بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى
11 فبراير 2026
يشهد القطاع الطبي موجة متسارعة من دخول تطبيقات وروبوتات الذكاء الاصطناعي إلى حياة المرضى اليومية، في تطور يَعِدُ بتسهيل الوصول إلى المعلومات الصحية، لكنه في الوقت نفسه يثير قلقًا متزايدًا لدى الأطباء والجهات التنظيمية، وسط مخاوف من معلومات غير دقيقة قد تقود إلى هلع غير مبرر أو قرارات صحية خطيرة.
فبعد أن غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة في مجالات مثل البرمجة والقانون والترفيه والتعليم، بات اليوم لاعبًا مؤثرًا في الطب، حيث يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات" ونصائح طبية، غالبًا دون إشراف مختص.
قصة مريض تكشف الخطر
وفي تحقيق وكالة "رويترز"، يروي الطبيب المقيم التركي الدكتور جِم أكصوي، العامل في مستشفى بأنقرة، تجربة صادمة مع أحد مرضاه، وهو شاب يبلغ من العمر 18 عامًا شُخّص بورم سرطاني في ساقه اليسرى. بعد التشخيص، لجأ المريض وعائلته إلى روبوت الدردشة ChatGPT، الذي أخبرهم بأن فرص نجاته قد لا تتجاوز خمس سنوات.
يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار
لكن هذه المعلومة كانت خاطئة تمامًا. فبعد عملية جراحية ناجحة في تموز/يوليو، تمكّن جرّاح تجميل من استئصال الورم بالكامل، ليُشفى المريض فعليًا. ورغم ذلك، لم تنتهِ معاناة الشاب مع الذكاء الاصطناعي عند هذا الحد.
بعد أسابيع، اتصل المريض بطبيبه وهو في حالة انهيار نفسي، بعدما أخبره ChatGPT أن السعال الذي يعاني منه قد يكون دليلًا على انتقال السرطان إلى رئتيه، وأن عليه الاستعداد لكتابة وصيته. وبعد الفحوصات، تبيّن أن رئتَيْه سليمتان، وأن السعال سببه البدء مؤخرًا بالتدخين.
يعلّق أكصوي قائلًا: "عندما يكون الشخص في حالة قلق وضياع، فإن روبوتات الدردشة تجرّه إلى غابة من المعرفة بلا سياق واضح أو توجيه طبي سليم".
من جهتها، قالت شركة OpenAI إن نماذجها الأحدث أصبحت أكثر دقة في التعامل مع الأسئلة الصحية، مؤكدة أن ChatGPT ليس بديلًا عن الاستشارة الطبية المتخصصة، وأنه غير مصمم لتقديم تشخيصات أو قرارات علاجية.
"كن طبيب نفسك".. شعارات مثيرة للجدل
إلى جانب روبوتات المحادثة العامة، تنتشر على متاجر تطبيقات "آبل" و"غوغل" عشرات التطبيقات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تزعم مساعدة المرضى في فهم أعراضهم الصحية، رغم أنها غير مخوّلة بتقديم تشخيصات من الناحية القانونية.
وبحسب إرشادات إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، لا تحتاج هذه التطبيقات إلى موافقة رسمية طالما أنها موجّهة للتثقيف الصحي فقط، ولا تُستخدم لتشخيص الأمراض. إلا أن بعض المطورين، وفق تحقيقات صحفية، يدفعون بهذه الحدود إلى أقصاها.
تطبيق "Eureka Health: AI Doctor"، على سبيل المثال، كان يقدّم نفسه باعتباره "رفيقك الصحي الشامل"، مع تنويه شكلي بأنه "لأغراض معلوماتية فقط". لكن موقعه الإلكتروني روّج له بشعار صريح: "كن طبيب نفسك"، مع عبارات مثل: "اسأل، شخّص، عالِج".
وبعد استفسارات صحفية، قامت شركة آبل بإزالة التطبيق من متجرها، مشيرة إلى أن التطبيقات الطبية يجب أن توضح بجلاء مصادر بياناتها ومنهجياتها لضمان دقة الادعاءات.
تشخيصات خاطئة وخطر حقيقي
في حالات أخرى، قدّمت بعض التطبيقات نصائح ونتائج وُصفت بأنها "مضللة وخطيرة". تطبيق "AI Dermatologist: Skin Scanner" يدّعي امتلاك أكثر من 940 ألف مستخدم، ويؤكد أن دقته تضاهي دقة أطباء الجلدية، مع نسبة نجاح تتجاوز 97%.
لكن التطبيق تلقى مئات التقييمات السلبية، حيث اشتكى مستخدمون من نتائج غير دقيقة. دانيال ثيبرج، محلل دعم تقني في ولاية نيوجيرسي، قال إنه صوّر نموًا جلديًا بسيطًا على ذراعه، فجاءت ستة من أصل سبعة تحليلات تؤكد وجود خطر سرطاني مرتفع. وعند مراجعته طبيب جلدية، تبيّن أن الحالة غير مقلقة ولا تستدعي خزعة.
وفي مراجعة أخرى، قالت مستخدمة إنها اختبرت التطبيق بصور لورم ميلانوما كانت قد أُزيلت جراحيًا سابقًا، إلا أن التطبيق صنّف الحالة على أنها "حميدة"، ما دفعها للتحذير من أن "بعض الناس قد يثقون به ويؤجلون زيارة الطبيب".
معركة تنظيمية
بعد هذه الشكاوى، أزالت "آبل" و"غوغل" التطبيق من متاجرهما، قبل أن تعيده "غوغل" لاحقًا بعد تعديلات قالت الشركة المطوّرة إنها توضّح أن التطبيق ليس جهازًا طبيًا ولا يقدّم تشخيصًا. أما "آبل" فأعادت التطبيق مؤقتًا ثم أزالته مجددًا، معتبرة أنه يقدّم بيانات وتشخيصات طبية دون تصاريح تنظيمية مناسبة.
وتحذّر الدكتورة رايتشل درايلوس، وهي طبيبة وعالمة حاسوب ومتخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي، من خطورة هذه التطبيقات، خصوصًا في مجال الأمراض الجلدية. وتقول: "تشخيص أمراض الجلد معقّد للغاية، وهناك آلاف الحالات المختلفة. من المستحيل أن تمتلك هذه التطبيقات قواعد بيانات تغطي كل هذا التنوع".