بين اليسار واليمين

بين اليسار واليمين

غرافيتي عن الحرية (flickr)

لنا جعفر زيد الغانم

الصراعات بين اليسار واليمين قديمةٌ قِدَم النزوع البشري وتذبذبه؛ فعندما يرى أحدنا توجهين أو صراعين فأنه سيميل ببساطة لإحدى الجبهتين، وكما يقال "الوقوف لا يُجمِع"، بمعنى أن انخراطك سيجعلك رغمًا عنك تقف في جبهة ضد الجبهة الأخرى حتى وإن كنت غير متحزب!

اليمين واليسار فكرة ما قبل سياسية أخذت تتشكل سياسيًا وتحشرُ نفسها في سياقاتٌ عدة

مبدئيًا فكرة اليمين واليسار هي فكرة ما قبل سياسية، فكرة متأصلة فينا، حتى وإن لم تكن ضمن هذا الجذر الإصطلاحي السياسي للعبارة أي تحت مسمى (اليمين واليسار). والميثيولوجيا الدينية الإبراهيمية وغيرها، وحتى الأرضية، مملوءةٌ بمثل هذا التصارعات بين المحافظ والمنفلت الملتزم والمنحل. 

اقرأ/ي أيضًا: في ثقافة الناس

في بروتوكول المحاكم، المدعي صاحب الحق الملتزم الذي تم الاعتداء عليه نحو اليمين والمُدعى عليه الذي خالف القانون لجناية أو جنحة أو جريمة إلى جهة اليسار؛ بالتأكيد أفكار اليسار ليست غير قانونية لكن المقصود من هذا هو أن التحرر من النظم وسطوة وتسلط الدولة تماثل التحرر وعدم الانقياد نحو ناموس معين؛ لعل هذه مجرد انطباعات أو مصادفات قد تكون سعيدة أو غير سعيدة! لكن المهم هو أن هذا التقسيم صار يداعبُ خيالات الفنانين والرسامين ومن قبلهم حتى الانبياء!

من الممكن في كل سياق تجد هذه الفكرة التي استطاعات أن تتلون وتتذبذب حسب نوع المحيط الذي انخرطت فيه، فمرة تكون ذات طابع إيجابي، وأخرى تكون ذات طابع سلبي.

اليمين واليسار فكرة ما قبل سياسية أخذت تتشكل سياسيًا وتحشرُ نفسها في سياقاتٌ عدة. لكنها ليست بهذا الفصل فالتيارات والاتجاهات تكون حسب تبيئتها ومحيطها وظروف نشئتها وتشذيبها، فهي تتمظهر حسب اللحظات الانعطافية؛ هناك افكارٌ يمينية نادى بها اليسار يومًا، وأفكارٌ يسارية كانت يمينية في يومٍ من الأيام، هي مسألة ذات طابع شعبوي في توجهها لأنها تستهدف الجموع، لكن ميكانيزم تحركاتها ورسمها والتخطيط لها نخبوي بإمتياز، أو كما يعبر عنها تشومسكي عن صناعة الإجماع واكتساب الرأي العام بـ"ديمقراطية المشاهد"، فالمشاهدون وهم هنا الشعب ديمقراطيون لكن دمقرطتهم لا تخرجهم من كونهم مشاهدين، مشاهدين فقط، يقبلون أو يمتعضون مما هو مقدمٌ لهم، وهم أحرار في التعبير عن درجة امتعاضهم وسخطهم، الى هنا تقف خياراتهم، هم غير أحرار في اختيار خياراتهم حتى يختاروا، بل هم مخيّرون بين ما يُراد لهم أن يختاروا.

هي توجهاتٌ حركية مدججة بالأفكار لا منظومات فكرية مكتملة ومتسقة مع نفسها؛ تضم مجموعة من الأفكار القابلة للتغيير حتى لو كان هذا التغير مدعاة للوقوع في التناقض!

ولكون فكرة اليمين واليسار فكرة عمومية فهي تكاد تخسر قوتها التداولية، والسبب يعود في شمولها لكل شيء، فهي لا ترفض ما يحشرُ فيها، من الممكن أن تكون على أي منظومة فكرية وتتقاطع مع أي توجه؛ وقد تضيف لهذا التوجه وتسقط ذلك الاتجاه.

من هنا أصبح هذان المترادفان ملتصقان بكل المنظومات، وأصبحت الأفكار الأصلية في الثقافات المختلفة متبوعة بمصطلح خارجي يرجع لهذين المترادفين، وتشملُ معها عُجَر وبُجَر شمولية المصطلح في الثقافات المختلفة؛ وهنا أيضًا ممكن أن نستشف عيوب المفهوم عندما يكون جذريًا، فهو ينمو وينبت في كل أرضية يُزرع فيها، فيكون كل شيء ولكن في المفاهيم الذي يكونُ كلَّ شيء هو واللاشيء على حد سواء، ويخرج المفهوم من دائرة العلموية لانه يستقبل ولا يُفصِلُّ.

فكرة اليمين واليسار فكرة عمومية، والسبب يعود في شمولها لكل شيء، فهي لا ترفض ما يحشرُ فيها، من الممكن أن تكون على أي منظومة فكرية وتتقاطع مع أي توجه

لكن في عالم اليوم أصبح الأمر مختلفًا بعض الشيء، وفي تجربتنا الخاصة نستخلص دائمًا الحقائق المؤكدة ونبرهن على صدقها بما يحدث لنا؛ تصبح الأحكام كلها ذاتية، وبكلمة أخرى، لا يعود هناك تاريخ؛ بل مجرد حكم، وهو ما يلزم على كل عقل أن يعرف بنفسه الدرس كاملًا، عليه أن يقطع المسافة كلها بنفسه.

اقرأ/ي أيضًا: هل العلمانية كافية لمواجهة الطائفية في لبنان؟

لكن موجة يمينية تجتاح العالم، وما نشهده من نقد لليسار الثقافي والهجوم عليه، قد أوضح أمرًا واحدًا، هو أننا لا نكسب شيئًا عندما نتصدى له، وغالبًا ما نكون غير صادقين للمهمة التي نتظاهر بها.

مرة أخرى يُكرر في الاحتجاج الذي يطلقة كل شخص عاقل ضد سياسات الهوية لليسار دور المصلح.

لا شك أن اهتمام اليسار الثقافي قد توجه إلى الدفاع عن الحريات وهو الذي ساهم بصعود اليمين، لكن أليس من الجيد الدفاع عن الهويات الأقلية؟ وهل يعتبر هذا الدعم ترويج للمثلية والنسوية؟ يمكن أن نتبع نفس النقد مع وجود هذه الجلبة من الآراء والجدل ضد الجهود المبذولة من أجل الهويات التي تجاوزت في تفاصيلها كل ما عرفناه سابقًا. فيكون الموضوع في مثل هذه الحالة ليس مجرد أمر كمي، أي أنه يتصل بزيادة عدد الأشخاص الذين يدعمون سياسات الهوية الثقافية، بل هو أمر كيفي. ومن الشائع أن مشكلة العلاقة بين الترويج والثقافة هي أعمق المشاكل، وأكثرها تعقيدًا في الوقت الحاضر، وإذا صدق المعارضون في قولهم إن اليسار الثقافي هو السبب بتضخيم الأفكار وانحدار المجتمع، فإن هذه المشكلة ستغدو عامة، ولن تقتصر على اليسار، وأن كان اليسار أول من يعاني منها. وسوف تثير قضايا ذات أهمية فلسفية. ويتخذ موضوع العلاقة بين الترويج والثقافة أهميته الحيوية في هذا الموضوع، وستكون الشعارات الإنسانية التي تفصل الإنسان الحاضر عن ماضيه وهمًا، وسيعيد ما سبق أن حدث عدة مرات وبصورة عرضية في الماضي. وسيتجه في البداية إلى الماضي، في طلب التوجيه لعدم خلق نخبة ثقافية، والإبقاء على الأفكار البدائية ذاتها. وسنظطر إلى مواجهة مسألة إذا ما كان الإنسان قادر على العيش بدون الثقافة! وكيف يمكن للإنسان أن يبقى على ما هو عليه. وهذا الأمر لا يفرض بدافع الإنسانية كما في الثقافة، بل تكون خاتمة ضرورية للاعتقاد الفكري، أننا مهددون لتترويج أفكارنا وانتزاع فهمها الأول.

يحكم الكثير من أتباع الفكر اليميني الثقافي على الأفكار اليسارية على ضوء ازدواجية الترويج والمساهمة في انعدام أخلاقيات المجتمع، ويستنكرون أولية وجوب الوصول إلى مجتمع يناسب ما توصل إليه من أفكار. لكنهم، في رأينا، يفشلون برؤية عمق ومدى مشكلتنا التي هي مشكلة جعل الأفكار الثقافية أداة فعالة لاكتساب المال، ويشتغل الكثير من أتباع اليمين الثقافي في الوضع الحاضر لإسقاط اليسار الثقافي. التقسيط حل لأخذ مكان الآخر، إلا أنهم يقعون بالخطأ ذاته. ترويج الأفكار اليسارية، يشكل طرازًا يشبه معارضة اليمين الثقافي للافكار اليسارية .إذا كنا قد أكثرنا التأكيد على لا أهمية باسقاط الأفكار اليسارية ولا حتى اليمينة، لأنه في مجتمع تزعمه قادة عسكريون، وسياسيون من الاتجاهين، ليس هناك شك في أنهم قد قاموا حتمًا بالكثير من أجل الوصول إلى هذه الحالة من النزاع الفكري الثقافي.

وينبغي التدليل في النهاية على نقطة معينة وهي أن عمومية الصراع تؤدي إلى ضيقٌ في فهم المفهوم، فلو انجرفنا إلى تعميم المصطلح ومقاربته مقاربةً عامة، فأننا سنقع كما وقع الكثيرين في سوءٍ فهم الوقائع التأريخية، ولأصالة كل مجتمع وخصوصيته، بل سنعمل على طمس هذا التمايز، فلا ينبغي أن تكون المشتركات العامة بين حركات اليمين وحركات اليسار أن تُلغي يمينية التمايز ويسارية التمايز في كل مجتمع.

 إن اليسار واليمين ولطبيعتهما الوشائجية وقدرتهما على التحلل يمكنها أن تكون الشيء وضده

بالطبع عندما نذكر أن اليمين واليسار لها ما يميزها بالتأكيد وإننا بهذا لا ننفي ما يجمعها، فهنالك مشتركاتٌ وأواصر وميلٌ عام، لكن هذا التعميم ممكن أن يسقطنا في مأزق التسطيح، لان حتى الأعراف من الممكن أن تكون لاعبةً دورًا بارزًا في تحويل موقف في مجتمع ما يُرى بأنه موقف يميني محافظ بينما في مجتمع آخر، يكون هذا العمل -وهو ذاته وعينه- عملٌ غير محافظ، فعلينا أن نتوخى الحذر ونمارس عملية المقاربة بدقة، لان الإفراط أو التفريط يوقعنا في عدم صوابية في الرأي.

اقرأ/ي أيضًا: في نقد فحولة الرجل الأسمر

وهنا نقول إن اليسار واليمين ولطبيعتهما الوشائجية وقدرتهما على التحلل يمكنها أن تكون الشيء وضده، وهذا الكلام هنا عن المواقف من قضايا اجتماعية متداولة وليس الحديث عن سياسات اقتصادية أو كيفية التعامل مع الوافد "الأجنبي"، فهذه من جملة الأمور المتفق عليها بين جميع اليمنيين، أو حقوق المثليين والمهاجرين عند اليسار وإن لا نحاول أن نؤكد تأكيد دوغمائي هنا في هذا الفَصِلّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحب في بلاد الخوف

نيكي ميناج الأكثر انسجامًا مع ذاتها من مضيفيها