بين صرخات بيروت وملاعب إسبانيا.. عندما كشفت كرة القدم زيف الرواية الصهيونية؟
26 يناير 2026
إنه المنطق في أكثر صوره تجرُّدا؛ اسرائيل ليست الا كيانًا عسكريًا مُغتصِب وقاتل، لذلك فعلى العالم ألا يدعمها بأي شكل من الأشكال، باعتبارها الطرف المُعتدي تاريخيًا من جانب، ولأن عملياتها العسكرية الوحشية خارج فلسطين وداخلها، عادةً ما تضع العالم بقياداته وسياسييه ورياضييه ومنتخباته أمام اختبار أخلاقي عنيف، فإما أن يصمت أمام هذه القسوة المبالغ فيها، وإما أن يُندد بما تفعله اسرائيل، ومن ثم يطالبها بالتوقف.
الغريب حقا، أن أول من فهم هذا الأمر كانت كرة القدم، تحديدًا المنتخب الإيطالي عام 1982.
في عام 1982، وبينما كانت مبارياتُ كأس العالم تجري حامية الوطيس في مدن وقرى اسبانيا، كان الجيش الصهيوني، بقيادة آرييل شارون، يقصف العاصمة اللبنانية بيروت بكل ما أوتي من قوة وعتاد، بعدما سئمت قيادته من وجود منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، والجبهة الوطنية اللبنانية بقيادة جيش التحرير الشعبي -قوات كمال جنبلاط المُشتركة-، وحركة الناصريين المستقلين "المرابطون"، فيما يُطلق عليه مجازًا "بيروت الغربية".
ما علاقة إسرائيل بلبنان؟ ولماذا تريد اسرائيل اخراج منظمة لا تقع تحت سُلطتها من أرض لا تقع تحت سيادتها؟
هذا بالضبط ما سأله أعضاء المنتخب الايطالي لأنفسهم قبلٍ دقائق من تتويجهم أبطالًا لكأس العالم، وعندما استعصت عليهم الإجابة، أهدوا لقب البطولة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى نضال الشعب الفلسطيني بشكل مباشر.
أهدت إيطاليا لقب كأس العالم 1982 إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى نضال الشعب الفلسطيني بشكل مباشر
كانت لحظة تاريخية لم يتوقعها أشد الفلسطينيين أو العرب تفاؤلًا، بعدما فاجأتهم وتسللت كخدر خفيف وسط سنواتٍ عجاف، عوملت فيها أفعال عادية مثل رفع العلم الفلسطيني في شرفة المنزل، أو ارتداء الكوفية الفلسطينية في جِلسة مع الأصدقاء، أو مجرد التعبير عن الهوية الفلسطينية بأي شكل كان، باعتبارها جرائم جنائية يعاقب عليها قانون معظم الدول الأوروبية، كذلك لم يكن هناك أدنى اعتراف دولي بوجود الشعب الفلسطيني أو، بما يسميه البعض، الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو حتى بشرعية منظمة التحرير نفسها.
إلا أن "المنتخب الإيطالي" لم يعبأ بكل ذلك، فلم يخف ردة الفعل العالمية، ولم يخش اتهامه بمعاداة السامية، لماذا؟ لأن "الحق أحق أن يتبع"، وتلك قاعدة بسيطة أخرى لم يعترف بها الاحتلال قط، بعدما ظن أنه بشراء الذمم وتحري الكذب، والتلاعب بالإعلام وبالساسة وبالقنوات الشرعية للتغيير، سيكون قادرًا على تمرير سرديته أيًا ما كانت، وهو ما أثبتت لنا التجربة عكسه تمامًا، مثلما أكدت لنا الحادثة الماضية أن نبرة التعاطف مع الفلسطينيين على حساب الصهاينة ليست حديثة كُليًا، وأن الليل لم يكن يومًا شديد الظلمة كما توقعناه.
نعم، لقد توقعنا عكس ما رأيناه تمامًا؛ وأكدنا لبعضنا البعض في لحظات ضعف ووهن أن الخوارزميات المتناغمة مع الرواية الصهيونية للأحداث، ستنهال علينا بكل ما لذ وطاب فور سؤالها عن "الأندية والجماهير الداعمة لإسرائيل". فإذا بمحركات البحث خاوية على عروشها، تخلو من أي دعم واضح أو خفي لهذا الكيان المحتل، بل على العكس، وجدنا أن معظم الأندية في العالم تدعم الحق الفلسطيني بشكل كامل وأكثر من أي وقت مضى.
مثل من؟
تُعد جماهير نادي سلتيك الاسكتلندي هي الأبرز في التعبير عن دعمها للقضية الفلسطينية بكل الطرق ومن وقت طويل، حيث يعتبر هذا الدعم جزءًا متأصلًا من هوية النادي وجماهيره، وتعود جذور هذا التضامن إلى تاريخ النادي الذي تأسس من قبل المهاجرين الأيرلنديين الكاثوليك الذين عانوا من التهميش والقمع في بريطانيا، وهو ما خلق رابطًا تاريخيًا عميقاً مع نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، حيث قامت رابطة مشجعي "الكتيبة الخضراء" (Green Brigade)، التي تأسست في 2006، بتنظيم حملات دعم واسعة للشعب الفلسطيني.
تسللت لحظة إهداء إيطاليا فلسطين لكأس العالم 1982 كخدر خفيف وسط سنواتٍ عجاف
أبرز هذه الحملات كانت تحت شعار "أشهر بطاقة حمراء في وجه إسرائيل" (Show Israel the Red Card)، التي دعت إلى طرد إسرائيل من البطولات الدولية بسبب ممارساتها القمعية والاحتلال والابادة، وفي عام 2016، بعد أن غرم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم النادي بسبب رفع الأعلام الفلسطينية في مباراة ضد فريق "هابوعيل بئر السبع الإسرائيلي"، أطلق المشجعون حملة تبرعات بهدف جمع الأموال لصالح منظمات خيرية فلسطينية، وقد نجحت الحملة في تأسيس فريق "عايدة سيلتيك" لكرة القدم في مخيم عايدة للاجئين بالضفة الغربية.
وعلى عكس الحراك الجماهيري الذي يواجه قيودًا من إدارات الأندية، يمثل نادي ديبورتيفو بالستينو التشيلي حالة فريدة من الدعم الكامل للقضية الفلسطينية، فقد تأسس النادي عام 1920 على يد مجموعة من المهاجرين الفلسطينيين في تشيلي، ويحمل منذ نشأته شعار "أكثر من مجرد فريق، هو شعب بأكمله" (بالإسبانية: "Más que un equipo, todo un pueblo")، مما يعكس ارتباطه العضوي بالهوية الفلسطينية منذ البداية.
ويستخدم النادي ألوان العلم الفلسطيني (الأحمر والأخضر والأسود) في زيه الرسمي، كما أدرج خريطة فلسطين ما قبل عام 1948 في شعاره، هذه الرمزية أدت إلى تعرض النادي لعقوبات من قبل الفيفا والاتحاد التشيلي، حيث غُرم وحُظر من قبل الاتحاد التشيلي لكرة القدم عام 2014 بسبب تصميم القميص.
ولم يقتصر الدعم على الأندية ذات الروابط التاريخية أو الجغرافية فقط، بل امتد إلى ملاعب العالم بأسره، فقد رفعت جماهير ريال سوسيداد وباريس سان جيرمان الأعلام الفلسطينية، وفي مباراة جمعت بين منتخبي إيطاليا وإسرائيل، أدارت الجماهير الإيطالية ظهورها للنشيد الإسرائيلي، وتكرر المشهد ذاته في الدوري الإسرائيلي عندما أدار جمهور نادي سخنين العربي، الذي يمثل الأقلية الفلسطينية، ظهره للنشيد الإسرائيلي، كما لوحظ رفع الأعلام الفلسطينية من قبل جماهير ليفربول خلال احتفالات فوز فريقهم بالدوري الإنجليزي الموسم السابق.
دوافع وسياقات
الأفعال السابقة كانت مجرد مثال، نقطة في بحر الدعم العالمي للقضية الفلسطينية، إذ يرى الكثيرون أن الرياضة بفضل شعبيتها تعد منصة شرعية وفعالة لجذب الانتباه، وبالتالي يمكن لجماهير كرة القدم أن تلفت الانتباه إلى الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، ما يضع الرياضة بأكملها في سياق حركات المقاومة المدنية.
خاصة بعد أن تجاوزت تلك الحالة مجرد الحملات الرمزية أو الكلام المعسول إلى الأفعال الملموسة مثل جمع التبرعات وتأسيس فرق كرة القدم لدعم الأطفال الفلسطينيين والمقاطعة.
وبالتالي فمن المتوقع أن يستمر هذا الحراك في النمو، مع تزايد الوعي بالقضية الفلسطينية في جميع أنحاء العالم، بعدما أثبت التاريخ أن صوت الجماهير سيبقى دومًا هو البطاقة الحمراء الأقوى في وجه الاحتلال، وأن الرواية التي تُكتب بدماء المظلومين وتضامن الأحرار، لا يمكن لخوارزمية أو سياسة أن تمحوها من الوجود، خاصة وأنه المنطق في أكثر صوره تجرُّدا؛ واسرائيل ليست الا كيانًا عسكريًا مُغتصِب وقاتل.