات قرينة تراجع الجودة، إذ يقول: "إذا حل الإرهاق، فسيخرج العرض الفني بهذا الشكل".

تُظهر المقارنات الرقمية أن المواهب الشابة في كرة القدم الأوروبية اليوم تحمل في أقدامها إرثًا من الدقائق يفوق بكثير ما تراكم لدى أساطير اللعبة في السن ذاتها؛ فبينما خاض "بيدري" في سن الثامنة عشرة 3,000 دقيقة، وهو ما يعادل أكثر من ضعف ما لعبه "تشافي هيرنانديز" في تلك السن، وصل النجم الشاب عند بلوغه العشرين إلى 12,000 دقيقة، متجاوزًا سجل تشافي في المرحلة العمرية نفسها بنسبة 25%.

وتجاوز إجمالي مشاركات فينيسيوس في سن الرابعة والعشرين حاجز الـ 20,000 دقيقة بقميص "الميرينغي" والمنتخب البرازيلي. ولتوضيح حجم هذا العبء، فإن هذا الرقم يتخطى بمراحل ما سجله أساطير برازيليون سابقون في العمر ذاته، أمثال كاكا، ورونالدينيو، وحتى "الظاهرة" رونالدو. الأمر أعظم عند لامين يامال الذي كان قد وصل بالفعل إلى 100 مباراة في السابعة عشر من عمره، في حين لم يتجاوز ميسي ال26 مباراة في السن ذاتها.

فالإيقاع الحالي لا يخدم أحدًا؛ اللاعبون يحترقون جسديًا، والمشجعون يحترقون عاطفيًا. لكي تبقى كرة القدم ساحرة وذات مغزى، فإنها تحتاج إلى أن "تتنفس"، وهذا يقودنا إلى تساؤلٍ مشروع حول مستقبل اللعبة: هل يؤدي هذا التضخم في المشهدية الكروية إلى "حرق" المنتج الكروي وفقدان قيمته؟

هذا ما يجيبنا عنه تقرير مكتب "إندرز للتحليلات" لعام 2024، تحت عنوان "تحدي التراجع: صمود مشاهدات الرياضة"، الذي يقر بأن صناعة كرة القدم تواجه تحديًا وجوديًا يتجاوز مجرد أرقام المشاهدة؛ إذ باتت "الفجوة الجيلية" خطرًا حقيقيًا يلوح في الأفق، حيث انخفضت نسبة متابعة الرياضة بين فئة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين بنحو الربع تقريبًا منذ عام 2015. وهذا العزوف -حسب التقرير- ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو إنذار مبكر بتغير سلوك المستهلك الكروي الذي مَلَّ وسئم هذه المشهدية المفرطة.

هل لا يزال بإمكاننا استعادة ذلك السحر الذي جعل من كرة القدم "اللعبة الجميلة"؟ ربما تكمن الإجابة في مبدأ بسيط: "الأقل هو الأكثر". إن تقليص عدد المباريات قد يكون السبيل الوحيد لإعادة إحياء روح اللهفة والشعور بالترقب الذي كان يسبق كل صافرة بداية؛ فالندرة ليست شرًا دائمًا، بل هي ما يمنح الأشياء قيمتها؛ فحين تتوقف المباريات عن كونها "واجبًا يوميًا" وتعود لتصبح "حدثًا استثنائيًا"، سيعود المشجع ليهتم بعمق، لا أن يكتفي بالمشاهدة السطحية.

وبالعودة إلى سؤال صديقنا في مقدمة التقرير حول ما إذا كنا سنحظى بتلك اللحظات الشاعرية مجددًا، فإنه –حسب الكاتبة هانا فاليتي– تقف كرة القدم اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن نختار مستقبلًا تظل فيه كل مباراة حدثًا خاصًا ونابضًا بالحياة، أو نرتضي بأن تتحول اللعبة إلى مجرد "ضجيج" باهت في خلفية حياتنا المزدحمة. الكرة الآن في ملعبنا جميعًا؛ مشجعين، وأندية، ومنظمين.. فهل نُنقذ "نكهة" اللعبة قبل أن تتبخر تمامًا؟

كلمات مفتاحية
الجزائر

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية

كأس العالم 2026

إيران تلوح بالانسحاب من كأس العالم.. ما خيارات الفيفا؟

أوضح وزير الرياضة الإيراني أن الظروف الحالية تجعل مشاركة منتخب بلاده كأس العالم أمرًا مستحيلًا، مشيرًا إلى أن اللاعبين لن يكونوا في أمان داخل الولايات المتحدة

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟
سياق متصل

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟

عكس أكبر ارتفاع في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود يتطلب أكثر من ذلك. إما أن تنتهي الحرب أو أن تُضعف الولايات المتحدة قدرات إيران إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الأخيرة تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية