ultracheck
  1. رياضة

بين تميمة نكونو وعلم النفس: هل يحكم السحر ملاعب أمم أفريقيا؟

21 ديسمبر 2025
كأس أمم أفريقيا 2025
أحد مشجعي منتخب غانا في النسخة السابقة من كأس أمم أفريقيا (جيتي)
محمود ليالي محمود ليالي

في السابع من شباط/فبراير عام 2002، كان ملعب "26 مارس" في العاصمة المالية "باماكو" يغلي كالنار الموقدة، الحدث: مباراة تجمع بين منتخب مالي، صاحب الأرض، وبين منتخب الكاميرون، في نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية، حيث كانت الأجواء مشتعلة للغاية، فلم تكن المباراة محصورة في الجوانب الفنية أو آمال الشعوب فقط، خاصة بعد أن سادت في شوارع باماكو، عاصمة مالي، شائعات تتحدث عن حرب من نوعٍ مختلف.

الصحافة المحلية والجمهور المالي كانوا مقتنعين بأن المارابوت، أو السحرة المحليين، قد أعدوا الملعب لضمان فوز أصحاب الأرض، في المقابل، كانت البعثة الكاميرونية تدرك تمامًا أنها تدخل إلى منطقة معادية تتخصص في السحر، أو ما يسمى بسحر الـ "جوجو" (jojo)، وبالتالي كانت الحساسية تجاه أي جسم غريب أو حركة مشبوهة في أقصى درجاتها، ولذلك فما حدث أثناء المباراة، كان أغرب من الخيال.

لحظة الانفجار

قبل انطلاق صافرة البداية بحوالي 90 دقيقة، نزل الطاقم الفني الكاميروني بقيادة الألماني وينفريد شايفر، ومساعده مدرب الحراس الأسطوري توماس نكونو، أحد أعظم حراس المرمى في تاريخ إفريقيا لتفقد أرضية الملعب، ووفقًا لروايات الشرطة المالية وشهود العيان، شُوهد نكونو وهو يسقط جسمًا غريبًا على العشب، يُعتقد أنه تميمة سحرية (Juju charm) تهدف لتحييد السحر المالي أو تعزيز حظوظ الكاميرون، وبالتالي كان رد فعل قوات الأمن المالية فوريًا وعنيفًا بشكل غير مسبوق في تاريخ الملاعب.

 ظلت التمائم والأرواح في نظر الملايين من مشجعي الكرة الأفريقية تمثّل لاعبًا خفيًّا لا يمكن طرده

حيث هاجمت مجموعة من قوات مكافحة الشغب، تقدر بحوالي 12 شرطيًا، الأسطورة نكونو، الصور التي التقطتها وكالات الأنباء ونقلتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ووكالات عالمية أظهرت نكونو وهو يُطرح أرضًا، ويُسحل بعنف على مضمار الجري المحيط بالملعب، وفي خضم التدافع، سَحب بنطاله للأسفل مظهرًا عورته للجمهور، في مشهد مهين لرجل بحجمه وتاريخه، ثم انتهى المشهد بوضع الأصفاد في يدي نكونو واقتياده كالمجرمين خارج الملعب، بينما كان المدرب شايفر يصرخ في الصحفيين لتوثيق اعتداء الشرطة.

بعدها ركض أحد ضباط الشرطة عائدًا إلى النقطة التي كان يقف فيها نكونو، والتقط الجسم الغريب، رافعًا إياه في الهواء كدليل مادي على الجريمة، ورغم الفوضى العارمة والتهديدات بالانسحاب من كلا الفريقين، إلا أن المباراة أُقيمت فعلًا، ويبدو أن الحادثة قد ولدت طاقة غضب هائلة لدى لاعبي الكاميرون، الذين دكوا شباك مالي بثلاثة أهداف نظيفة، سجلها سالومون أوليمبي (هدفين) ومارك فيفيان فوي.

بعد المباراة، تعامل الاتحاد الإفريقي مع الحادثة بارتباك شديد، في البداية، فُرضت عقوبة على نكونو لمدة عام بتهمة السلوك العدواني والاستفزازي، وهي صياغة حاولت القفز على السبب الحقيقي للحادثة، ألا وهو السحر، والتركيز على النتيجة، أي الشجار مع الشرطة، ورغم أن العقوبة قد رفعت بعد ذلك بفترة، إلا أن السؤال ظل قائمًا: لماذا لم يتعاطى الكاف مع الحادثة كما وقعت فعلًا؟ لماذا ركز على النتيجة، ولم يحلل السبب؟

أنطولوجيا السحر

حسنًا، الإجابة بسيطة، لأن الأمر أعقد من مجرد حادثة، والاصطدام معها يعني الاصطدام بموروث طويل وممتد، فحادثة نكونو لم تولد في الفراغ، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الحوادث التي شكلت الذاكرة الجمعية للبطولات الأفريقية، مثلًا: في ربع نهائي أمم افريقيا عام 2000 بين نيجيريا  والسنغال، انتشر اقتناع بين الجماهير والجهاز الفني النيجيري بأن حارس مرمى السنغال قام بوضع تميمة داخل مرماه لمنع الكرة من الدخول.

وقبل 15 دقيقة من النهاية، وبينما كانت النتيجة تشير إلى تقدم السنغال بهدف، قام كاشيماو لالوكو، المسؤول في الاتحاد النيجيري، فجأة باقتحام الملعب، ركض نحو مرمى السنغال، وانتزع جسمًا غريبًا من الشباك، مما أدى لاندلاع شجار بين اللاعبين، المثير للدهشة هو ما حدث بعد تطهير المرمى، حيث تغيرت نفسية اللاعبين والجماهير فورًا، سجل جوليوس أغاهوا هدف التعادل لنيجيريا، ثم أضاف هدف الفوز في الوقت الإضافي.

بالنسبة للمراقب الغربي، كانت مصادفة، أما بالنسبة للملايين في لاغوس، فقد كان ذلك دليلًا قاطعًا على فعالية السحر، والدليل أن الكاف عاقب لالوكو، لكنه أصبح بطلًا شعبيًا في نيجيريا، وهي ليست الحادثة الأولى التي يتجلى فيها التوفيق، ففي نسخة 2008، شوهدت جماهير منتخب غانا وهي تحمل أوانٍ من نوع خاص، تحتوي على أوراق وسوائل لطرد الشياطين، وفي الوقت نفسه كانت الكنائس تقيم صلوات تطهير للمنتخب، وكأن الأمر بسيط، ولا وجود لأي تعارض بين الدين، وبين تلك الممارسات الغريبة.

الغريب فعلًا أن تلك الخرافات والممارسات الغريبة، مثلما رفعت لالوكو إلى أعالي السماء، جعلت من لاعب غانا ديدي أيو أضحوكة بالنسبة للعالم بأسره، ففي نهائي كأس أمم افريقيا 2015 بين غانا وساحل العاج رصدت العدسات أيو وهو يقوم برش مادة بيضاء على أرضية الملعب بطقوس غريبة للغاية قبل بدء المباراة.

انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وفُسر على أنه محاولة لجلب الحظ أو التأثير على الخصم، المفارقة أن غانا خسرت النهائي بركلات الترجيح، مما فتح الباب لمناقشات ساخرة حول قوة سحر ساحل العاج مقارنة بسحر غانا.

قضية الاصطلاحات

انتظر لحظة، فليس معنى أن تلك الأفعال مجرد خرافات، أنها معدومة التأثير أيضًا، ولذلك يجب تفكيك بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، لماذا يلجأ لاعبون محترفون في أعتى الدوريات الأوروبية لمثل هذه الممارسات؟

ولكن، قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب أولًا تعريف بعض المصطلحات والمفاهيم، حيث يتميز السحر الافريقي بثلاثة مصطلحات هامة: أولًا الجوجو (Juju): وهو مصطلح غرب إفريقي يشير إلى استخدام التمائم والأشياء المادية مثل العظام، والمساحيق، والأعشاب المستخدمة للتأثير في العالم المادي وحماية الشخص أو إيذاء الخصم.

ثانيًا الموتي (Muti)، وهو مصطلح مستخدم في الجنوب الإفريقي، ويرتبط بالطب التقليدي ولكنه يمتد ليشمل استخدام أجزاء من الحيوانات، وأحيانًا البشر في بعض الحالات المتطرفة، لاكتساب القوة، وثالثًا المارابوت (Marabout)، المنتشر في شمال وغرب إفريقيا، والذي يشير إلى رجل دين أو معلم روحي يمزج بين النصوص الدينية والممارسات التقليدية لكتابة بعض الأحجبة للحماية من المس والعين.

كما تشير الأبحاث والتقارير إلى أن الممارسات تتخذ أشكالًا نمطية:

  1. الدفن: دفن عظام حيوانات أو بيض أو تمائم خلف خط المرمى أو في دائرة المنتصف للسيطرة على أرض المعركة.
  2. الاغتسال والدهن: عن طريق استخدام زيت الجوجو أو الاغتسال بمياه مقروء عليها أو مخلوطة بأعشاب لمنح اللاعب قوة بدنية أو إعماء بصيرة الخصم.
  3. الطقوس الدفاعية: مثل تجنب الدخول من الممرات الرسمية والقفز من فوق الأسوار، أو رفض استخدام غرف الملابس خوفًا من أن تكون قد لُغمت بالسحر والشعوذة.

تلك الممارسات، على الرغم من بساطتها، إلا أن تأثيرها كان، ولازال، عظيمًا على معظم الأندية والمنتخبات الأفريقية، فعلى سبيل المثال، كشفت تقارير صحفية أن الحكومة الإيفوارية اضطرت لتسوية ديون قديمة لسحرة ادعوا أنهم ساهموا في فوز المنتخب بلقب أمم افريقيا 1992، وأنهم لعنوا الفريق لعدم تلقيهم مستحقاتهم، وهو ما فَسر، حسب هذا المعتقد، فشل الجيل الذهبي لدروغبا في الفوز لسنوات طويلة.

المنشطات الروحية

من منظور علم النفس الرياضي، لا تكمن قوة الجوجو في قدرته الميتافيزيقية فقط، بل في تأثيره النفسي العميق أيضًا، فعندما يؤمن اللاعب بأنه محصن بفضل طقوس معينة، يرتفع مستوى ثقته بنفسه (Self-Efficacy)، حيث تشير دراسات أجريت على لاعبين غانيين إلى أن أولئك الذين يمارسون طقوسًا معينة يظهرون مستويات أقل من القلق ومستويات أعلى من الثقة، مما يؤدي فعليًا لأداء أفضل، أي أن السحر هنا يعمل كآلية تحكم ثانوي (Secondary Control) للتعامل مع حالة عدم اليقين التي تخامر اللاعب.

على الجانب الآخر، فالخوف من السحر يمكن أن يشل الفريق، ففي حادثة نيجيريا والسنغال 2000، كان اللاعبون النيجيريون مقتنعين بوجود سحر يمنعهم من التسجيل، ما أثر على تركيزهم ودقتهم، وبمجرد إزالته، زال الحاجز النفسي وتحرر أداؤهم وفازوا فعلًا، ما يعني أن السحر في كرة القدم الإفريقية ليس مجرد فلكلور عابر، بل هو نظام رمزي معقد يعكس المخاوف والآمال والرغبة في السيطرة على المجهول، خاصة وأن شهادات اللاعبين تكشف عن جانب مظلم لهذا الإيمان القوي أيضًا..

حيث وصف بيتر أوديموينغي، المهاجم النيجيري السابق، الأمر بأنه غسيل دماغ كامل، وروى كيف أخذه والديه وهو طفل مصاب بكسر في اليد إلى ساحر جوجو بدلًا من المستشفى، مما تسبب له بألم رهيب دون فائدة، كما أكد أن 70% من اللاعبين يؤمنون بتلك الأفعال، مما يخلق بيئة ضاغطة اجتماعيًا، وبالطبع فهذا الإيمان الدائم قد يسبب مشاكل خطيرة أيضًا، بل ويمكن له أن يمزق النسيج العائلي ويدمر الصحة النفسية للاعب، خاصة عندما نعرف أن النجم التوغولي، إيمانويل أديبايور، قد اتهم والدته وأخته بممارسة السحر ضده لإفشال مسيرته، مما أدى إلى القطيعة الكاملة، وطردهم من منزله.

كارثة عائلية حلت بلاعب كان شابًا، بسبب إيمانه الشديد بالسحر وبالخرافات والأفعال الغريبة، ولذلك، فلعل هذه المآسي الشخصية التي حطمت الروابط العائلية والشخصية لكبار النجوم، ليست إلا وجهًا آخر لنفس العملة التي تسببت في إهانة أسطورة بحجم نكونو، فالدافع واحد، والضحية في كلا الحالتين، هو المنطق.

الغريب أن الأصفاد التي وُضعت في يدي نكونو لم تنجح أبدًا في اعتقال الجوجو أو السحر نفسه، أو تغييب تلك المعتقدات الراسخة، فبينما غادر نكونو الملعب في ذلك اليوم كمتهم، ظلت التمائم والأرواح، في نظر الملايين، هي اللاعب الخفي الذي لا يمكن طرده أبدًا، ولذلك سيظل السؤال معلقًا مع كل ركلة بداية في أدغال إفريقيا: هل ما نراه هو مجرد صراع فني بين 22 لاعبًا، أم هو امتداد لتلك الأفكار القديمة؟ 

كلمات مفتاحية
دونالد ترامب

أوامر تنفيذية وتهديد بقطع التمويل.. ترامب يشدد قبضته على الرياضة الجامعية

أبرز ما في القرار كان لهجته الصارمة تجاه الجامعات، حيث لوح ترامب بإمكانية حرمان الجامعات المخالفة من المنح والعقود الفيدرالية.

منتخب العراق

نهاية سعيدة لرحلة شاقة.. أسود الرافدين آخر الواصلين إلى كأس العالم 2026

خاض العراقيون مشوارًا طويلًا جدًا للوصول إلى كأس العالم، حيث لعبوا 21 مباراة آخرها كان في المكسيك، والتي يبدو أنها تمثل فألًا حسنًا للكرة العراقية

صلاح

محمد صلاح يعلن رحيله.. عن الإرث الذي بناه الملك المصري في ليفربول

لا يمكن رصد مكانة محمد صلاح التاريخية داخل ليفربول دون مقارنته بعمالقة النادي مثل إيان راش، وكيني دالغليش، وستيفن جيرارد، ومع أول نظرة، ستجد أن صلاح يتميز عنهم جميعًا

بيروت
سياق متصل

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

لبنان
راصد

"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت

أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر

طهران
سياق متصل

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد

القمح
أعمال

مخاوف من "هدنة هشة" تدفع أسعار القمح إلى الارتفاع

أدى إعلان الهدنة بين إيران والولايات المتحدة إلى انخفاض أسعار القمح عالميًا، لكن العدوان الإسرائيلي على لبنان زاد المخاوف، فارتفعت أسعار الوقود وتأثرت بذلك أسعار القمح