بين براميل النفط وأمن المياه.. التحدي الاستراتيجي الأهم لدول الخليج
5 مارس 2026
في خضم العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من ردّ تضمن اعتداءات إيرانية على بلدان الجوار، انصبّ تركيز الأسواق العالمية على النفط وأسعاره واحتمالات اضطراب الإمدادات عبر الممرات البحرية.
غير أن تحليلًا نشره الكاتب خافيير بلاز في موقع "بلومبيرغ" طرح مقاربة مختلفة، مفادها أن المورد الأكثر حساسية في هذا الصراع ليس النفط، بل المياه الصالحة للشرب، التي تمثل شريان الحياة لدول الخليج.
فالمنطقة الواقعة على ضفاف الخليج العربي تُعد من أغنى مناطق العالم بالهيدروكربونات، لكنها في الوقت نفسه من أكثر المناطق فقرًا في الموارد المائية الطبيعية. هذا التناقض دفع دول الخليج، منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى استثمار عائدات النفط في بناء منظومة واسعة من محطات تحلية مياه البحر، التي أصبحت اليوم المصدر الأساسي لمياه الشرب لملايين السكان. ومع تسارع النمو السكاني والتوسع العمراني، تعمّق الاعتماد على هذه التقنية إلى درجة باتت فيها المدن الكبرى تعتمد عليها شبه كليًا لتأمين احتياجاتها اليومية.
غير أن هذا الاعتماد خلق هشاشة استراتيجية عميقة وفق الكاتب، فالمياه مورد لا يمكن تخزينه لفترات طويلة بكميات تكفي المدن الضخمة، كما أن إنتاجها مرتبط بتشغيل يومي مستمر لمحطات التحلية، وأي تعطّل مفاجئ قد يتحول سريعًا إلى أزمة إنسانية، خصوصًا في بيئة صحراوية تفتقر إلى مصادر بديلة.
نقطة القوة التقليدية لدول الخليج، والمتمثلة في ثروتها النفطية، تخفي وراءها نقطة ضعف كامنة تتعلق بأمن المياه
هذه المخاطر ليست جديدة، إذ أشارت تقييمات صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية منذ عقود إلى أن بعض المسؤولين الخليجيين يعتبرون المياه أهم من النفط في حسابات الأمن الوطني، لأن النفط يمكن تعويضه أو إعادة توجيهه في الأسواق العالمية، بينما الماء مرتبط مباشرة ببقاء السكان واستمرار مؤسسات الدولة.
وحسب "بلومبيرغ"، ففي السعودية تتجلى هذه المعادلة بوضوح، العاصمة الرياض، الواقعة في قلب الصحراء، تعتمد بشكل رئيسي على المياه المنقولة عبر شبكة أنابيب طويلة من منشآت التحلية الساحلية في المنطقة الشرقية، ولا سيما في الجبيل.
وحذرت تقارير دبلوماسية أميركية سابقة من أن أي ضرر كبير يصيب هذه المنشآت أو شبكات النقل قد يؤدي إلى أزمة خلال أيام قليلة، نظرًا لارتفاع الطلب اليومي وغياب المصادر الطبيعية البديلة. ورغم أن الرياض عملت خلال السنوات الماضية على تعزيز قدراتها التخزينية وتطوير بنيتها التحتية، فإن الطبيعة الجغرافية تجعل النظام المائي بطبيعته عرضة للمخاطر في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق.
وفي سياق الحرب الجارية، تبدو الخيارات العسكرية التقليدية أمام طهران محدودة مقارنة بالتفوق الأميركي، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات غير متكافئة قد تركز على استهداف البنية التحتية الحيوية بدل المواجهة المباشرة.
ومن بين هذه الأهداف المحتملة منشآت الطاقة والمطارات ومحطات التحلية. خطورة هذا السيناريو تكمن في أن استهداف منشآت المياه لا يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل يمتد فورًا إلى الداخل، حيث يمكن لأي انقطاع أن يخلق ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا على الحكومات المعنية.
وتزداد حساسية الوضع لأن محطات التحلية نفسها تعتمد على الطاقة لتشغيلها، ما يعني أن استهداف شبكات الكهرباء أو منشآت الوقود قد يؤدي عمليًا إلى تعطيل إنتاج المياه حتى من دون ضرب المحطات مباشرة. وهكذا يتداخل أمن المياه مع أمن الطاقة في معادلة واحدة، بحيث يمكن لضربة دقيقة أن تضرب النظامين معًا وتضاعف التأثير.
حتى الآن، تنظر الأسواق إلى الصراع من زاوية النفط وأسعاره، لكن الحرب الحالية قد تعيد تعريف مفهوم المورد الاستراتيجي في المنطقة. فالنفط، رغم أهميته كسلعة عالمية يمكن تعويضها من مصادر أخرى، بينما المياه المحلاة إنتاج محلي يومي لا يحتمل الانقطاع. وأي تصعيد يستهدف هذا المورد سيحمل كلفة إنسانية وسياسية ضخمة، وقد يُعد تجاوزًا لخطوط حمراء حساسة.
وحسب "بلومبيرغ"، فإن نقطة القوة التقليدية لدول الخليج، والمتمثلة في ثروتها النفطية، تخفي وراءها نقطة ضعف كامنة تتعلق بأمن المياه.