بين دييغو جوتا و"بيليه الفلسطيني".. لماذا صمتت الملاعب؟
17 أغسطس 2025
بين نجمٍ رحل في حادث سير وآخر استُشهد وهو يبحث عن لقمة لأطفاله، ثمة فجوة أخلاقية في ردود فعل الملاعب العالمية. سليمان عبيد، "بيليه الفلسطيني"، لم يُمنح دقيقة صمت، بل واجه صمتًا مدويًا من مؤسسات الرياضة التي اختارت الحياد حين كان المطلوب موقفًا إنسانيًا.
في صباح السادس من آب/أغسطس، غادر سليمان عبيد خيمته في مخيم الكرامة جنوب غزة، متجهًا نحو خان يونس، بحثًا عن مساعدات غذائية لأطفاله الخمسة. لم يكن يرغب في الذهاب، فقد وصف لزوجته دعاء في رحلاته السابقة كيف كانت "الرصاصات تمر بجانب رأسه كالمطر". لكنه، ككثيرين في القطاع المحاصر، لم يكن يملك خيارًا آخر. الجوع لا ينتظر، والحرب لا ترحم.
السبب الأكيد لصمت الملاعب كان الجاني نفسه، ولو فرضنا أن الاحتلال الإسرائيلي هو من تسبب برحيل دييغو جوتا، لما تجرأ أحد في الملاعب الأوروبية على الوقوف دقيقة صمت من أجله
سليمان عبيد، الذي مثّل منتخب فلسطين في 24 مباراة دولية، كان يُعد من أعظم اللاعبين الذين أنجبتهم غزة. لقّب بـ"بيليه الفلسطيني" و"هنري"، نسبة إلى أسطورة أرسنال تييري هنري، الذي كان يشبهه في أسلوب اللعب. بدأ مسيرته في نادي شباب الشاطئ، ثم انتقل إلى مركز شباب الأمعري، حيث فاز بالدوري الفلسطيني عام 2011، قبل أن يعود إلى غزة ويصبح أسطورة محلية في نادي غزة الرياضي، متصدرًا قائمة الهدافين لثلاثة مواسم متتالية.
في أيلول/سبتمبر 2023، وقبل أسابيع من بداية حرب الإبادة الجماعية على غزة، قال عبيد: "لا أفكر في الاعتزال"، رغم بلوغه الثانية والأربعين. كان يستعد لمباراة حاسمة ضد فريق خدمات رفح، لكن حملة الإبادة أوقفت كل شيء، فلم يخض أي مباراة بعدها.
دُمّر منزله في الأسبوع الأول من العدوان، ولم يحتفظ سوى بسروال رياضي قديم. كتب على فيسبوك ناشرًا صورة له وسط الركام: "أتمنى لو لم أعد إلى غزة". وفي منشور آخر قال: "لا مشكلة أن نموت بالقصف، لكن أن نموت جوعًا؟ هذا حرام".
في رحلته الأخيرة، وصل عبيد إلى مركز توزيع المساعدات، جلس على الأرض ينتظر فتح المركز في التاسعة صباحًا. عند الساعة 8:15، بحسب رواية صديقه إبراهيم العمور، أسقطت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنبلة على المكان، فأُصيب عبيد بجروح قاتلة. حاول الحاضرون إنقاذه، لكن دون جدوى.

زوجته دعاء، أمضت تلك الليلة في المشرحة بجانبه. قالت لموقع "ميدل إيست آي": "لا يمكن وصف الألم حين رأيته ميتًا. كان ظهرنا، وحلمنا، والآن نحن بلا شيء". كانت تحتضن زيه الأزرق القديم، آخر ما تبقى منه.
وردًا على تغريدة محمد صلاح، التي تساءل فيها: "كيف مات؟ أين؟ ولماذا؟"، قال صديقه العمور: "لا أملك الجواب... الجواب عند الجيش الإسرائيلي".
وحسب موقع "ذا أثلتيك"، فالجيش الإسرائيلي نفى في بيانين متتاليين مسؤوليته عن الحادث، وزعم أنه لم يسجل أي نشاط في تلك المنطقة في ذلك اليوم. لكن شهادات أصدقاء عبيد وأفراد عائلته تتفق على رواية مقتله في القصف. الأمم المتحدة، من جهتها، أفادت بأن 1,373 فلسطينيًا قضوا أثناء محاولتهم الحصول على الطعام منذ 27 أيار/مايو.
مأساة عبيد ليست فردية. فبحسب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، استشهد 339 من أفراد مجتمع اللعبة، بينهم لاعبون ومدربون ومسؤولون، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. هذه الأرقام لا تظهر في نشرات الرياضة، ولا تُذكر في افتتاحيات الدوريات الأوروبية.
ردود الفعل الدولية كانت محدودة، الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) نشر بيانًا مقتضبًا: "وداعًا لسليمان عبيد، بيليه الفلسطيني. موهبة منحت الأمل للأطفال في أحلك الظروف". لكن البيان لم يذكر الاحتلال الإسرائيلي، ما دفع محمد صلاح إلى الرد، في خطوة نادرة من أحد أبرز نجوم اللعبة.
في المقابل، رفض الدوري الإنجليزي الممتاز اتخاذ أي موقف علني، رغم أنه سبق أن عبّر عن تضامنه مع أوكرانيا بعد الغزو الروسي عام 2022، حين ظهرت الأعلام الأوكرانية على الشاشات، وارتدى اللاعبون شارات دعم. وقال رئيسه التنفيذي، ريتشارد ماسترز: "لا توجد خطط لإصدار أي بيانات بشأن الوضع".
بعض اللاعبين حاولوا كسر الصمت. ارتدى لاعبو نادي بوهيميانز الإيرلندي قمصانًا تكريمية لعبيد قبل مباراتهم ضد سليغو روفرز. المدرب بيب غوارديولا سبق وقال في خطاب مؤثر: "ما نراه في غزة مؤلم. ليس عن أيديولوجيا، بل عن حب الحياة. الأطفال الذين يُقتلون اليوم قد يكونون أطفالنا غدًا".

لكن التعبير عن التضامن مع غزة يبقى محفوفًا بالمخاطر. فقد أُقيل اللاعب الهولندي مغربي الأصل أنور الغازي من نادي ماينز الألماني بعد منشور داعم لفلسطين، رغم أن محكمة ألمانية قضت لاحقًا بأنه "فُصل بشكل غير عادل". لكن وفي المقابل، وفي حالة نادرة جدًا، استجاب فريق فورتونا دوسلدورف لجماهيره، وألغى صفقة مع اللاعب الإسرائيلي شون فايسمان بسبب منشوراته المؤيدة للإبادة الجماعية.
وسط هذا الصمت، تبقى كلمات دعاء عبيد الأكثر صدقًا: "كان سليمان يحلم أن يأخذ أطفاله ويغادر غزة. الآن، لا أحد يستطيع مساعدتنا. حياتنا انتهت".
لماذا صمتت الملاعب؟
على الرغم من المبادرات النادرة، كان مشهد الصمت هو المسيطر في الملاعب العالمية، "بيليه الفلسطيني" وقضيته تستحق تعاطفًا لا يقل عما ناله الراحل دييغو جوتا، إنه نجم رياضي استشهد ببطن فارغ، كان يسعى لجلب بعض لقيمات لأطفاله الذين يتضورون جوعًا، وقتله الاحتلال الإسرائيلي، بينما توفي دييغو جوتا وشقيقه بحادث سير مأساوي، فلماذا تصمت المدرجات في قضية الشهيد الفلسطيني، وتكتفي بالوقوف دقيقة صمت من أجل الراحل جوتا؟
لأن الملاعب حين تُغلق أبوابها أمام الألم، تُصبح مجرد مساحات خضراء بلا روح. صمتت الملاعب لأن من فيها خاف أن يُتهم، أو يُفصل، أو يُساء فهمه. لأن التضامن مع غزة بات يُقرأ كاصطفاف سياسي، لا كصرخة إنسانية. لأن اللاعب الذي يرفع علم فلسطين قد يُعاقب، بينما من يرفع علم أوكرانيا يُحتفى به. لأن المؤسسات الرياضية الكبرى، من الدوري الإنجليزي إلى اليويفا، اختارت الحياد حين كان المطلوب اتخاذ موقف.
ربما صمتت الملاعب لأن سليمان عبيد لم يكن نجمًا في أوروبا، لم يكن يلعب في دوري الأبطال، بل في ملاعب مدمّرة، وسط الحصار. ربما صمتت لأنه لم يكن يملك منصة عالمية، بل كان يملك قلبًا، وأطفالًا، وحلمًا بأن يطعمهم، لكن السبب الأكيد لصمتهم كان الجاني نفسه، ولو فرضنا أن الاحتلال الإسرائيلي هو من تسبب برحيل دييغو جوتا، لما تجرأ أحد في الملاعب الأوروبية على الوقوف دقيقة صمت من أجله.
في بدايات الموسم الرياضي الحالي، وبينما تحصي غزة أعداد الشهداء كحدث يومي، سيصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا صمتت الملاعب، بل هل ستظل صامتة حين يُقتل لاعب آخر؟ حين يُدفن حلم آخر؟. الصمت في هذه اللحظة، ليس حيادًا، إنه مشاركة في القتل.






