بين ذائقتين

بين ذائقتين

جورج توكر/ أمريكا

لقد جاءت الرسالة على شاكلة إضاءة، تلك التي تشبه تيار الوعي (Stream of consciousness) الحاضر بقوة في روايات أرنست همنغواي وفرجينيا وولف. لقد صار عقلي مسرحًا للإضاءات والظلال، كم كنتِ تتمايلين بينها بعشوائية جميلة: الخطى الواثقة الخفيفة، الذراعان الممتدتان بثبات والنفس التواقة إلى السماء... تريد انطلاقة.

لي كوخٌ أخبئه في عقلي يتوارى بين أحلامي الدافئات، أوقدتُ مدفأته منذ قدوم الشتاء، وأعددتُ لكِ كوب القهوة المُرّة التي تُحبين، سكبتُ فيه كل ما امتلكت، أو هكذا ظننت، ثم عكفتُ أنتظر وصولكِ على النافذة، كم ساعة مضت وأنا على حالي تلك؟ ساعة؟ اثنتان؟ خمس؟ لقد وردتني أخبار تقول "لقد ابتلع عمق الغابة الزائرة"، لم تظهرِ حتى الآن يا زائرتي المُجيدة لبلاغة الحب، حتى رجّحتُ موتكِ بين حوافر التقهقر والانهزام. نعم، لم أهبّ للنجدة، فأنا أمقت بشدة الجبناء.

المشروب الساخن قد بَرُد، لم أتخلص منه بعد، أبقيته هناك، فالمتأخرون يستحقون اللقاءات الباردة. تركتُ مكاني على النافذة وجلست أقلبُ الصفحات، هل تعرفين رواية "قصة مدينتين أو A Tale of Two Cities" لتشارلز ديكينز وعبقريته في رسم الخيوط بين المدينتين؟ لو كان حيًا أتظنين ينجح في رسم أي خيوط بيننا؟ الناس كالمُدن، لهم ملامح جميلة وأخرى بشعة، شوارع نظيفة وأخرى قذرة، قصصٌ كثيرة مُخبّأة، ولاعبون ما وراء السُتر يحركون كل شيء... كل الخيوط. المدينة الواحدة حمولةٌ من التناقض، فما ظنكِ بمدينتين؟

يا مدينتي المُعتمة المُشرقة في آن، إني قد جلستُ على مقعد من على الضفة الأخرى أُناظر معالمكِ المتناقضة، كم بدت مُشوّهة اليوم! رقصكِ الجميل استحال إلى خطوات عدائية، وهذه الجروح المُتقيحة على جسدك تحتاج إلى تطهير، لا زلتِ تنزفين ولا خيوط للجراح لدي. وفي هذا البُعد بين الضفتين سلامة وراحة. الجسور إليكِ قد انهارت وصرتِ الآن مدينة تسمى "وحدك."

أعود بعد رياضة التأمل تلك إلى كوخي أناظر كوبكِ، أسكب ما فيه وأُنظفه جيدًا، ثم... أملؤوه مرة أخرى في انتظار زائرتي الجديدة!

مُدهشٌ تتابع الزوار والتعاقب بين الأُلفة والاغتراب واختلاف الأذواق... فقهوة زائرتي هذه المرة حُلوة كالأمل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عيد الأعياد

كيس العجوز