بين "تفضيل الصفقة" والاستعداد للضربة: ماذا يكشف لقاء ترامب ونتنياهو؟
12 فبراير 2026
مرّ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهدوء لافت. لا مؤتمر صحافي، ولا تصريحات مشتركة، ولا حتى تغطية إعلامية واسعة لوصول نتنياهو إلى العاصمة الأميركية. هذه الأجواء بدت متناقضة مع ثقل الملفات المطروحة على الطاولة: إيران، غزة، والتطورات الإقليمية.
عقب اللقاء الذي استمر لثلاث ساعات، كتب ترامب على منصته "تروث سوشيال": "أنهيت اجتماعًا جيدًا جدًا مع نتنياهو، لكن لم يتم التوصل إلى أي شيء نهائي سوى أنني أصريت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان من الممكن إبرام اتفاق أم لا. أوضحت لرئيس الوزراء أنه إن أمكن ذلك، فسيكون خياري المفضل".
وأضاف الرئيس الأميركي: "إذا لم يكن ذلك ممكنًا، فسنرى ما ستكون النتيجة". وتابع: "في المرة الماضية، قرّرت إيران أنه من الأفضل عدم إبرام صفقة وانقلب الأمر ضدها"، في إشارة إلى الهجوم الأميركي على المفاعلات النووية الإيرانية في حزيران/يونيو من العام الماضي.
واختتم دونالد ترامب بتوجيه حديثه إلى الإيرانيين قائلًا: "دعونا نأمل أن يكونوا أكثر عقلانية هذه المرة".
من جهته، أكد بيان مقتضب لمكتب نتنياهو أن اللقاء تناول المفاوضات مع إيران، والوضع في غزة، والتطورات الإقليمية، مع تشديد رئيس الوزراء على "الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل"، واتفاق الطرفين على مواصلة التنسيق الوثيق.
عقب اللقاء الذي استمر لثلاث ساعات، كتب ترامب على منصته "تروث سوشيال": "أنهيت اجتماعًا جيدًا جدًا مع نتنياهو، لكن لم يتم التوصل إلى أي شيء نهائي سوى أنني أصريت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان من الممكن إبرام اتفاق أم لا
"مجلس سلام" أم "مجلس حرب"؟
اعتبرت صحيفة "يسرائيل" هيوم أن اللقاء، رغم اعتياد الرجلين على اجتماعات متكررة، لم يكن كغيره. فقبيل دخوله البيت الأبيض، وقّع نتنياهو على انضمامه إلى البيان المؤسس ل"مجلس السلام"، غير أن دبلوماسيًا غربيًا مطلعًا وصف اللقاء بأنه أقرب إلى اجتماع إضافي لـ"مجلس الحرب".
الصحيفة لفتت إلى أن غياب التغطية الإعلامية انسجم مع أجواء "باردة" في العاصمة واشنطن، لكن هذا البرود الخارجي لم يعكس، بحسبها، حرارة النقاشات في الداخل. وأشارت إلى أن البيت الأبيض تعمد إغلاق اللقاء أمام الإعلام، ضمن سياسة متواصلة لتجنب الخوض علنًا في الملف الإيراني "المتفجر حرفيًا ومجازيًا".
ثلاث سيناريوهات على الطاولة
وفق القراءة الإسرائيلية السائدة، لا يُنظر إلى المرحلة الحالية بوصفها مفترقًا بسيطًا بين الدبلوماسية والحرب، بل باعتبارها مساحة رمادية تتقاطع فيها المسارات الثلاثة المحتملة في آن واحد. فإمكانية التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران لا تُستبعد، لكن في تل أبيب ليست مسألة مبدأ بل مسألة مضمون. جوهر النقاش يدور حول ما إذا كان أي اتفاق مقبل سيقتصر على تقييد البرنامج النووي، أم سيمتد ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية وشبكة الأذرع الإقليمية. في هذا التفصيل تحديدًا تكمن حساسية الموقف الإسرائيلي، إذ تخشى دوائر أمنية أن تفضّل واشنطن صفقة سريعة تُغلق الملف النووي مرحليًا وتؤجل بقية القضايا، بينما ترى إسرائيل أن ترك هذه الملفات خارج إطار التسوية يعني تأجيل الانفجار لا منعه.
في المقابل، يتعزز في الكواليس احتمال أن تكون التحركات العسكرية الأميركية جزءًا من تموضع جدي لا مجرد ضغط تفاوضي. استعداد البنتاغون لإرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، ورفع مستوى الجاهزية، يُقرأ في إسرائيل بوصفه بناءً تدريجيًا لخيارات عملياتية قابلة للتنفيذ خلال فترة قصيرة إذا انهارت المفاوضات. وجود قوتين بحريتين كبيرتين في المنطقة لا يرمز فقط إلى الردع، بل يوسّع هامش المناورة في حال اتخاذ قرار بضربة واسعة تقودها الولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية استراتيجية. مثل هذا السيناريو يخفف العبء المباشر عن إسرائيل، لكنه يحمل مخاطر انزلاق إقليمي واسع إذا قررت طهران الرد عبر ساحات متعددة.
أما الاحتمال الثالث، وهو تنفيذ عملية إسرائيلية بضوء أخضر أميركي، فيبدو في نظر بعض المراقبين الأكثر انسجامًا مع نمط التنسيق القائم بين الطرفين. هذا النموذج يفترض أن تبادر إسرائيل إلى خطوة عسكرية محددة تستند إلى معلومات استخباراتية دقيقة، على أن تظل الولايات المتحدة في الخلفية سياسيًا وعسكريًا، قبل أن تنخرط بصورة أوسع إذا تطورت المواجهة. هنا تبرز أهمية ما أشار إليه المعلق الإسرائيلي عميت سيغال بشأن بلوغ مستوى التنسيق الأمني ذروته خلال الحرب الأخيرة، واستمرار تعمّقه بعد ذلك. فالتعاون الاستخباراتي–العملياتي، بحسب هذا التقدير، لم يعد تفصيلاً تقنيًا بل أصبح ركيزة في صياغة القرار نفسه.
كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وزارة الحرب الأميركية أصدرت أوامرها لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط تحسبًا لاحتمال فشل المفاوضات مع إيران
من هذا المنظور، لا يبدو لقاء ترامب ونتنياهو مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل حلقة في إدارة مرحلة حساسة تُصاغ فيها السيناريوهات على أساس معلومات وتقديرات مشتركة. الحديث لا يدور فقط حول إقناع سياسي أو تبادل رسائل علنية، بل حول حسابات تتصل بالجاهزية، وبطبيعة الرد الإيراني المحتمل، وبكيفية توزيع الأدوار إذا انتقلت الأزمة من مستوى التهديد إلى مستوى التنفيذ. وهكذا، تتداخل المسارات الثلاثة: التفاوض مدعومًا بالقوة، والقوة المستخدمة لتحسين شروط التفاوض، والاحتمال الدائم بأن يتحول الضغط المتبادل إلى مواجهة فعلية إذا استُنفدت البدائل.
البنتاغون يرفع الجاهزية: حاملة ثانية في الطريق؟
في موازاة المسار السياسي، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وزارة الحرب الأميركية أصدرت أوامرها لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط تحسبًا لاحتمال فشل المفاوضات مع إيران.
وبحسب ثلاثة مسؤولين أميركيين، فإن الحاملة الثانية قد تنضم إلى حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن" الموجودة بالفعل في المنطقة. ويجري الحديث أن "البنتاغون" يُجهّز حاملة الطائرات "يو أس أس جورج أتش دبليو بوش"، التي تُجري حاليًا سلسلة من التدريبات قبالة سواحل ولاية فرجينيا.
بشار إلى أن الرئيس الأميركي قال إنه يدرس إرسال حاملة ثانية "إذا فشلت المفاوضات"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه "لا توجد عجلة"، وأن هناك "محادثات جيدة جدًا" مع إيران. غير أن نشر حاملتين في المنطقة، وهو أمر لم يحدث منذ نحو عام، يحمل دلالات واضحة على رفع مستوى الردع.
كما أشارت تقارير إلى أن ترامب طلب من الجيش خيارات "أكثر حسمًا" بعد تراجعه سابقًا عن مهاجمة إيران في أعقاب عمليات قمع رافقت الاحتجاجات داخل إيران.