بين المصالحة والوصاية.. خريطة الطريق الثلاثية في السويداء تحت اختبار التنفيذ
17 سبتمبر 2025
وقّعت سوريا والأردن والولايات المتحدة خريطة طريق لمعالجة أحداث السويداء، بعد أسابيع من مواجهات دامية لم تقف عند حدود الفوضى الأمنية، بل فتحت الباب أمام شرخ اجتماعي عميق، وتغذية خطاب الكراهية، وطرح سيناريوهات الانفصال كخيار متداول.
وضع هذا الانزلاق الخطير المحافظة في منطقة مظلمة تهدد نسيجها الداخلي ووحدة البلاد، ما جعل احتواء هذه الأزمة يتجاوز الإطار المحلي لتصبح تحديًا وطنيًا وإقليميًا في آن.
ويهدف الاتفاق إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان تدفق المساعدات، وإعادة الخدمات، وإطلاق مسار مصالحة محلية، مع آلية متابعة مشتركة.
ولاحقًا، أوضحت وزارة الخارجية السورية أن خريطة الطريق لا تقتصر على معالجة أحداث السويداء، بل تمتد لتشمل بعدًا إقليميًا، إذ تنص على أن تعمل الولايات المتحدة، بالتشاور مع دمشق وبدعم أردني، على التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل تخص الجنوب السوري.
وأكدت الخارجية أن هذه التفاهمات ستُبنى على معالجة "الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل"، مع التشديد في الوقت نفسه على احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها.
خلفية الأزمة
شهدت محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025 اشتباكات مسلّحة دامية بين مجموعات درزية محلية وعشائر بدوية استمرّت لأكثر من أسبوع، وأسفرت عن مئات القتلى وأحدثت صدمة في الداخل السوري. وامتدّت المواجهات إلى اعتداءات على الممتلكات وقطع طرق رئيسية، وسط عجز الدولة عن فرض النظام وتصاعد المخاوف من انزلاق الجنوب نحو فوضى شاملة، فيما زاد من تعقيد المشهد دخول إسرائيل على خط الأحداث.
دفع هذا الوضع الأردن والولايات المتحدة إلى التدخل المباشر خشية انتقال عدم الاستقرار إلى الحدود الأردنية أو استغلال إسرائيل للفراغ الأمني. وجاءت الوساطة بعد اجتماعات في عمّان والدوحة خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين، أفضت إلى صياغة خريطة الطريق.
مضمون الاتفاق
تقوم الخطة على سبع خطوات أساسية:
- محاسبة المعتدين: التحقيق في كل الانتهاكات التي طالت المدنيين وممتلكاتهم، بالتنسيق الكامل مع المنظومة الأممية.
- ضمان المساعدات: استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة من دون انقطاع.
- تعويض المتضررين: ترميم القرى والبلدات المتضررة وتسهيل عودة النازحين.
- إعادة الخدمات الأساسية: تأمين الكهرباء والمياه والبنية التحتية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية.
- تعزيز الأمن المحلي: نشر قوات محلية مدرّبة تابعة لوزارة الداخلية على الطرق الرئيسية لتأمين حركة الناس والتجارة.
- كشف مصير المفقودين: إعادة المحتجزين والمخطوفين إلى عائلاتهم من جميع الأطراف.
- المصالحة الداخلية: إطلاق مسار للمصالحة يشارك فيه أبناء السويداء بمختلف مكوناتهم.
الهجري يرفض الخريطة
في المقابل، أصدرت اللجنة القانونية العليا في السويداء، المشكلة بقرار من أحد شيوخ العقل الثلاثة لطائفة الموحّدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري، بيانًا ردّت فيه على ما سُمّي "خريطة الطريق لحل أزمة السويداء"، ووصفت البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية السورية بأنه "متناقض ومضلل".
شهدت السويداء، في يوليو/تموز 2025، اشتباكات مسلحة استمرت أسبوعًا بين مجموعات درزية محلية وعشائر بدوية، خلّفت مئات القتلى وأحدثت صدمة في الداخل السوري
ورأت اللجنة أن الدعوة إلى لجنة تحقيق دولية تتناقض مع الإصرار على المحاسبة وفق القانون السوري، مشيرة إلى أن القضاء المحلي "يفتقر للشرعية والاستقلال" ولا يمكن الاعتماد عليه للفصل في قضايا الانتهاكات. واتهمت الحكومة السورية وأجهزتها بأنها طرف مباشر في الجرائم التي وقعت، معتبرة أن تصويرها كـ"وسيط محايد" يكرّس الإفلات من العقاب.
كما رفضت اللجنة ما ورد في الخطة بشأن تشكيل مجالس محلية أو قوى أمنية مشتركة، واعتبرته محاولة لإعادة إنتاج السلطة المركزية عبر أدوات فقدت شرعيتها.
وشدّد البيان على أن ما تعرّضت له المحافظة من تهميش وجرائم يمنح أبناءها "حقًا قانونيًا وأخلاقيًا في تقرير مصيرهم"، سواء من خلال إدارة ذاتية أو عبر خيار الانفصال باعتباره "الخيار الأخير لضمان الأمن والكرامة والوجود".
الموقف الإسرائيلي
أبرز ما يثير الجدل في الاتفاق هو موقع إسرائيل منه، كونها رسمت محددين في تعاملها مع أزمة الجنوب السوري، الأول تحويل المنطقة الممتدة من الجولان حتى السويداء إلى منطقة منزوعة السلاح، والثاني التلويح بـ"حماية الدروز" كأداة سياسية داخلية يستثمرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتعزيز موقعه.
وكانت إسرائيل قد تدخلت عسكريًا خلال الأزمة عبر غارات على مواقع سورية في دمشق، وهو ما أثار المخاوف من أن تتحول خريطة الطريق إلى مجرد غطاء لإعادة ترتيب الجنوب بما يراعي المصالح الإسرائيلية. لذلك يظل نجاح الاتفاق مرتبطًا بقدرة واشنطن والأردن على توفير ضمانات تمنع إسرائيل من عرقلته أو استخدامه لفرض وقائع جديدة على الأرض.
المواقف الإقليمية
رحبت كل من قطر والسعودية والكويت بالاتفاق، معتبرة أنه يعزز الاستقرار في جنوب سوريا ويمثل خطوة مهمة نحو بناء مستقبل جديد للبلاد.
هذا الترحيب يعكس دعمًا عربيًا أوسع للحكومة السورية الجديدة، ويؤشر إلى رغبة إقليمية في منع تفاقم الفوضى.
نجاح الاتفاق مرهون بالداخل قبل الخارج
تعكس خريطة الطريق الثلاثية توافقًا على منع انزلاق الجنوب السوري نحو الفوضى، لكنها تبقى رهينة عاملين أساسيين: بناء الثقة مع أهالي السويداء، وموقف الفصائل المحلية من مسار المصالحة. فلا حلول تُفرض من طرف واحد يمكن أن تنجح من دون رد الحقوق وإطلاق سراح المحتجزين وتهيئة بيئة حقيقية للمصالحة الداخلية. فالاستقرار لن يتحقق إلا عبر وحدة وطنية راسخة، بينما أي مسار يعتمد كليًا على الخارج سيظل هشًا وقابلًا للانهيار. عند هذا المنعطف، يتوقف مصير الخطة على قدرتها على أن تكون مدخلًا لإعادة دمج السويداء في الدولة، أو مجرد محطة عابرة في أزمة أطول تُبقي الجنوب ساحة مفتوحة للتجاذبات.